ما الذي يَدفع رجُلاً للموت في سبيل وطنه؟

ما الذي يَدفع رجُلاً للموت في سبيل وطنه؟

ما الذي يَدفع رجُلاً للموت في سبيل وطنه؟


15/03/2026

ترجمة: عبود الجابري

يُعَدُّ الموت في سبيل الدفاع عن الأرض حاجة إنسانية متجذرة عبر التاريخ، غير أنّ الحروب في القرن الحادي والعشرين قد لا تلتزم بالضرورة بهذا النهج التقليدي.  

في عام 1917 طُرح على الشاعر الإنجليزي إدوارد توماس سؤال حول الدافع الذي جعله ينضم إلى الجيش رغم بلوغه السابعة والثلاثين من عمره آنذاك. وردّ حينها بإيماءة بسيطة ذات دلالة عميقة؛ إذ انحنى والتقط حفنة من تراب إنجلترا قائلاً: لأجل هذه الأرض. ويعكس هذا السلوك أقدم أسباب اندلاع الحروب في تاريخ الإنسانية، حيث كان الدفاع عن الأرض يمثل الرابط المادي الأساسي الذي يُلهم القتال، ومع حلول القرن العشرين وما شهده من تغييرات جوهرية، أصبح هذا المفهوم يتجاوز مجرد التعلق بالتراب ليصبح رمزاً لفكرة أعمق وأشمل.

في كتابه المميز "حيث تتفتح زهور الخشخاش"، يقدّم الكاتب جون لويس-ستيمبل مقارنة آسرة بين العشق العميق للطبيعة الريفية في إنجلترا وبين انجذاب الألمانِ لغاباتهم الكثيفة التي تتسم بالغموض والرهبة، وكانت هذه الغابات تمثل جزءاً جوهرياً من الهوية القومية الألمانية، متجسدة في شعار "الدم والأرض" (Blut und Boden)  الذي برز بقوة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وهذا التصور التاريخي للألمان قد يستدعي إلى الذهن صوراً مألوفة من عوالم خيالية مثل تلك التي رسمها جيه. آر. آر. تولكين في "سيد الخواتم"، حيث تبدو مخلوقات الأورك كأنّها تجسد هذا الانطباع الثقافي، وجدير بالذكر أنّ تولكين، الذي خدم جندياً في الحرب العالمية الأولى واختبر قسوتها عن قرب، استوحى من تلك التجارب الكثير من معالم ملحمته الأدبية. فقد صور عالم الهوبيت الهادئ كرمز للبساطة والدفء الإنجليزي، وناقضه مع الأراضي المظلمة والصناعية الجرداء التي تعبّر عن عدائية الأورك وافتقارهم إلى كل ما يمتّ للإنسانية بصلة.

بين التراب الذي حمله توماس كرمز للأرض، والخيال الذي صاغه تولكين من بقايا الحرب وعبق التاريخ، تتجلى العلاقة المتينة بين الإنسان والأرض. إنّه ارتباط تطور عبر الزمن ليُشكّل جزءًا لا يتجزأ من صفحات التاريخ ومحاور الأدب على السواء.

عند تكليفي بكتابة هذه المقالة، استحضرت على الفور الإسهامات المتميزة للعالم الهولندي في مجال سلوك الحيوان، نيكولاس تينبرجن، الذي حاز على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء والطب عام 1973، فقد كان لهُ دورٌ بارز في تطوير إطار نظري شامل لتحليل وفهم سلوك الحيوان، عبر صياغته لأربعة أسئلة جوهرية أرى أنّها تحمل صلة وثيقة بدراسة وتحليل ظاهرة الحرب.

هذه الأسئلة تُعنى باستكشاف أبعاد متعددة للظواهر المختلفة، وتتمثل في: 

-  استقصاء أصولها: ما الظروف والعوامل التي أدت إلى نشأتها وتطورها الأولي؟  - دراسة الآليات: ما العمليات الفسيولوجية أو السلوكية التي تُمكّنها من الاستمرار والازدهار؟    

ـ تحليل تطورها الزمني: ما التحولات التي شهدتها على مر التاريخ؟  

 -تقييم وظيفتها: كيف تُسهم تلك الظاهرة في تحقيق التكيف ورفع فرص البقاء والنجاح الإنجابي للكائنات المعنية؟  

ويتناول هذا الإطار منظورًا تحليليًا شاملاً يمكّن الباحثين من توسيع نطاق فهمهم للظواهر الإنسانية المعقدة، مثل الحروب، وهو ما يُفضي إلى دراسة أكثر عمقًا لمكونات هذه الظواهر وأبعادها المتعددة، بما في ذلك الجوانب التاريخية، التطورية، والوظيفية. في هذا السياق تشكّل الأسئلة الرئيسة المتعلقة بهذه المحاور نقطة انطلاق ضرورية لأيّ دراسة أكاديمية تهدف إلى تحليل طبيعة الحروب ودوافعها.

وقد تناول إدوارد توماس هذه القضايا بطريقة ضمنية في سياق أعماله التحليلية، فهو يفترض أنّ السلوك العدائي البشري له جذور طبيعية مشتركة مع باقي الكائنات الحية، حيث يُعتبر الدافع الإقليمي الذي يتمثل في الدفاع عن الأرض والموارد أحد المحركات الجوهرية لهذه السلوكيات الأساسية المرتبطة بالحياة. علاوة على ذلك  يشير توماس إلى دور آلية الخيال بوصفها عاملاً رئيسياً يُسهم في صياغة الإدراك الجمعي والدوافع الفردية ضمن سياقات اجتماعية واسعة النطاق.

من منظور تاريخي وفلسفي، استمد توماس رؤيته من أسطورة وطنية ذات جذور امتزجت بجماليات حركة الرومانسية التي بلغت ذروتها في أوائل القرن التاسع عشر، وهي حركة ثقافية وفكرية شملت مفاهيم تتعلق بالهوية الوطنية والتضحية. وكما كان الحال بالنسبة إلى الكثيرين الذين تأثروا بهذه الحركات الفكرية، شارك توماس في الحرب متأثرًا بدوافع تشبه تلك التي وصفتها فرجينيا وولف عند حديثها عن أحد الجنود في روايتها السيدة دالواي، حيث كانت مشاركتهم مدفوعة برسالة رمزية تجمع بين حماية الوطن وتجسيد القيم الثقافية المتمثلة في أعمال شكسبير التي ترسخت بوصفها تمثيلًا شاملًا لإنجلترا.

في السياق التاريخي، تعود جذور الحرب إلى مرحلة كانت خلالها الدول المشاركة في حرب عام 1914 إمّا مكتملة التشكيل كدول قومية، وإمّا في طور التبلور، وتُعدُّ المملكة المتحدة واحدة من أقدم هذه الدول. وعلى مستوى الدوافع، يبدو أنّ الحرب اكتسبت قوة دفع ذاتية، تغذت من أسبابها الداخلية واستمرت في تغذيتها بشكل متبادل، وقد وجد توماس نفسه بطريقة أو بأخرى محصورًا داخل الإطار السردي الذي اعتنقه بشأن الحرب. ورغم أنّ هذا لا يعني أنّ الروايات والأساطير الوطنية كانت السبب المباشر لنشوب الحرب العالمية الأولى، إلا أنّ تأثيرها كان واضحًا في تمديد أمد الصراع وتعميق جذوره داخل المجتمعات.

في تاريخ البشرية العميق، حينما وصف توماس هوبز ما يعرف بـ "حالة الطبيعة" كما يسميها ستيفن بينكر وآخرون، باعتبارها تصويرًا واقعيًا لحياة الإنسان في زمن بعيد، برز قسٌّ من الريف يُدعى جون فرير ليطرح رؤية مختلفة تستند إلى الأدلة الأثرية، حيثُ قدَّمَ  فكرة جديدة مستوحاة من اكتشافات لأحجار الصوان القديمة، مفادها أنّ الحرب ربما كانت جزءًا أصيلًا من التجربة البشرية منذ البدايات. واللافت أنّ هذه الغريزة لم تكن محصورة بنا وحدنا؛ فالبيانات تشير إلى أنّ أسلافنا لم يكونوا النوع الوحيد من الكائنات البشرية التي خاضت صراعات ربما شبيهة بالحروب.

تشير الأدلة الأثرية إلى أنّ أولى الأدوات التي ابتكرتها البشرية قبل نحو 2.6 مليون عام كانت متعددة الأغراض، إذ استخدمت في أنشطة الصيد ووسائل الحماية، وقد اعتمد الإنسان الأول على الصخور البركانية الدقيقة الحبيبات، وقام بتشكيلها بمهارة لتحويلها إلى أدوات ذات حواف حادة قادرة على شطر اللحوم واختراق العظام. علاوة على ذلك، يبدو أنّ هذه الأدوات قد وُظّفت أيضًا في التفاعلات العدائية بين الأفراد، وهو ما يكشف عن أبعاد معقّدة من سلوك البشر في عصور ما قبل التاريخ. في هذا السياق، يمكن الرجوع إلى دراسات تيموثي تايلور، الأستاذ المختص بتاريخ الإنسانية القديم بجامعة فيينا، الذي قدّم رؤى مهمّة حول هذا المجال المثير لفهم طبيعة البشر الأوائل.

ما الدوافع الأساسية الكامنة وراء هذه الحروب؟ يظهر أنّ جذور النزاعات تمتد إلى ارتباط الإنسان بالأرض وما تقدمه من موارد ووسائل للبقاء. فمنذ فجر التاريخ  كانت الحاجة الملحّة لحماية الموارد النادرة وضمان توفير الغذاء بمثابة السبب الأساسي الذي يشعل فتيل الصراعات، ومع ذلك، فإنّ السلوك الإقليمي المتمثل في الصراع والدفاع ليس ظاهرة عشوائية تعمّ جميع الكائنات، كما أشار عالم الأحياء بجامعة هارفارد، إدوارد أو. ويلسون، في مؤلفه "عن الطبيعة البشرية"، فإنّ الحيوانات لا تتجه إلى الدفاع عن أراضيها إلا في الحالات التي تثبت فيها الجدوى الاقتصادية لهذا السلوك. بعبارة أخرى، يحدث ذلك فقط عندما تكون الطاقة المستهلكة في الدفاع أقلّ من المخاطر المحتملة المرتبطة بالإصابة أو الفقدان للحياة أثناء التصدي لتلك التهديدات.

تشير الدراسات التاريخية والعلمية إلى أنّ الحروب والصراعات لم تكن مجرد أحداث عشوائية أو طارئة، بل هي نتاج تفاعلات اجتماعية واقتصادية مترابطة وعميقة الجذور، امتدت آثارها منذ العصور القديمة حتى وقتنا الراهن، متخذة أشكالًا متنوعة ومتطورة على مرّ الزمن. ومع ذلك، ما يزال الجدل قائماً بين المؤرخين حول أصل الحرب كما نعرفها اليوم: هل كانت بدايتها مع ظهور الزراعة، حيث أصبح لدى البشر ممتلكات تستحق الحماية؟ أم أنّ جذورها تعود إلى نشوء المشيخات، وهي مجتمعات زراعية أكثر تعقيداً من تلك القائمة على الصيد وجمع الثمار، وكانت منتشرة بشكل خاص في مناطق الحضارات القديمة؟

وتُعدّ المشيخات مرحلة انتقالية جوهرية في مسار تطور التنظيم الاجتماعي الذي يُمهّد لظهور الدولة. ومع ذلك من الضروري الإشارة إلى بُعد إضافي يستحق التأمل. وفقًا لرؤية مونتسكيو المعروفة، فإنّ الحرب لا تنشأ فقط نتيجة هجمات عدائية عشوائية، بل تصبح احتمالًا مرجحًا عندما يدرك الطرف الأضعف أهمية تبنّي مقاومة منظمة. وعندما يتم تنظيم الدفاع عن الأراضي بشكل منهجي، يُصبح من الممكن أيضًا تخطيط وتنظيم هجمات مدروسة ضد الآخرين.

في العصر الحديث ظهرت تساؤلات مماثلة تتعلق بتنظيم الحروب وإدارتها. على سبيل المثال، طرح دونالد رامسفيلد في مستهل الحرب على الإرهاب استفسارات حول كيفية تنظيم وزارة الدفاع لعمليات الملاحقة. ويرى البعض أنّ استخدام الطائرات المسيّرة في الصراعات يعبّر عن نمط جديد من "المطاردة البشرية" على نطاق أوسع، حيث تحولت هذه الحروب إلى مهنة قائمة بذاتها، تتميز بأدواتها وتقنياتها المتطورة.

إنّ المصطلحات المرتبطة بالديمقراطية قد تبدو أحيانًا كأنّها مستمدة من مقاربات معقدة مثل تحليل شبكات التواصل الاجتماعي أو الطوبوغرافيا الاجتماعية للعلاقات البشرية. وعلى الرغم من أنّ بعض هذه المقاربات قد تستند إلى أسس أقلّ صلابة علميًا، إلا أنّها تُستخدم لرصد الأنماط الاجتماعية التي تربط الأفراد ببعضهم البعض، ممّا يتيح، على سبيل المثال، تحديد مواضع القوة والضعف داخل أيّ شبكة اجتماعية. بل إنّ هذه الأدوات قد تسهم في استهداف البؤر الأكثر تأثيرًا داخل شبكات معينة، كعناصر الجماعات الإرهابية، بغرض تفكيكها.

ومن اللافت أنّ هذه الأفكار ليست بجديدة كليًا؛ إذ تناول الفيلسوف الإغريقي أرسطو موضوعات مشابهة منذ العصور القديمة. ففي مؤلَّفه المعروف "السياسة"، أشار أرسطو إلى خمس طرق يعتمدها الإنسان لكسب لقمة عيشه، متناولًا الحرب كإحدى هذه الطرق، واصفًا إيّاها بأنّها "شكل من الصيد للأشخاص والممتلكات في الوقت ذاته". ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ الإغريق لم يكونوا يترددون في مواجهة الواقع وتصويره بوضوح ودقة تامتين، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصرهم.

إذا كان النقاش يتمحور حول أصول الحروب، فما أهمية الوقود الثقافي الذي يُبقي لهيبها متقدًا؟ لا يمكن تجاهل الأدب كأحد تلك العوامل المؤثرة. على سبيل المثال، تأملوا الكلمات التي استقاها الكاتب والعالم إدوارد أو. ويلسون في عمله الأدبي "تلة النمل". يستهل ويلسون عمله باقتباس مُقتبس من ملحمة "الإنيادة" الكلاسيكية للشاعر فيرجيل. حيث غيّر مقولته الشهيرة "أغنّي للأسلحة والإنسان" لتتناسب مع رؤيته العلمية، مرددًا: "أغنّي للنمل والإنسان". 

ويطرح ويلسون من خلال هذا التغيير تساؤلاً فلسفيًا عميقًا: هل يمكن أن يحظى كائن محدود كتلة النمل بمكان في سياق الشعر الملحمي؟ وإلى أيّ مدى تُعيدنا هذه الفروق الثقافية، مثل تفردنا بامتلاك الأدب والشعر مقابل افتقار الكائنات الأخرى لهما، إلى تقييم تصورنا لأنفسنا والعالم من حولنا؟

يسلط هذا النص الضوء على جدل فلسفي وعلمي تمتد جذوره إلى عصر داروين، يتعلق بطبيعة الحروب وما إذا كانت متأصلة في تركيبتنا الوراثية أم أنّها نتاج للعوامل الثقافية والاجتماعية، ويتمركز النقاش حول ما إذا كانت النزاعات والحروب تعبيرًا عن صفات بيولوجية مغروسة في جينات الإنسان أم أنّها انعكاس لتطور حضاري وثقافي مميز للبشر وحدهم. قد تكمن الإجابة، في جزء كبير منها، في تأثير الثقافة بوصفها الحاضنة التي سمحت للإنسانية بالنمو والتطور، رغم ما تحمله من تناقضات وتعارضات جوهرية لم تتمكن الكائنات الأخرى، مثل النمل، من تقليدها أو محاكاتها.

من جهة أخرى، تتسم طبيعتنا كبشر بالاجتماعية العميقة، إلا أنّ هناك مظاهر واضحة للسلوك غير الاجتماعي تظهر غالبًا عندما نشعر بتهديد حقيقي لجماعتنا أو ما يمكن وصفه بـ "القبيلة". في المقابل، قد يتمتع النمل بما يمكن تسميته بميزة البقاء والاستمرارية في عالم خالٍ من نزاعات الحضارة البشرية. فغياب الحضارة عن عالم النمل يعني خلو حياتهم من ابتكارات مدمرة مثل القنبلة النووية التي قد تمثل أحد أبرز تجليات التطور الإنساني المزدوجة: قدرتها على البناء والدمار. وهكذا، إذا ما وقعت حرب نووية أدت إلى إبادة البشرية وتدمير مقومات الحياة على الأرض، فقد يظل النمل قادرًا على النجاة، ممهّدًا الطريق نحو مرحلة جديدة من الحياة على الكوكب تفصل بين حقبة الإنسان وما بعدها.

حتى في ظل هذا التصور المتشائم، يمكننا أن نجد بعض العزاء في تأمل فكرة أنّ النمل، بعد اندثار البشرية، لن يتحول إلى علماء آثار يستكشفون بين أطلال المدن العملاقة التي تركتها الحضارة البشرية وراءها. ربما سيواصل هذا الكائن حياته البسيطة بعيدًا عن الحاجة إلى استيعاب أخطائنا أو التأمل في مساراتنا.

وبالنظر إلى الدور الذي اضطلع به فرجيل في دراسة الأدب، يتضح أنّ الأدب ليس مجرد أداة لإحداث ترفيه فكري أو عاطفي، بل يمتلك عمقًا وظيفيًا تكيفيًا يغرس نماذج ملهمة في النفس البشرية من خلال سرد قصص بطولية تستدعي تأملًا في حياة تحمل معاني سامية للعاطفة الإنسانية التي قد تصبح نادرة في أوقات الاستقرار. وبالرغم ممّا تجلبه الحروب من مآسٍ إنسانية، فإنّها تخلق شكلًا مُنظَّمًا من التفاعل الاجتماعي القائم على قواعد اجتماعية محفزة للتعاون والتضحية. ربما تكون فكرة الموت المشرف في سبيل الوطن انعكاسًا لتراكمات ثقافية ممتدة عبر آلاف السنين، ممّا يُفسِّر القدرة العجيبة لهذه الفكرة على الانتشار، كما أشارت لذلك باربرا إهرنرايش في دراستها.

وتناقش إهرنرايش في كتابها "طقوس الدم" كيف يمكن للثقافة، التي قد تبدو للوهلة الأولى وسيلة لتحرر الإنسان من قيود الطبيعة البيولوجية، أن تصبح في بعض الأحيان مصدرًا لقيود أكثر قسوة. وهذا يثير تساؤلات حول مدى قدرة الثقافة على أن تظل دائمًا نصيرًا للإنسانية، وعلى الجانب الآخر، استطاع فرجيل استغلال هذا التحدي كفرصة واعدة؛ حيث تمكّن من خلال ملحمته "الإنيادة" من الارتقاء بمفهوم الولاء، معيدًا صياغته من مجرد انتماء محدود بالمكان أو الجماعة إلى قيمة وطنية ذات طابع عالمي وشامل.

تشكل الوطنية في الإنيادة مفهومًا معقدًا يتداخل مع التقوى، ويتضمن ثلاثة مستويات من المعاني؛ الأول يرتبط بالورع والالتزام الروحي، والثاني يتعلق بالعلاقات الأسرية وبروح الالتزام تجاه العائلة، بينما يتمحور الثالث حول الولاء للأصدقاء والعائلة الموسعة، بالإضافة إلى جماعات الرفقة التي ينضم إليها الجنود خلال الحرب، والتي غالبًا ما يشعرون بفقدانها بعد انتهاء المعارك.

إنّ هذا التداخل الوثيق بين الأدب والفن من جهة، وبين القدرة البشرية على تحويل الموت إلى تضحية تحمل طابعًا مقدسًا من جهة أخرى، يعكس بعمق تأثير الكلمة والإبداع الفني في إعادة تعريف معاني الحياة والموت. ومن المهم الإشارة إلى أنّ مصطلح "تضحية"، المشتق من اللغة اللاتينية، يحمل دلالة ذات بُعد مقدس، ممّا يبرز دور الإبداع البشري في صياغة الوعي الأخلاقي والوطني. وإذا ما تجاوزنا الجذور اللغوية وحفرنا في أصول المفهوم داخل التقاليد الثقافية المختلفة، نجد في التقليد العبري تصورًا للمعاناة بوصفها وسيلة للخلاص. في هذا السياق تُصبح الدولة رمزًا جماعيًا مقدّسًا، ويتحول الدفاع عنها إلى واجب يُلبّي متطلبات دينية وروحية. وعبر تقبل فكرة التضحية كضرورة وجودية، يتمكن الأفراد من اكتساب شعور عميق بقيمة الحياة ومعناها، حيث تغدو هذه التضحية مصدرًا للتقديس الذي يمنح الحياة الغايات الأسمى التي قد تبدو غائبة بخلاف ذلك.

على هذا المنوال، عبّر الفيلسوف روجر سكروتون عن هذه الرؤية بشكل استثنائي في أحد مقالاته المنشورة بمجلة بروسبكت في نيسان/أبريل من عام 2000، المعنون "تدنيس فاغنر"، وفيه يشير إلى أنّ النظرة المتأملة للتضحية تكشف أنّ الإنسان ليس محكومًا بالموت فحسب، بل يكتسب بوساطته طابع القداسة الذي يضع لحياته معنى أسمى.

يتناول السؤال الثالث نشأة الحرب وتطورها عبر التاريخ، حيث يرتبط مفهوم الدفاع عن الأرض عملياً بالدفاع عن الدولة. على مدى خمسة آلاف عام ماضية ظهرت الدول بأشكال متعددة ومتنوعة، وهو ما يعكس تأثير الزمن والتغيرات الاجتماعية والسياسية. في كتابه "عن الطبيعة البشرية"، يركز إدوارد ويلسون على مفهوم التضخم بالمعنى التطوري، مشيرًا إلى التوسع التدريجي للبنى المجتمعية القائمة. ورغم الاختلافات الجوهرية بين الدول في العصور ما قبل الحديثة والحديثة وبين الأنظمة الزراعية والصناعية، إلا أنّ التشابهات بينها تبدو ملفتة، حيث تتطور الدول عادة لتصبح أكثر تعقيداً مع الزمن.

تمثل الدول نموذجاً لما يُطلق عليه علماء الاجتماع "المؤسسات الراسخة"، إذ تتسم بطقوس جماعية، وقصص توصف بالمقدسة، وشخصيات تُعتبر محورية لإنقاذها من الأزمات. كذلك تحتوي هذه المؤسسات على أنظمة للتنشئة تشمل الأعلام والرموز التي توثق الهوية الوطنية، فضلاً عن منظومات القيم والأخلاق التي تميز الجماعات. ويُضاف إلى ذلك الدور البارز للغة بما تحمله من قدرة على تحديد هوية "الآخر" وإبقائه ضمن إطار خارجي. انطلاقاً من هذا التصور، يمكن النظر إلى القومية باعتبارها شكلاً متقدماً من التجسيد الثقافي للنزعة القبلية.

إنّ الدفاع عن الأرض يمكن أن يتجاوز حدود المفهوم التقليدي بشكل كبير، كما يظهر جليًا في التزام الصليبيين الأوائل. فقد اعتُبرت استعادة الأرض المقدّسة بمثابة دفاع عن مجتمع مسيحي عالمي أوسع نطاقًا، وكانت الطبيعة العابرة للحدود الوطنية التي اتسمت بها الحروب الصليبية واحدة من أبرز خصائصها الفريدة. تلك النزاعات، التي أسهم في تأجيجها حب المسيحيين الشرقيين للأراضي التي خضعت للسيطرة الإسلامية، شكّلت دافعًا مركزيًا لانتساب العديد إلى الحملات الصليبية.

مع ذلك، كانت هذه الرؤية للعالم أحادية البُعد إلى حد بعيد، حيث غاب عنها صدى لتعاليم المسيح الخاصة بمحبة الأعداء، بل حتى لم تأخذ بعين الاعتبار إرشادات القديس أوغسطين الذي شدّد على أنّ محبة الأعداء ينبغي أن تفوق محبة الأصدقاء. وعلى الرغم من أنّ مفهوم محبة الجيران كان جزءًا من الشعور الديني والاجتماعي السائد، إلا أنّه غالبًا ما اختُزل في حبّ الأقارب وأفراد العائلة. لقد استند الحافز الأساسي للصليبيين إلى تصور أنّ الأسرة بأكملها كانت تواجه خطرًا وجوديًا.

وفي سياق هذه النظرة للأحداث التاريخية، يشير جوناثان رايلي-سميث في كتابه "الحروب الصليبية: تاريخ موجز" (1980) إلى أنّ الحروب الصليبية يمكن تحليلها في جذورها باعتبارها صراعًا شبيهًا بثأر بين عائلتين متخاصمتين، وهي نزاعات تكون عادة محددة ضمن حدود جغرافية معينة.

عند العودة إلى الحرب العالمية الأولى، يمكننا استحضار رواية ويلّا كاثر الحائزة على جائزة بوليتزر عام 1926، "واحد منا"، وهي عمل أدبي يصوّر بشكل استثنائي قصة شاب أمريكي ينضم إلى صفوف الجيش في عام 1917 لدعم فرنسا. يجد هذا الشاب نفسه مجسدًا ما أشار إليه مواطنه الأمريكي آلان سيغر - الذي خدم في الفيلق الأجنبي الفرنسي وقضى نحبه في معركة السوم عام 1916 - بـ "الامتياز النادر للموت بكرامة". وعلى الرغم من هذه المعاني العميقة، تعرضت الرواية حينها لنقد شديد من طرف إرنست همنغواي، الذي حمل قناعة بأنّ النساء لا يمتلكن القدرة على كتابة أدب الحرب. علاوة على ذلك، ادّعى همنغواي أنّه أول أمريكي يُصاب أثناء الحرب في إيطاليا، إلا أنّ الحقيقة تُظهر أنّه كان الثاني، لكن ولأسباب مختلفة عن الأول، تمكن من النجاة من إصاباته. ومع ذلك، فإنّ السؤال يظل قائمًا: هل نجا فعلًا؟ إذ إنّ حياته بعد الحرب اتسمت بالكثير من الفوضى، ممثلةً في ثلاث زيجات غير موفقة، أطفال يعانون اضطرابات نفسية، محاولات انتحار، وأخيرًا انتحار قاتل. أضف إلى ذلك إخفاقاته المهنية التي زادها تعقيدًا شعوره بالإحباط والخيبة.

على الرغم من هذه التحديات، استطاع همنغواي أن يخلق من شخصيته روبرت جوردان، بطل رواية "لمن تُقرع الأجراس"، نموذجًا لشخص جاء إلى أوروبا ليقاتل إلى جانب الديمقراطيين الإسبان ضد الفاشيين. أمّا في سياق رواية ويلا كاثر، فنرى بطل الرواية الشاب القادم من نبراسكا يُعبّر عن اعتزازه بالدفاع عن فرنسا، التي يعتبرها مهد الحضارة الغربية الحديثة، ضد جحافل البرابرة والهون والأورك. إنّ الرواية "واحد منا" لا تهدف إلى تقديم رسالة مناهضة للحرب؛ بل على النقيض، فهي تحتفي بتضحية الشاب وإقدامه على بذل حياته في سبيل خدمة "العائلة الكبيرة". وفي هذا السياق تتلاقى أفكار الرواية مع كلمات شارل ديغول حينما تحدث عن فرنسا بوصفها "فكرة معينة عن فرنسا"؛ تلك الصورة المثلى التي تعكس عمق تاريخها وثقلها الحضاري.

وهكذا ننتقل إلى الفئة الرابعة والأخيرة: وظيفة الحرب. وظيفة الحرب هي خدمة ذاتها؛ فهي تسجننا في القصص التي نسمع أنفسنا نرويها. ويروي "الجهاديون" لأنفسهم إحدى القصص المؤثرة، متمثلةً بقصة الخلافة "السابقة والمستقبلية"، وهي خلافة افتراضية في حالة أسامة بن لادن، وواقعية وملموسة في حالة داعش (وهذا ما يجعل السياسيين الغربيين يخشون تسميتها بالدولة الإسلامية). لذلك، وبالنسبة إلى داعش، كان العنف وسيلة فعّالة؛ فهو يُجدي نفعًا، ولذلك نراه تهديدًا كبيرًا، مثلما أشار رودني ستارك، عالم اجتماع الأديان في كتابه "نظرية الدين" (1987)، إلى أنَّه كلما كان الدين أكثر تطلبًا، زادت قيمته لدى المتدينين نظرًا للتضحيات التي يجب تقديمها، والتي يرونها جديرة بالبذل. الانتحاريون كالفراشات التي تنجذب إلى اللهب. أفعالهم نافعة للدين وللجماعة، و"الاستشهاد"، كما جادل ويليام جيمس في كتابه "أنواع التجربة الدينية"، هو أحد "الرغبات الدينية" التي تجعل الدين جذابًا للغاية. إنّه نافع للجماعة بالطريقة نفسها التي تتطور بها الخلايا ذات النواة إلى مجتمعات تكافلية من الخلايا البكتيرية. وتتحول طائفة صغيرة إلى علامة تجارية عالمية من خلال قمع الانتقاء داخل الجماعات، وهو ما يُصعّب على العناصر الأنانية التطور على حساب أعضاء آخرين في جماعتها. يُطلق على هذا المفهوم اسم "التحول الكبير" - أي القدرة على اكتساب السلوك ونقله اجتماعيًا في آنٍ واحد.

توفر نظرية التطور إطارًا قويًا لدراسة الإرهاب والحرب، كما هو الحال بالنسبة إلى الدين. وتستحضر جميع الأديان روح المكان: أرض الأجداد، والأرض الموعودة، والقدس، والمدينة على التل، وجنة عدن الجديدة، والخلافة. وكانت النزعة القومية لإدوارد توماس، التي يراها بعض المؤرخين دينًا سياسيًا، شديدة كتجربة دينية. واليوم، يصعب نقل تلك الشدة من الشعور القومي. لقد أصبحنا بعيدين كل البُعد عن الجيل الذي قاتل في معركة السوم. لكن ستجد شيئًا من جوهرها في أروع رواية بريطانية صدرت عن الحرب العالمية الأولى، رواية فريدريك مانينغ "جنودها نحن"، التي تروي قصة مختلفة تمامًا عن تلك التي رواها شعراء حرب الخنادق، فقد كتب مانينغ، المولود في أستراليا، عن صمود الجنود البريطانيين، لا عن بطولتهم. لكن بالطبع، كان صمودهم هو تحديدًا ما كان بطوليًا في التزامهم الراسخ بوطنهم، حتى النهاية. بلغة الجيش في ذلك الوقت، كانوا "يلبّون النداء". وقد فعلوا ذلك في معظم الأحيان دون تذمّر؛ لقد افتخروا كثيرًا بـ "الوقوف إلى جانب بعضهم البعض"، حتى لو قلّل ذلك من فرص عودتهم.

المصدر: كريستوفر كوكر (28 مارس 1953 - 5 سبتمبر 2023)، عالم وفيلسوف سياسي بريطاني، كتب باستفاضة عن الحرب، وعمل  مديرًا لمركز أبحاث السياسة الخارجية التابع لكلية لندن للاقتصاد.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية