بإغلاقها مضيق هرمز، إيران تهدم المعبد على رأسها

بإغلاقها مضيق هرمز، إيران تهدم المعبد على رأسها

بإغلاقها مضيق هرمز، إيران تهدم المعبد على رأسها


05/03/2026

محمد الصالحين الهوني

منذ أن لوّحت إيران مرارا بورقة مضيق هرمز كأداة ضغط في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، ظل السؤال قائماً حول مدى جدية هذا التهديد وإمكانية تحوله إلى واقع. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل هو شريان حيوي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية، ويشكّل نقطة ارتكاز في الاقتصاد الدولي. أي محاولة لإغلاقه لا تعني فقط تعطيل حركة الملاحة، بل تعني عملياً إدخال النظام الإيراني نفسه في مواجهة وجودية مع العالم بأسره. هنا تكمن المفارقة الكبرى: إيران التي تراهن على المضيق كورقة ابتزاز، إن أقدمت على هذه الخطوة، فإنها ستجد نفسها تهدم المعبد على رأسها قبل أن تؤذي الآخرين.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالمضيق يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويُعد المنفذ الأساسي لصادرات النفط والغاز من السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق، وحتى إيران نفسها. أي تعطيل لحركة الملاحة فيه سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، ويستدعي تدخلا دوليا فوريا لحماية خطوط الإمداد. المجتمع الدولي، من الولايات المتحدة إلى أوروبا والصين واليابان، لن يقف متفرجا أمام تهديد بهذا الحجم، لأن أمن الطاقة العالمي ليس قضية إقليمية بل قضية تمس الاستقرار الاقتصادي والسياسي الدولي. إيران تدرك هذه الحقيقة، لكنها تراهن على أن مجرد التلويح بالإغلاق سيمنحها أوراق تفاوض إضافية. غير أن هذا الرهان ينطوي على حسابات خاطئة، لأن إغلاق المضيق سيقطع شريانها الاقتصادي أيضا، ويعزلها عن الأسواق العالمية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع تحالف دولي واسع.

من الناحية الاقتصادية، إيران تعتمد على صادرات النفط والغاز كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، وهذه الصادرات تمر عبر المضيق ذاته. أي قرار بإغلاقه يعني عملياً حرمانها من مواردها المالية المحدودة أصلاً، في وقت تعاني فيه من عقوبات دولية خانقة وأزمات داخلية متفاقمة. هذا الانتحار الاقتصادي سيضاعف من عزلة النظام، ويجعل من المستحيل عليه الاستمرار في تمويل أجهزته الأمنية والعسكرية، أو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي. بمعنى آخر، الورقة التي تراها إيران سلاحا استراتيجيا قد تتحول إلى خنجر في خاصرتها، لأنها ستفقد القدرة على الاستفادة من المضيق بنفسها، وستضع شعبها أمام أزمة معيشية غير مسبوقة.

التداعيات الإقليمية لهذه الخطوة ستكون أكثر خطورة. دول الخليج ستعتبر الإغلاق إعلان حرب، وستتحرك لحماية مصالحها الحيوية بكل الوسائل المتاحة. الولايات المتحدة، التي تملك قواعد عسكرية في المنطقة وأساطيل بحرية متمركزة بالقرب من المضيق، ستجد في ذلك مبرراً لتصعيد عسكري شامل ضد إيران، وربما لتوجيه ضربات مباشرة إلى بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية. أوروبا والصين، رغم خلافاتهما مع واشنطن في ملفات أخرى، لن تقبل بتهديد أمن الطاقة العالمي، ما يعني أن إيران ستواجه عزلة دولية غير مسبوقة، وستجد نفسها في مواجهة تحالف واسع لا يمكنها الصمود أمامه. بهذا المعنى، إغلاق المضيق ليس ورقة ضغط بل مقامرة وجودية، لأن نتائجه ستتجاوز حدود الخليج لتطال النظام الإيراني نفسه في عمقه الداخلي.

من الناحية السياسية، هذه الخطوة ستفقد إيران ما تبقى لها من شرعية دولية. فهي دولة تدّعي احترام القانون الدولي، لكنها إذا أقدمت على إغلاق مضيق هرمز، فإنها ستخرق بشكل صارخ قواعد الملاحة الدولية، وستضع نفسها في خانة الدول المارقة التي تهدد الأمن العالمي. هذا السلوك سيمنح خصومها فرصة ذهبية لتصويرها كخطر وجودي يجب القضاء عليه، وسيضع المجتمع الدولي أمام خيار واحد: التدخل لإعادة فتح المضيق بالقوة. في هذه الحالة، لن يكون أمام إيران سوى مواجهة عسكرية غير متكافئة، ستؤدي إلى تدمير بنيتها التحتية وإضعاف نظامها السياسي إلى حد الانهيار.

الانعكاسات الداخلية لهذه المغامرة ستكون كارثية. الشعب الإيراني الذي يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة سيجد نفسه أمام انهيار كامل في مستوى المعيشة، نتيجة فقدان الموارد المالية وارتفاع أسعار السلع الأساسية. هذا الوضع سيؤدي إلى انفجار اجتماعي يصعب السيطرة عليه، وسيضع النظام أمام خطر سقوط داخلي لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية. بمعنى آخر، إغلاق المضيق سيحوّل الأزمة من ورقة ضغط خارجية إلى أزمة وجودية داخلية، تهدد بقاء النظام نفسه. هنا يتضح أن إيران إذا أقدمت على هذه الخطوة، فإنها ستجد نفسها تهدم المعبد على رأسها، لأنها ستفقد القدرة على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية في آن واحد.

إن مجرد التلويح بإغلاق المضيق يعكس حالة ارتباك استراتيجي داخل النظام الإيراني. فهو يدرك أن ميزان القوى العسكري لا يسمح له بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه يلجأ إلى التهديدات القصوى كوسيلة لردع خصومه أو كسب أوراق تفاوض إضافية. غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة، لأنها قد تدفع الخصوم إلى اتخاذ خطوات استباقية، وتضع إيران في مواجهة مع تحالف دولي واسع لا يمكنها الصمود أمامه. بهذا المعنى، التهديد بإغلاق المضيق ليس دليلاً على قوة إيران، بل على ضعفها، لأنه يكشف عجزها عن مواجهة خصومها بوسائل أكثر عقلانية وفعالية.

هل تدرك إيران أن إغلاق مضيق هرمز يعني عملياً الانتحار السياسي والاقتصادي؟ أي خطوة في هذا الاتجاه ستؤدي إلى عزلة دولية غير مسبوقة، وانهيار داخلي يصعب السيطرة عليه، وتصعيد عسكري لا يمكنها تحمله.

الورقة التي تراها إيران سلاحا استراتيجيا قد تتحول إلى أداة لتدميرها، لأنها ستفقد القدرة على الاستفادة من المضيق بنفسها، وستضع شعبها أمام أزمة وجودية غير مسبوقة. بهذا المعنى، إغلاق المضيق ليس ورقة ضغط بل مقامرة، إذا أقدمت إيران عليها، فإنها ستجد نفسها تهدم المعبد على رأسها، وتفتح الباب أمام انهيار داخلي وخارجي لا رجعة فيه.

العقلانية وحدها قادرة على إنقاذ إيران من مغامرة ستقودها إلى الهاوية، لكن المؤشرات الحالية لا تبشر بأن النظام يسير في هذا الاتجاه، بل يبدو أنه يواصل السير في طريق التصعيد الذي لا يقود إلّا إلى الانتحار السياسي والاقتصادي.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية