هل يمنع هوس الزعامة اليسار التونسي من توحيد صفوفه؟

هل يمنع هوس الزعامة اليسار التونسي من توحيد صفوفه؟

مشاهدة

13/07/2020

ظلّ اليسار التونسي، على امتداد تاريخ تأسيس الجمهورية الأولى والثانية، رقماً مهماً في المشهد السياسي التونسي، من السريّة إلى العلن، بعد ثورة 2011، التي مثلت منعطفاً حقيقياً لأحزاب هذه العائلة السياسية لترويج أطروحاتها وإثبات عمقها الاجتماعي، وبقيت خصماً سياسياً شرساً لكلّ الأنظمة المتعاقبة منذ الاستقلال، إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة خلال المحطة الانتخابية الأخيرة، التي لم يتمكّن فيها من الحفاظ على طبيعته في المنظومة السياسية.

اقرا أيضاً: الجزائر وتونس تضغطان لفرض أجندة دول الجوار في ليبيا

فبعد خسارته في الجبهة الشعبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وحصوله على مقعد "يتيم" في البرلمان، صار محكوماً برهان تجديد الشرعية وتحدي استعادة المشروعية، للعودة من جديد إلى المشهد السياسي، الذي شهد تغيّراً جذرياً شكلاً ومضموناً، بعد المفاجآت التي حملتها انتخابات 2019.

 هوس الزعامة قضى على آخر أحلام توحّد اليسار

محاولات الإنعاش

المعطيات الواردة من كواليس الحياة السياسية التونسية تفيد بوجود محاولات جديّة لتجميع أحزاب اليسار التونسي، التي فشلت جميعها خلال المحطة الانتخابية الأخيرة، بعد أن خاضتها مشتّتة ومنفردة، بقيادة اليساري المخضرم، عبيد البريكي، أمين عام حركة "تونس إلى الأمام" اليسارية، رغم أنّها ليست المرّة الأولى التي يحاول فيها تجميع شتات يساره.

اليساري المخضرم، عبيد البريكي، أمين عام حركة "تونس إلى الأمام" لـ"حفريات": هناك مساعٍ كبيرةٍ بين مختلف أحزاب اليسار التونسي للتنسيق في مختلف القضايا المطروحة على الساحة

تأكيداً على ذلك؛ أقرّ البريكي في تصريحٍ لـ "حفريات"، بوجود مساعٍ كبيرةٍ بين مختلف أحزاب اليسار التونسي للتنسيق في مختلف القضايا المطروحة، في مقدمتها جائحة كورونا وتداعياتها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وذلك كخطوة أولى هدفها تجميع هذه الأحزاب، وربّما دمجها وتوحيدها، في خطوةٍ لاحقةٍ.

 

وقال البريكي: "محاولات التقارب هذه لا تقتصر فقط على الأحزاب المنظّمة، بل تشمل أيضاً شخصياتٍ وطنيةٍ يسارية، من أجل تجاوز أخطاء الماضي"، مشدّداً على أنّ هذه التجربة لن تكون فوقية، ستعتمد على قواعد اليسار هذه المرّة، أكثر من قياداته، وسيصاغ خلالها برنامج سياسي اجتماعي، وعلى إثره تتمّ مراجعة خطاب اليسار، وإجراء مصالحة شاملة مع الشعب، وذلك عبر تجاوز النضال داخل النقابات، والتوجّه مباشرةً إلى الشعب.

اقر أيضاً: احتجاجات جنوب تونس بعد مقتل شاب برصاص الجيش

وعن هذه الأحزاب التي تحاول الالتقاء، ربما، في حزب سياسي واحد، قال إنّه تمّ مبدئياً الاتفاق مع كلّ من حزب العمال، الذي يقوده حمّة الهمامي، وحزب البعث والحزب الوطني الاشتراكي الثوري والاشتراكي التقدّمي، إلى جانب التيار الشعبي، وبعض الأحزاب الأخرى.

 اليسار التونسي ظل يساراً احتجاجياً مشاكساً للسلطة

وكان البريكي قد سعى جاهداً، عام 2018، بعد إقالته من حكومة يوسف الشاهد الأولى، إلى توحيد أحزاب اليسار، في هيكلٍ موحّدٍ، أراد أن يسميه "اليسار الكبير"، غير أنّ أحلام قيادات اليسار كانت أكبر من أن يستوعبها حزب واحد، وفشل في تقريب وجهات النظر فيما بينها.

لاعب بلا حضور

بعد ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، كان متوقعاً بإلحاح أن يكون اليسار التونسي لاعباً محورياً في مرحلة البلاد الجديدة، والطرف الأجدر للقيادة، خاصّةً أنّ أحداث الثورة انطلقت من أمام الجامعات والنقابات التي تعدّ المعاقل التاريخية لليسار التونسي، إلى جانب تمحور مطالبها حول التشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية يسارية الرؤية.

اقرا أيضاً: تونس: خطاب التكفير والتهديد بالتصفية الجسدية يعود من جديد

وكانت لحظات الثورة يسارية في ملامحها؛ إذ كانت تنظيمات اليسار، مثل: "الاتّحاد العام لطلبة تونس"، وناشطين من اليسار الراديكالي، ونقابات مهنية تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية تدافع عن العمال)، كانت في مقدمة مسيرات الاحتجاجات التي أطاحت نظام بن علي، في وقتٍ كانت فيه قيادات التيار الإسلامي تراقب تطورات المشهد من عواصم أوروبا، ومن داخل السجون.

إبراهيم العمري: الأطروحات اليسارية ما تزال تقارب الواقع من منطلقات مسبقة، نظرية وفكرية، لا تأخذ في الاعتبار ما يحدث فعلياً، فمواقف اليسار ظلّت راكدة، وزاويا نظرها ضيّقة.

رغم زخم تجاربه النضالية؛ ظلّ اليسار التونسي خارج دائرة الحسابات الانتخابية، وفشل في أن يجد له موقعاً داخل المجتمع، فقد شكّلت تجربة انتخابات العام 2011 خيبةً في رصيده، ومُني فيها بهزيمةٍ كبيرةٍ، بعد أن خاضتها أحزابه بشكلٍ منفردٍ، فتحصّلت جميعها على ثلاثة مقاعد داخل المجلس التأسيسي، لكنّ هذه الهزيمة لم تؤدِّ إلى غياب هذه الأحزاب عن المشهد العام، وحظي قادتها بحضور إعلامي كبير، وباتت صوت المعارضة الأوّل في البلاد.

وعام 2013؛ خلال مساعي هذه الأحزاب اليسارية التوحّد، وتأسيس الجبهة الشعبية (ائتلاف لـ 11 حزباً ماركسياً وقومياً)، فقدت اثنين من أهم زعمائها، في عمليتيْ اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ما ساهم في ارتفاع شعبيتها، وباتت إحدى أكبر ثلاث قوى سياسية في البلاد.

وبدت في انتخابات 2014، مستوعبة للهزيمة القاسية التي تلقتها في انتخابات 2011، وحققت تطوراً ملحوظاً فازت إثره بـ 16 مقعداً، بينما حلّ حمة الهمامي، الذي ترشّح للمرّة الثانية للرئاسيات، في المرتبة الثالثة، وهي نتائج غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب اليسارية في تونس.

في انتخابات 2019، مني هذا اليسار بهزيمة مهينة، بعد أن حصل حمة الهمامي على0.7% فقط من الأصوات، في حين نال 7.9% من الأصوات، في انتخابات 2014، في المقابل حصل المرشح الثاني، منجي الرحوي، على 0.1%.

أما حصيلة الانتخابات التشريعية؛ فكانت مقعداً يتيماً حصده الرحوي عن دائرة محافظة جندوبة.

الباحث التونسي وعضو الجمعية التونسيّة للدراسات الفلسفيّة، فريد العليبي، أرجع هذا الفشل المتواصل إلى البحث عن المكاسب الفئوية، وضعف التكوين النظري، وعدم الالتفات ناحية قراءة الأوضاع المتحركة دوماً، إلى جانب التردّد على صعيد الممارسة والتكتيكات المتذبذبة، التي تمرّ أحياناً من النقيض إلى النقيض، وتفشي مسلكية أخلاقية ليبرالية وانتشار الدوغمائية، وترديد الشعارات والقوالب الجامدة.

ورأى العليبي؛ أنّ محاولات توحيد أحزاب اليسار فاقدة للكثير من مقومات النجاح، فهي تريد إنجاز عملية تجميع لا وحدة تتضمّن عناصر الديمومة سياسياً وتنظيمياً، خاصّةً أنّ الوحدة تقتضي، أولاً، نقاشاً يفضي إلى وضع برامج وخطط سياسية، وضبط نظم وقوانين داخلية، ثم ثانياً الانخراط في ممارسة تخضع إلى تلك المحددات، وامتلاك القدرة والجرأة على تغيير الشعارات والخطط في الوقت المناسب.

العليبي أضاف أنّ التجميع يقفز فوق ذلك كلّه، خاضعاً للعواطف والانفعالات الظرفية، بالتالي؛ فإنّه ردّ فعل أكثر من كونه فعلاً، وهكذا ينتهي بسرعة، وأحياناً قبل حتى تجسيده واقعياً، ثم يكون الافتراق؛ إذ تكتشف القوى التي جرى تجميعها تنافرها، فتنخرط في حملات التشهير المتبادلة.

هوس الزعامة وفنّ التحايل على الواقع

هذا اليسار المؤمن بالإدارة الجماعية للذات السياسية، وبالقيادة اللامركزية المرتبطة بمناضلي الجهات والأقاليم، ارتبط منذ عودة نشاطه علناً في تونس، بعد 2011، بصورة الزعيم الواحد القادر على فعل كلّ شيء، وعلى القيام بالمهام الثورية، فضلاً عن غياب الإرادة السياسية لدى زعماء وقيادات اليسار لتقريب وجهات النظر.

فبرزت الخلافات تباعاً، وخرج الصدام بين حزب العمال الشيوعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد إلى العلن، فكانت القطرة التي أفاضت الكأس؛ إذ دخل الهمامي والرحوي في صراع محموم من أجل الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، رغم عدم وجود المقومات اللازمة لإعلان هذه الرغبة، صراع أدى إلى تقسيم الجبهة بين تيارَين استنفرا من أجل رهان منصب رئاسة الجمهورية، الذي خسراه معاً، بنتائج جدّ مهينةٍ.

وفشلت بذلك الجبهة الشعبية في الحفاظ على وحدة صفّها، بعد انقسام أبرز مكوناتها إلى شقّين، وانخراطهم في صراع قانوني حول الملكية القانونية لهذا التكتل وشعاره الانتخابي، ورأى محللون سياسيون آنذاك؛ أنّ الخلاف "شخصي" بين قيادة حزب العمال، ممثلة في حمة الهمامي ورغبته في مواصلة تمثيل الجبهة الشعبية وتزعمها، وقيادات حزب الوطد الرافضين لاستمرار هيمنه هذا الحزب على الجبهة الشعبية، مقابل رغبتهم في التغيير وإقرار التناوب على المناصب.

ويرى مراقبون أنّ اليسار التونسيّ ظلّ خلال تجربته السيّاسيّة كاملة، يساراً احتجاجياً مشاكساً للسّلطة، ومعارضاً لكلّ برامجها، مما جعله عرضة للتفكّك، وعقّد وصوله للشعب، فحافظ على طابعه النخبويّ واقتصر فقط على الفئات المثقّفة.

ويعتقد الأستاذ في العلوم السياسية، إبراهيم العمري؛ أنّ الأطروحات اليسارية ما تزال تقارب الواقع من منطلقات مسبقة، نظرية وفكرية، لا تأخذ في الاعتبار ما يحدث فعلياً، ومواقف اليسار ظلّت راكدة، وزاويا نظرها ضيّقة.

ولفت العمري، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ "اليسار الذي تأسس عام 1919 ظلّ منقسماً ومتردّداً على امتداد فترة نشاطه؛ بسبب صراعاته الداخلية وخطابه الإقصائي وعدم واقعيته، وتنصيب نفسه وليّ أمر هذا الشعب، الذي إذا اختارهم عدّوه تقدمياً وواعياً ومسؤولاً، أما إذا لم ينتخبهم فيكون متخلفاً وغير قادرٍ على الاختيار".

عبيد البريكي ظلّ يحاول منذ 2018 تجميع أحزاب اليسار في حزب يساري واحد كبير

العمري شدّد أيضاً على أنّ محاولات إنعاش اليسار تقتضي جهداً طويلاً، يضيق به صدر المحاولين، بفعل زعاماته التي يتوجّب عليها التقاعد المبكر، خاصّةً أنّ البعض منها تجاوز 40 عاماً في القيادة، فيما بقيت الخيبات نفسها، داعياً هذه الأحزاب، بمختلف تسمياتها، والتي خاضت نضالاتٍ فعليةٍ ضدّ النظام السياسي البورقيبي، إلى عقد مؤتمرات إنقاذ تتّفق مع خيارات الشعب.


الصفحة الرئيسية