
مختار الدبابي
قبل فترة قصيرة دار جدل كبير في تونس حول ندوة حوارية جمعت ثلاثة من المحسوبين على اليسار التونسي وآخر من الإسلاميين، كان في حركة النهضة ثم استقال منها. ومحور الجدل ليس عن محتوى الندوة الحوارية، ولكن بشأن مشاركة “إخواني” في حوار إلى جانب أسماء يسارية بارزة، والسؤال: ما الذي يمكن أن يجمع إسلاميا بيسار تونس، وأغلب التعليقات على مواقع التواصل كانت رافضة فكرة الجمع بين الخصوم التاريخيين في حوار بأي شكل، فكيف بلقاء جبهوي ولو كان ظرفيا.
الندوة التي حملت عنوان “تونس والديمقراطية بين الانتقال والانتكاس؛ رؤى متقاطعة” ضمت أسماء جامعية معروفة في الساحة بينهم سناء بن عاشور، وحمادي الرديسي، والمولدي قيسومي، فيما آلت إدارة الندوة للمحامي الإسلامي سمير ديلو، الذي عمل وزيرا لحقوق الإنسان في حكومة الترويكا 2012. ونظمت الندوة جبهة الخلاص الوطني، التي تجمع إسلاميين ومستقلين بأسماء يسارية تاريخية بينها أحمد نجيب الشابي.
وكان الانتقاد الأساسي في المنطلق هو أن المشاركة في الندوة يضفي شرعية على جبهة الخلاص وعلى تقارب الإسلاميين وبعض الوجوه اليسارية التاريخية، وهو تقارب يجد فيه الإسلاميون طوق نجاة لهم في مرحلة عالية من التوتر بينهم وبين الرئيس قيس سعيد. بدا وكأن هدف اللقاء ليس مناقشة وضع الانتقال الديمقراطي، وإنما جر اليسار للتغطية على الإسلاميين، وأن يكون الثالوث اليساري واجهة تحارب بها حركة النهضة قيس سعيد والإيحاء بوجود معارضة واسعة ومن مشارب فكرية وسياسية مختلفة، وهو ما يريد الإسلاميون تسويقه خارجيا.
ورغم أن دور ديلو كان فقط إدارة الحوار باسم جبهة الخلاص، فقد نظر إليه جمهور واسع من اليسار في مواقع التواصل الاجتماعي على أنه “تطبيع” مع حركة النهضة ذات الخلفية الإخوانية وسعي لتبييضها وتبييض جبهة الخلاص التي تتحرك تحت مظلتها.
وبقطع النظر عن الظروف التي حفت بموجة الاستنكار هذه، فهي تعيد إلى الأذهان حالة العداء بين اليسار والإسلاميين من سبعينات وثمانينات القرن الماضي، التي شهدت أحداث عنف ومواجهات في الجامعة التونسية خلال صعود “الاتجاه الإسلامي” وانتقاله من البعد الدعوي الحاف إلى البعد السياسي ومناصرة اليسار على تمثيل الطلبة ومزاحمة اتحاد الطلبة الذي يهمين عليه الشق النافذ من اليسار بتشكيل اتحاد جديد تحت هيمنة الإسلاميين.
لم يتغير شيء في المشهد، رغم مرور أكثر من أربعين عاما على أحداث العنف التي شهدتها بعض الكليات التونسية مثل كلية العلوم في تونس وكلية الآداب بمنوبة. الأرضية الفكرية والنفسية هي نفسها، وتقوم على عدم الاعتراف بالآخر، ليس فقط كفاعل سياسي ولكن كوجود من حيث المبدأ، والتشريع فكريا لنفيه وتبرير ممارسة العنف عليه لوأده أو دفعه إلى التراجع والانكفاء. خلقت تلك الفترة حاجزا نفسيا سميكا يمنع أي تقارب ولو من باب التكتيك أو المجاملة، وإذا حصل فمن باب الاضطرار وسرعان ما يتم التبرؤ منه واعتبار أي لقاء خطوة خاطئة وتحميل من أقدم عليها مسؤولية ذلك وتخوينه وشيطنته.
في نوفمبر 1982 طرح الإسلاميون “ميثاقا طلابيا موحدا” لم يتم التفاعل معه، ونظر إليه اليسار على أنه مناورة لتأمين الاعتراف بعناصر “الاتجاه الإسلامي” وتمكينهم من النشاط والاستقطاب تحت مظلة الميثاق. قد يكون المقترح مناورة أو فكرة من غير بنات الإسلاميين الذين كانوا قد دخلوا للتو مربع السياسة ويريدون “فتح” الجامعة التي ظلت لأكثر من عقد تحت تأثير اليسار وأفكاره.
وكان من المنطقي أن تفشل مبادرة الميثاق الموحد لأنه ليس هناك طرف على استعداد للحوار بله الاعتراف المتبادل وفتح حلقات نقاش لمختلف المجموعات الفكرية بمن في ذلك الإسلاميون الذين كان اليسار يصفهم بالظلاميين فيما يطلقون هم على اليسار مفردات عن الكفر والإلحاد والارتهان لروسيا أو الصين.
نقطة الخلاف الرئيسية في انطلاقها كانت عن الدين. اليسار التونسي كان وقتها يردد مقولات وافدة عن الدين أفيون الشعوب، وفي أقصى الحالات من الانفتاح كان ينظر إلى الدين على أنه شأن خاص. في الجهة المقابلة، تخلى الإسلاميون عن هيأة “الجماعة الإسلامية” التي كانت تحت تأثير بعض الشيوخ خريجي جامع الزيتونة ممن كان شعارهم إصلاح الفرد وحصر الدعوة أو الاستقطاب في تعليم الناس الصلاة والالتزام بالصوم في ذروة صعود الخطاب العلماني الليبرالي واليساري، وغيروا الاسم ليصبح “الاتجاه الإسلامي” في يوليو 1981، وهو تغيير متعجل واقع تحت تأثير الشرق، بشقيه الأول التأثير الإخواني الذي حمله راشد الغنوشي من رحلته الدراسية والحياتية في مصر وسوريا، وتأثير ثورة الخميني في 1979. تغيير ينظر إلى الدين على أنه أداة سياسية للوصول إلى السلطة، ووسيلة فعالة للاستقطاب والصدام مع الخصوم من يسار وسلطة.
وهكذا، فإن المنطلق لم يكن يسمح بأي أرضية التقاء بين الطرفين، اللذين بلغا مرحلة قصوى من التحشيد والاستقطاب بين الطلبة في الثمانينات قبل ميل الكفة لصالح الإسلاميين لفترة محدودة أنهاها الصدام بينهم وبين بورقيبة في 1986 – 1987 ثم مع بن علي في 1990 – 1991.
لم تحدث أي مراجعات يمكن أن تسمح لاحقا بلقاء بين الإسلاميين واليسار، والمقصود لقاء حواري معلن ويتم تبنيه بين الفريقين وليس لقاء جبهويا حول أرضية سياسية أو اجتماعية محددة. وقد تُرك الأمر إلى المزاجية السياسية كما حصل في تجربة أكتوبر 2005، حيث خاض عدد من النشطاء السياسيين من اليسار (تيار حزب العمال) ووسط اليسار ومن الإسلاميين إضراب جوع. وتم التعاطي مع هذه التجربة على أنها اختراق نوعي، لكن ما جرى من توترات وحملات وهجمات سياسية بعد ثورة 2011 بين الأطراف الممثلة في الإضراب أحبط التفاؤل بإمكانية اللقاء بين الإسلاميين واليسار، على الحد الأدنى فكريا وسياسيا، وتطويره إلى لقاء جبهوي غير انتهازي ينتهي بانتهاء مبرراته.
من المهم الإشارة إلى أن صعوبة الحوار بين اليسار والإسلاميين ليست أمرا خاصا، بل هي جزء من أزمة انغلاق عامة بين الفرقاء الأيديولوجيين وحتى داخل نفس التيار.
صحيح أن العداء بين الطرفين مستحكم بشكل يمنع حدوث التقاء مرحلي أو تكتيكي على أسس واضحة، كما يمنع حدوث نقاشات معلنة في ندوات حوارية أو على أعمدة الصحافة أو في برامج تلفزيونية، ويميل إلى التعمية والإيحاء بامتلاك الحقيقة وشطينة الآخر، لكن غياب الحوار يشمل أيضا العلاقات داخل التيارات الأيديولوجية المتجانسة فكريا، فاليسار يسارات، والتشظي مستمر داخل فروعه لاعتبارات في أعمها ترتبط بالزعامة ورفض القيادات التاريخية تسليم المشعل، وأيضا هناك خلاف حاد بشأن الموقف من حكم قيس سعيد، البعض يرى أنه يحقق ما يريده اليسار من تحجيم حركة النهضة ومنعها من التغول، والبعض الآخر ينأى بنفسه، وهذا عنصر أساسي في الخلاف داخل العائلة اليسارية، وهو أحد عناصر أزمة اتحاد الشغل حاليا.
ترتبط الخلافات الداخلية بين الإسلاميين بدورها بقضية الزعامة واستمرار الاحتكام إلى تقاليد “الأمير” الحاكم بأمره رغم ما يجري من حديث عن “ديمقراطية داخلية” والاحتكام إلى المؤسسات. كما أن الإسلامي البراغماتي والمرن في محاورة الآخر يصبح متصلبا في الخلاف مع أي طرف داخل العائلة الإسلامية ويلجأ إلى حسم الخلاف باستدعاء الآيات والأحاديث وتطويعها لخدمة نفسه وإدانة خصمه الإسلامي.
وبالنتيجة، فإن فكرة الحوار داخل العائلات السياسية التونسية تكاد تكون معدومة رغم ما قد نسمعه من تركيز على مفردات مثل الانفتاح والتسامح وسعة الصدر. يراد الوصول إلى حوار مفرغ من أي مضمون، فلا يقود إلى تنازلات ولا إلى مراجعات، وخاصة التمترس داخل منظومة فكرية وفقهية وإسقاطها على الواقع، فاليساري أو الإسلامي السلفي في الفكرة يلجأ إلى المدونة الأصلية لتنزيه الذات وشيطنة الآخر، ولا يبدي المرونة أو الانفتاح إلا إذا كانت الأمور لصالحه، وهو ما يفسر مطالبة الآخر دائما بإظهار حسن النية عبر تقديم التنازلات وتنزيه النفس والحزب والأيديولوجيا، وهذا ما قد يفسر إلى حد كبير كيف سطت التيارات على ثورة 2011 وأنهكتها بالخلافات والمماحكات والضرب تحت الحزام. كل يريدها لصالحه ويخربها بكل الطرق حتى لا يستأثر بها غيره.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

