هل يحد حظر جماعة الإخوان من قدرتها على توظيف الحريات العامة لترسيخ حضورها داخل أوروبا؟

هل يحد حظر جماعة الإخوان من قدرتها على توظيف الحريات العامة لترسيخ حضورها داخل أوروبا؟

هل يحد حظر جماعة الإخوان من قدرتها على توظيف الحريات العامة لترسيخ حضورها داخل أوروبا؟


26/03/2026

يمكن القول إنّ هناك اتجاهاً واسعاً بين الحكومات الأوروبية لدراسة ومراجعة الدور السياسي والديني للحركات العابرة للحدود وتأثيرها على المجتمع المدني والحريات الأساسية. 

وتؤكد الخطوة الهولندية الأخيرة بحظر الإخوان أنّ الدول الأوروبية تواجه تحديات مزدوجة تتمثل في حماية الديمقراطية من النفوذ الإيديولوجي الخارجي، وضمان حماية الحقوق الفردية للمواطنين. ومن المرجح أن يسهم القرار في زيادة الضغط على الحكومات لتقييم ومراجعة أطرها القانونية والأمنية بما يتوافق مع حماية النظام الديمقراطي والقيم الليبرالية، وفق المركز الأوروبي.

من شأن المضي في حظر الجماعة أن يحدّ من قدرتها على توظيف فضاءات الحريات العامة كحرية التعبير والمواطنة والمساواة كأدوات لترسيخ حضورها داخل المجتمعات الغربية. وتبدو الحكومة الهولندية متجهة نحو تفعيل هذا المسار عبر حزمة إجراءات قانونية وتنفيذية، تراعي التوازن بين التشريعات الوطنية والأطر الأوروبية الناظمة، وتشمل تدقيقاً موسعاً في أوضاع الكيانات المرتبطة بالجماعة، إلى جانب تعزيز قنوات التنسيق الاستخباراتي مع الشركاء الأوروبيين لرصد الأنشطة العابرة للحدود. ويُتوقع أن يسهم القرار في رفع منسوب اليقظة السياسية والأمنية، سواء لدى صناع القرار أو الرأي العام، بما يدعم تطوير مقاربات استباقية للتعامل مع التحديات الإيديولوجية المُركّبة. وعلى المستوى الدولي تحظى هذه الخطوة بمتابعة حثيثة، لا سيّما من قبل الولايات المتحدة، في سياق مراجعة أوسع لنفوذ الجماعة وانتشارها عالمياً.

التنسيق الأوروبي الأمريكي

وفي هذا الإطار يُرجّح أن يؤدي تنامي التنسيق الأوروبي الأمريكي إلى تعزيز قدرة الديمقراطيات الغربية على إدارة هذا الملف المعقد، عبر تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الأمن القومي وصون الحريات المدنية. ثم إنّ القرار الهولندي، في جوهره، يعكس انتقالاً نحو مرحلة أكثر صرامة تقوم على التدقيق القانوني والمراجعة المؤسسية للأنشطة ذات الطابع العابر للحدود، بما يشير إلى تحول نوعي في آليات التعاطي مع الجماعات الإيديولوجية، بحسب ما يفيد المركز الأوروبي. وتوضح المؤشرات أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً في الأدوات القانونية والأمنية الهادفة إلى تقليص النفوذ الخارجي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابت النظام الديمقراطي وقيمه الأساسية.

في موازاة ذلك، تكشف السياسات التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ أواخر عام 2025 عن تحوّل لافت في المقاربة الأمريكية تجاه الجماعة، حيث جرى الانتقال من محاولات التصنيف الشامل التي تعثرت طويلاً إلى استراتيجية انتقائية تستهدف الفروع الأكثر ارتباطاً بأنشطة العنف أو دعمه، وآخرها جماعة الإخوان في السودان. وقد فرضت الطبيعة البنيوية للجماعة، بوصفها شبكة غير متجانسة عابرة للحدود، تحدياً صلباً أمام أيّ مسعى لتصنيفها ككيان موحد. فمنذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928 تطورت إلى منظومة مرنة وبراغماتية تجمع بين العمل الدعوي والسياسي، وفي بعض الحالات النشاط المسلح، وهو ما جعل تعميم توصيف واحد عليها أمراً معقداً قانونياً. وهذا التعقيد دفع المؤسسات الأمريكية إلى تبنّي مقاربة أكثر واقعية، تقوم على استهداف كيانات محددة بأدلة قابلة للبناء القانوني، بدلاً من خوض معركة تصنيف شاملة يصعب الدفاع عنها قضائياً. 

وعلى امتداد عقود توسع نشاط الجماعة جغرافياً وسياسياً، من مواجهاتها مع أنظمة الحكم في سوريا إلى تأسيس حركات مثل "حماس" في غزة، وصولاً إلى تجارب الحكم في السودان خلال عهد عمر البشير، فضلاً عن حضورها السياسي خلال مرحلة ما عرف بـ "الربيع العربي"، خصوصاً فترة حكم محمد مرسي في العام المشؤوم، وكذلك مرحلة حكم النهضة في تونس التي مثّلت عشرية سوداء، والأمر ذاته مع حكم "العدالة والتنمية" في المغرب. 

الطابع الانتقائي

تكشف هذه المقاربة عن حدود واضحة، أبرزها الطابع الانتقائي الذي قد يسمح بإعادة تشكيل الشبكة بدل تفكيكها، إلى جانب غياب معالجة شاملة للامتدادات غير الرسمية داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن عدم استهداف منظومات الدعم والتمويل بشكل كافٍ. ومع ذلك يفتح هذا النهج الباب أمام سيناريوهات متعددة، تشمل توسيع نطاق العقوبات ليطال فروعاً إضافية، أو التدرج نحو تصنيف أوسع حال توافر الأدلة، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لتعقب الشبكات المالية والتنظيمية، وفق المركز الأوروبي. وفي الأحوال كافة تعكس الاستراتيجية الأمريكية محاولة للتكيف مع طبيعة خصم مرن ومتعدد الأوجه، لا يمكن احتواؤه بأدوات تقليدية. وبينما يحقق النهج التدريجي تقدماً ملموساً، فإنّ نجاحه على المدى الطويل سيظل مرهوناً بقدرته على الانتقال من المعالجة الجزئية إلى مقاربة شاملة تستهدف البنية الفكرية والتنظيمية والمالية للجماعة في آن واحد.

ومن اللافت أنّ القرار الهولندي يتعين في بيئة تشهد العديد من التحولات الاستراتيجية المتسارعة، سواء كان دولياً أو أوروبياً، خصوصاً في ما يرتبط بالتعاطي مع الإخوان. 

لذا، يكتسب هذا التحرك أهمية استراتيجية بالغة؛ فهو لا يمثل مجرد إجراء محلي هولندي عابر، بل يمثل حلقة محورية في سلسلة من الإجراءات الدولية الرامية إلى تفكيك الشبكات العابرة للحدود. إذ إنّ هذا التوجه يعكس انتقالاً نوعياً وحاسماً من سياسات الاحتواء إلى استراتيجية التجريم القانوني الشامل. 

إدراك سياسي جديد

بحسب مركز (تريندز)، لا يمكن قراءة سلوك البرلمان الهولندي بمعزل عن تبلور إدراك سياسي وأمني أعمق لطبيعة التهديد الذي تُمثله جماعة الإخوان على مستوى العالم، خاصة بعد الموقف الأمريكي من العديد من فروعها، بالإضافة إلى التداعيات القائمة داخل النسيج المجتمعي الأوروبي، وتنامي الخطابات المحذرة من التهديدات الناجمة باستمرار الجماعة. فقد استطاع المقترح أن يحشد دعماً من طيف واسع من الأحزاب السياسية الهولندية، متجاوزاً الانقسامات التقليدية؛ وهو ما يعكس اقتناعاً متنامياً بضرورة التصدي لاستراتيجيات التغلغل التي تنتهجها الجماعة لتقويض أسس الاندماج الوطني.

ويردف: "تكمن خطورة الوجود الإخواني في هولندا، وفي عموم القارة الأوروبية، في اعتماد الجماعة المنهجي على تكتيك "المنظمات الواجهة"؛ فالجماعة لا تعمل عادة تحت لافتة تنظيمية صريحة تحمل اسم "الإخوان المسلمين"، بل تتستر خلف شبكة معقدة ومترابطة من الجمعيات الخيرية، والمراكز الثقافية، والمؤسسات الشبابية، والنسائية. هذا التكتيك الهلامي يهدف بالأساس إلى التهرب من الرقابة الأمنية الصارمة، وتسهيل عملية اختراق المجتمعات المحلية، وجمع التبرعات تحت مسميات إنسانية، وتجنيد الأتباع دون إثارة الشبهات القانونية".

وفي المحصلة، ثمة تحديات عدة مع هذا القرار، أبرزها إثبات الارتباط العضوي والتشغيلي بين المنظمات الواجهة داخل هولندا والتنظيم الدولي، خاصة أنّ الجماعة تعمل في هولندا عبر شبكة مرنة غير هرمية، ممّا يجعل الاعتماد على الاسم فقط غير كافٍ للحظر القانوني. ويتعين التعامل مع مواقف بعض الأحزاب الإسلامية ونتائج الانتخابات التي قد تعكس قبولاً محدوداً بالجماعة، فضلاً عن حجم الجالية المسلمة في هولندا وتأثير الروابط التركية الإخوانية المحتملة.

لضمان التنفيذ الفعال يتطلب الأمر تكثيف الجهود الاستخباراتية لرصد التمويل والارتباطات التنظيمية والإيديولوجية للكوادر والجمعيات، وتقديمها كأدلة أمام القضاء. ويمكن أن تستفيد هولندا من التجارب الدولية، خصوصاً النموذج الأمريكي الذي اعتمد نهجاً تدريجياً يستهدف فروعاً محددة وكيانات بعينها، والنموذج النمساوي الذي أطر الحظر ضمن تشريع شامل لمكافحة الإرهاب. ويشكل التعاون الاستخباراتي الأوروبي المشترك مع الشركاء الإقليميين مصدر دعم أساسي لتوفير قاعدة معلوماتية متينة، وضمان نجاح الإجراءات القانونية.

وعليه، يمثل القرار الهولندي خطوة نوعية ضمن مسار أوروبي ودولي أوسع يهدف إلى الحد من نفوذ الإخوان المسلمين، مع الحفاظ على التوازن بين حماية الديمقراطية ومواجهة التهديدات الإيديولوجية العابرة للحدود.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية