تونس: خطاب التكفير والتهديد بالتصفية الجسدية يعود من جديد

تونس: خطاب التكفير والتهديد بالتصفية الجسدية يعود من جديد

مشاهدة

06/07/2020

تصاعد خطير لخطابات التكفير والتطرّف، باتت تعيش على وقعها تونس خلال الأشهر الأخيرة، حتّى إنّها أصبحت تُلقى باسم الشعب في مجلس "نواب الشعب"، وبتأييد ودفاع من بعض الأطراف التي باتت مُمثّلة في البرلمان، وهو ما يراه التونسيون مؤشراً قوياً لعودة خطاب التقسيم القديم الذي تمّ حسمه بموجب الفصل الثاني من الدستور، والذي ينصّ على أنّ تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة وسيادة الشعب وعلوية القانون.

رافع الطبيب لـ"حفريات": انتخابات 2019 حوّلت البرلمان التونسي إلى حلبة، وصعود ائتلاف الكرامة وجزء من عناصر حركة النّهضة ساهم في تنامي خطاب التكفير والتحريض والشيطنة

ولا تبدو خفية على الأوساط السياسية والشعبية في تونس خطورة تنامي خطاب الترهيب والتخويف للشخصيات السياسية، وتتالي التهديدات بالتصفية الجسدية لها؛ إذ اكتوت تونس سابقاً بنار الاغتيالات، التي أودت بحياة المعارض اليساري البارز، شكري بلعيد، والنائب في المجلس الوطني التأسيسي، محمد البراهمي، عام 2013، حين كانت حركة النهضة تتصدّر الحكم.

ويرى متابعون أنّ صعود تيارات "الشعبوية الدينية" سيعطي مجالاً لانفجار الكراهية وصعود الخطاب العدواني ضدّ الدولة المدنية وسلمية العمل السياسي، بعد الهدوء النسبي في فترة رئاسة الراحل الباجي قائد السبسي.

شبح الإرهاب يعود من جديد

عبر هذه الخطابات الصادرة عن ممثلي أقصى اليمين (ائتلاف الكرامة) الصاعد حديثاً للبرلمان، والتناحر بين الإسلاميين من جهةٍ (حركة النهضة وائتلاف الكرامة)، ومن يمكن تسميتهم بالدستوريين الراديكاليين (الحزب الدستوري الحر) من جهةٍ أخرى، عاد شبح الاغتيالات السياسية ليخيم على الشارع التونسي، خصوصاً بعد تعرّض الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، إلى تهديدات بالتصفية الجسدية.

 ويتهم الطبوبي حركة النهضة بالوقوف وراءها، على خلفية قرارات الهيئة الإدارية، وخطاب الطبوبي خلال التجمع الجماهيري الذي شهدته محافظة صفاقس (جنوب تونس)، نهاية الأسبوع الماضي.

سامي نصر: التطوّرات الخطيرة التي يشهدها البرلمان التونسي تتطلّب إطلاق صيحة فزع، والماكينة السياسية عملت منذ أعوام وفق منطق الشيطنة والشيطنة المضادة

وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، قد كشف تلقيه تهديدات بالقتل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفاً: "التهديدات بالقتل أمر لا يزعجني، ولست الأمين العام الأول للمنظمة، ولا الأخير، الذي يتلقى تهديدات"، واصفاً المعادين للاتحاد بـ "المراهقين السياسيين".

وقد تداولت صفحات اجتماعية منشوراً لشخص يُدعى مُعز علي، تضمّن تهديداً بالقتل وجهّه مباشرةً إلى الطبوبي، ودعا فيه إلى سفك دمه، وذلك رداً على خطابه الأخير، الذي وجه فيه انتقادات لاذعة لعدد من السياسيين.

وتعرّضت سابقاً رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ بالبرلمان، عبير موسي، إلى تهديدات بالتصفية الجسدية، قالت إنّها صادرة من خصومها السياسيين، ما دفع بوزارة الداخلية التونسية إلى تمكينها من حماية أمنية درءاً لسيناريو الاغتيالات التي عصفت بالبلاد، عام 2013.

 
مظاهرات حاشدة في تونس ضد الغنوشي وحركته بقيادة عبير موسي أبرز ضحايا حملة التهديدات بالاغتيال التي تشنها النهضة مؤخراً

مظاهرات حاشدة في تونس ضد الغنوشي وحركته بقيادة عبير موسي أبرز ضحايا حملة التهديدات بالاغتيال التي تشنها النهضة مؤخراً

Posted by ‎حفريات‎ on Sunday, July 5, 2020

وقبلهما تعرّض النائبان عن حركة الشعب، زهير المغزاوي وسالم الأبيض، والنائبة عن التيار الديمقراطي، سامية عبو، لتهديدات إرهابية، بحسب ما كشفت عنه وزارة الداخلية.

وعن هذا التصعيد الخطير للخطاب السياسي المتطرّف، يرى الباحث التونسي والمحلل السياسي، رافع الطبيب؛ أنّ انتخابات 2019 حوّلت البرلمان التونسي إلى حلبةٍ، بين تياراتٍ شعبويةٍ وأخرى متطرّفةٍ، كادت تسقط به إلى مستنقعٍ لأكثر الظواهر تخلّفاً وانحداراً في المجتمع، بفعل الشعارات المرفوعة، على غرار استرجاع الثروات، ومحاربة الفساد، وطلب اعتذار من دول كبرى.

اقرأ أيضاً: تونس في عين العاصفة الليبية: ماذا بعد زيارة سعيّد لباريس؟

ورأى الطبيب، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ صعود ائتلاف الكرامة، وجزء من عناصر حركة النّهضة، خلال الانتخابات التشريعية الماضية، ساهم في تنامي خطاب التكفير والتحريض والشيطنة، لأنّهم غير قادرين على تقديم أيّ نوعٍ من البدائل السياسية، أو المشاريع والتصورات التنموية، حتى البرلمان أصبح من أكثر المؤسسات كرهاً لدى التونسيين.

حملة استنكارٍ واسعةٍ

وأثارت التهديدات موجة استنكار واسعة في تونس؛ حيث ندّد حزب مشروع تونس بما رآه "تهديدات مشينة وجهتها الأطراف الدموية المعروفة نفسها، لأمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، السيد نور الدين الطبوبي، داعية لهدر دمه"، وذكّرت الحركة بتعرّضها لتهديدات مماثلة دون أن تحرك النيابة العمومية ساكناً.

ورأى الحزب الجمهوري؛ أنّ هذه التهديدات هي جزء من "الحملة المغرضة التي يشنّها مثلث الفساد والجبن والتطرف على منظمة حشاد العظيم (اتحاد الشغل)، في محاولة يائسة للمسّ بالمكانة المحورية والتاريخية للاتحاد العام التونسي للشغل، وبنضالاته المشهودة في حركة التحرر الوطني، وبناء الدولة الوطنية، مروراً بمعركة الحريات النقابية والعامة، وصولاً إلى الدور الريادي في إسقاط نظام الاستبداد والفساد، وحماية المسار الديمقراطي الذي تعيشه تونس اليوم".

كما عبّر حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي عن تضامنه مع الاتحاد العام التونسي للشغل، ومع أمينه العام، ضدّ خطاب الكراهية والعنف وكلّ أشكال التحريض، معتبراً أنّ الحملات الممنهجة ضدّ منظمة الشغيلة والصادرة عن أطراف سياسية، داخل البرلمان وخارجه، لا تؤمن بمدنية الدولة، وعرفت بعدائها للعمل النقابي، وهو ما ساهم في إشاعة خطاب العنف والتحريض، وهتك الأعراض عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: هل تتوقف أحزاب المعارضة التونسية عن حروب الزعامة وتتوحد من جديد؟

من جانبها، أصدرت جمعية اتحاد التونسيين المستقلين من أجل الحرية، بياناً عبّرت فيه، عن تضامنها مع قيادات اتحاد الشغل في مواجهة الحملات المسعورة والتحريض على القتل والسحل، داعيةً رئاسة الجمهورية والحكومة لحماية كلّ من يتعرض لأيّ تهديد يطال حريته أو حرمته الجسدية.

وشهدت الفترة الأخيرة تراشقاً واتهامات متبادلة بالعنف والفساد بين اتحاد الشغل وائتلاف الكرامة الإسلامي.

وفي قراءته للمشهد البرلماني، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي، سامي نصر، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ التطوّرات الخطيرة على مستوى الخطاب والمداولات، التي يشهدها البرلمان التونسي، باتت تتطلّب إطلاق صيحة فزعٍ، نظراً لما وصلت إليه الأوضاع من تهديدات إرهابيةٍ، وتحريضٍ على العنف، وسوء توظيفٍ للحصانة البرلمانية، من طرف بعض النواب الذين يرون أنفسهم فوق القانون.

وكشف نصر؛ أنّ التونسي بصفة عامة، سواء كان سياسياً أو مواطناً عادياً، تكوّنت لديه شحنة عنفية مكبوتة، بفعل السياق العام للبلاد، على مختلف الأصعدة، وهو ما تؤكّده نسب الجريمة التي ارتفعت بحوالي 70%، فضلاً عن تطوّر أساليب الإجرام، وأرجع ذلك إلى الماكينة السياسية التي تعمل منذ أعوام وفق منطق الشيطنة والشيطنة المضادة.

الباحث في علم الاجتماع أضاف أيضاً؛ أنّ المحطات الانتخابية التي عاشتها تونس منذ 2011، كانت جميعها انتقامية وليست عقلية؛ إذ حاول التونسيون الانتقام من النظام السابق فانتخبوا حركة النهضة، وفي 2014 حاولوا الانتقام من حركة عبر انتحاب نداء تونس العلماني، وفي 2019 حاولوا الانتقام من المنظمة السياسية برمتها، فانتخبوا تياراتٍ شعبويةٍ، همّها الوحيد الركض وراء ثقافة الإثارة والبروز.

خطاب التكفير داخل البرلمان

وتتخذ الخلافات داخل المؤسسة التشريعية (البرلمان) منحى خطيراً، منذ بداية المدة النيابية الحالية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وصل إلى التحريض على تصفية الخصوم السياسيين؛ إذ قال النائب عن ائتلاف الكرامة، محمد العفاس، في تصريحٍ شغل الرأي العام التونسي، وتسبّب بموجة غضبٍ ضدّه وصلت حدّ المطالبة برفع الحصانة عنه، إنّ التكفير حكم شرعي لا ينبغي الخجل منه.

زهير المغزاوي: صعود ائتلاف الكرامة الذي يعدّ الشقّ المتطرف لحركة النهضة، تسبّب في تنامي الخطاب التكفيري داخل المؤسسة التشريعية الأولى في البلاد

وجاء تصريح العفاس تأييداً لمضمون ما قاله زميله في الكتلة نفسها، نضال السعودي، الذي رأى أنّ "بعض أعداء الإسلام لديهم مشكلات مع الإسلام هم في البرلمان"، وقد دانت حينها رئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، مداخلات النائبين، واعتبرت أنّ التجييش ضدّها وتكفيرها أخذ منحى تصاعدياً.

ولا يبدو خطاب العفاسي، الذي كفّر فيه زميلته في البرلمان، بعيداً عن تصريح النائب عن حركة النّهضة، الحبيب اللوز، الذي اتّهم، عام 2014، زميله القيادي من الجبهة الشعبية، منجي الرحوي، بعدائه للدين الإسلامي، ما أثار جدلاً كبيراً آنذاك.

من جانبه، يرجع النائب بالبرلمان، زهير المغزاوي، تنامي الخطاب التكفيري داخل المؤسسة التشريعية الأولى في البلاد، إلى صعود ائتلاف الكرامة خلال انتخابات 2019، والذي قال إنّه الشقّ المتطرّف لحركة النّهضة الإسلامية داخل المجلس.

وقال المغزاوي، الذي شغل منصب نائبٍ بالبرلمان منذ 2014، في تصريحه لـ "حفريات"؛ إنّ البرلمان شهد أيضاً، خلال الفترة النيابية بين 2011-2014، خطاباً تكفيرياً ورد على لسان نواب حركة النهضة، وهو ما أدخل البلاد إلى مربّعٍ من العنف أسفر عن اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، غير أنّها تراجعت عن هذا الخطاب بعد أن كلّفها الكثير سياسياً، ويبدو أنّها اليوم تعتمد في ذلك على ائتلاف الكرامة.

وحذّر المغزاوي من التداعيات الخطيرة لهذا الخطاب التكفيري، والتي بدأت إحماءاتها تظهر على الساحة التونسية، خصوصاً إثر تعرّض عددٍ من السياسيين والشخصيات الوطنية، آخرها أمين عام اتحاد الشغل، إلى تهديدات إرهابية تستهدف حياتهم، ما قد يدخل تونس في حالةٍ من العنف والفوضى، شبيهة بما عاشته البلاد عام 2013.


الصفحة الرئيسية