هل تخلت تركيا عن سياسة تصدير الإخوان المسلمين؟

هل تخلت تركيا عن سياسة تصدير الإخوان المسلمين؟

هل تخلت تركيا عن سياسة تصدير الإخوان المسلمين؟


03/03/2026

علي قاسم

المنطقة العربية تشهد تحولاً استراتيجياً في سياسة جارتها الشمالية، تحولاً يستدعي من صانعي القرار وقفة تأمل وتقييم. فتركيا التي عرفناها كقوة إقليمية طموحة تسعى لإحياء أمجادها العثمانية، تظهر اليوم في ثوب جديد: وسيط دولي لا غنى عنه، وشريك إقليمي يبحث عن توازنات جديدة. هذا التحول ليس تكتيكاً ، بل إعادة تعريف جذرية لا تراجع عنها لدور تركيا في النظام العالمي الجديد.

لقد دفعت تركيا ثمناً باهظاً لطموحاتها الإمبراطورية. سنوات من سياسة “صفر مشاكل” التي أطلقها داوود أوغلو تحولت إلى كابوس “صفر أصدقاء”، حيث وجدت أنقرة نفسها معزولة إقليمياً، ومحاصرة بأزمات اقتصادية طاحنة، ومتورطة في صراعات متعددة الجبهات. لكن البراغماتية التركية، وهي السمة الأبرز في الشخصية السياسية للرئيس  رجب طيب أردوغان، أنقذت الموقف ودفعت نحو مراجعة إستراتيجية شاملة. لم تعد تركيا تبحث عن خصوم لتقارعهم، بل تبحث عن أطراف للتوسّط بينهم.

وفي هذا السياق، جاء قرار إغلاق قناة بلقيس التابعة للناشطة اليمنية توكل كرمان، المنتمية لتيار الإخوان المسلمين، ليؤكد أن تركيا الجديدة لم تعد ترى في الإسلام السياسي أداة نفوذ، بل عبئاً يتعارض مع توجهاتها نحو المصالحة والانفتاح. هذا القرار ليس مجرد إجراء إعلامي، بل حلقة في سياسة متدرجة تهدف إلى تقليص المنابر الأيديولوجية التي تروّج لخطاب صدامي، مقابل تعزيز علاقات اقتصادية وإستراتيجية مع دول الخليج ومصر والعراق.

اليوم، تجلس تركيا على طاولة مفاوضات كانت حتى الأمس القريب حكراً على القوى العظمى. من وساطة حبوب البحر الأسود التي أنقذت ملايين البشر من المجاعة، إلى الدور المتوازن بين روسيا وأوكرانيا، وصولاً إلى وساطات القرن الأفريقي المعقدة. لقد فهمت أنقرة أن فن الوساطة في عصر الصراعات الدولية أصبح سلعة نادرة، وأن من يمتلك القدرة على التوسط يكتسب قوة ناعمة تفوق ما تمنحه الأسلحة الثقيلة.

الأهم من ذلك، أن تركيا تقدمت بهذا الدور دون أن تتخلى عن مصالحها الوطنية. فهي تبيع الطائرات المسيرة “بيرقدار” لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات اقتصادية وإستراتيجية مع روسيا. إنها إدارة ماهرة للتناقضات، تدرس اليوم في كبريات المعاهد الدبلوماسية العالمية. فتركيا تتعامل مع جميع الأطراف بمنطق “الكل رابح”، وهو ما يجعلها مقبولة من الجميع.

هنا تكمن الفرصة التاريخية للعالم العربي. فتركيا الجديدة، الوسيط بلا خصوم، تبحث عن شركاء لا عن تابعين. المصالحة مع السعودية والإمارات، والانفتاح على مصر، والتقارب مع إسرائيل، كلها مؤشرات على أن أنقرة تريد إعادة رسم خريطة علاقاتها في المنطقة بناءً على المصالح لا الإيديولوجيا.

لقد تخلت تركيا عن سياسة تصدير الإخوان المسلمين كأداة نفوذ، واكتشفت أن الاستثمارات الخليجية والسياحة المصرية والتجارة مع العراق أكثر فائدة من الخطابات الإيديولوجية. هذا تحول استراتيجي يجب أن تستفيد منه الدول العربية، خاصة وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة الترتيب الجيوسياسي.

لكن النموذج التركي الجديد ليس خالياً من التحديات. فالاقتصاد التركي ما زال يعاني من التضخم والبطالة، والاستقطاب الداخلي يستهلك طاقات كبيرة. كما أن إدارة العلاقة مع واشنطن وموسكو في وقت واحد تشبه السير على حبل مشدود.

إضافة إلى ذلك، فإن نجاح تركيا في الوساطات الدولية يعتمد على قدرتها في الحفاظ على مصداقيتها لدى جميع الأطراف. أي انحياز واضح قد يفقدها هذه الميزة التنافسية الجديدة. كما أن التنافس مع قوى إقليمية أخرى مثل الإمارات ومصر وإيران يفرض حدوداً على قدراتها التوسعية.

هناك عدة دروس يمكن لصانعي القرار العرب استخلاصها من التجربة التركية:

أولاً، القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست في المواجهة المباشرة بل في القدرة على الوساطة والتأثير. فتركيا اكتسبت نفوذاً أكبر عبر وساطاتها من كل حروبها الإقليمية. وثانياً، البراغماتية تغلب الإيديولوجيا في العلاقات الدولية. فأنقرة تتعامل مع جميع الأطراف بمعايير المصالح لا العواطف، وهو ما يمكن أن يكون نموذجاً للدول العربية في إدارة علاقاتها.

الدرس الثالث، الاقتصاد هو أساس القوة الإستراتيجية. فالأزمة الاقتصادية هي التي دفعت تركيا نحو مراجعة سياساتها الخارجية، ما يؤكد أن القوة الاقتصادية تسبق القوة السياسية.

وأخيرا، القوة الناعمة أقوى من القوة الصلبة في بناء النفوذ الإقليمي. فالمسلسلات التركية والاستثمارات والمساعدات الإنسانية حققت لتركيا ما لم تحققه دباباتها.

السؤال الذي يواجه صانعي القرار العرب اليوم: كيف نتعامل مع هذه التركيا الجديدة؟ الإجابة تكمن في بناء شراكة إستراتيجية متوازنة تقوم على عدة ركائز:

الركيزة الأولى: التعاون الاقتصادي الذي يحقق المنفعة المتبادلة، خاصة في مجالات الطاقة والاستثمار والبنى التحتية. والركيزة الثانية: التنسيق الأمني في مواجهة التحديات المشتركة، مكافحة الإرهاب وإدارة الملف الكردي.

أما الركيزة الثالثة، فهي التعاون في مجال الوساطات الإقليمية، حيث يمكن للدول العربية وتركيا العمل معاً لحل الأزمات في المنطقة.

وأخيرا الركيزة الرابعة، تتجسد في بناء شراكات في مجالات التكنولوجيا والدفاع، مستفيدين من التقدم التركي في هذه المجالات.

الفرصة التاريخية متاحة اليوم لبناء شراكات إستراتيجية بين العالم العربي وتركيا، شراكات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فتركيا الجديدة، الوسيط بلا خصوم، يمكن أن تكون جسراً للعالم العربي نحو آفاق جديدة، إذا فهمنا لغتها الجديدة: لغة المصالح لا لغة الإيديولوجيا.

هناك عدة دروس يمكن لصناع القرار العرب استخلاصها من التجربة التركية: القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست في المواجهة المباشرة بل في القدرة على الوساطة والتأثير، البراغماتية تغلب الإيديولوجيا في العلاقات الدولية، الاقتصاد هو أساس القوة الإستراتيجية والقوة الناعمة أقوى من القوة الصلبة في بناء النفوذ الإقليمي.

المطلوب اليوم من صانعي القرار العرب هو التعامل مع تركيا الجديدة ببراغماتية مماثلة: بناء شراكات اقتصادية وأمنية وتكنولوجية متوازنة، والاستفادة من دورها كوسيط دولي بلا خصوم. فالمصالح المشتركة أقوى من الشعارات، والبراغماتية أقدر على حماية المستقبل من الأزمات.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية