تونس: استثمار التصدي للهجرة السرية... التجربة التركية نموذجاً

تونس: استثمار التصدي للهجرة السرية... التجربة التركية نموذجاً


19/06/2022

في شهر شباط (فبراير) من العام 2019، قال وزير الخارجية التونسية آنذاك خميس الجهيناوي، في تصريحات أدلى بها لوكالة الأنباء التونسية: إنّ سياسة تونس في ما يتعلق بالهجرة واضحة؛ إذ إنّها تحرص على حماية حدودها، ولا تسمح بأيّ هجرة غير شرعية لأوروبا عبر أراضيها؛ وذلك حماية لأبنائها.

وأضاف الوزير: "الحوار متواصل مع مختلف الأطراف، كدول وكمجموعة الاتحاد الأوروبي، للنظر في مقاربة للهجرة، تتماشى مع الجانبين".

هذا التصريح يترجم حجم الضغوطات التي تتعرض لها تونس من الجانب الأوروبي، من أجل إيقاف نزيف الهجرة السرّيّة لدول القارة العجوز عبر الشواطئ التونسية، حيث تحولت البلاد إلى ممر يستهدفه آلاف المهاجرين السرّيين من مختلف الدول الأفريقية، ويتمّ أسبوعياً إحباط العشرات من الرحلات من طرف السلطات، ومع الوقت تحولت تونس إلى منصة غير رسمية للمهاجرين السرّيين، وكذلك للمرحّلين من الدول الأوروبية، خاصّة إيطاليا وفرنسا.

ولكن ماذا لو تصبح المنصة علنية ومقننة، وتستفيد منها تونس؟

مع طول أمد الحرب الروسية الأوكرانية، وفي ظل تداعياتها الخطيرة على الأمن الغذائي لعدد من الدول الأفريقية، يخشى الخبراء والمراقبون أن تتحول جحافل المهاجرين السرّيين إلى جحافل معلنة، بحثاً عن الغذاء في أوروبا عبر البوابة البحرية التونسية، وهي هجرة للضرورة، ولا يمكن معالجتها بالأساليب الأمنية الحالية، حيث من الضروري إيجاد أرضية تفاهم، أساسها المصلحة المشتركة بين تونس والجانب الأوروبي بشأن هذا النمط من الهجرات.

لا مناص من التوصل إلى اتفاق إقليمي شامل في منطقة الحوض الجنوبي للمتوسط تلعب فيه تونس دوراً محورياً في عملية التصدي للهجرة السرّية، وكذلك إيواء من يتم إحباط رحلاتهم

إنّ تونس بإمكانياتها الحالية، ومع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها، لن تكون مضطرة لمنع المتسللين عبر مياهها الإقليمية من مختلف الجنسيات نحو أوروبا، فضلاً عن الآلاف من مواطنيها.

وهي ترفض أن تتحول إلى مكان إيواء لهؤلاء، ولايمكنها أن تلعب دور الحارس للمياه الإقليمية الأوروبية دون أجر، بل أجر مجزٍ أيضاً.

هذا ما يجب أن يُطرح في المفاوضات بين الجانبين؛ اذ لا مناص من التوصل إلى اتفاق إقليمي شامل في منطقة الحوض الجنوبي للمتوسط، تلعب فيه تونس دوراً محورياً في عملية التصدي للهجرة السرّية، وكذلك إيواء من يتم إحباط رحلاتهم، أو المرحلين في مخيمات لجوء مدفوعة الأجر، وبالتوازي مع ذلك لا بدّ أن يتم منح تونس مساعدات مالية أوروبية مباشرة، لتمويل قيامها بحماية الحدود الإقليمية.

مصالح وليس ابتزازاً

ينظر الأوروبيون دوماً إلى تعامل تركيا مع ملفّ اللاجئين الراغبين في دخول أوروبا، أو حتى المهاجرين السرّيين، على أنّه نوع من الابتزاز المتواصل على مدى أعوام، حيث تجني أنقرة مليارات الدولارات، في مقابل حراسة الحدود الأوروبية من جهة تركيا. ومع كلّ أزمة تركية أوروبية، تلوّح أنقرة بورقة المهاجرين، حتى تحوّل الأمر بالفعل إلى ابتزاز معلن، وسياسة اقتصادية لطالما أنقذت الليرة التركية من التهاوي.

لم يعد مقبولاً أن تضحّي تونس بأمنها وتواصل استنزاف طاقاتها الأمنية والعسكرية من أجل حماية حدود أوروبا مقابل كلمة شكراً، التي ربّما حتى لا تُقال في مناسبات كثيرة

ومع الوقت، أصبح ما تجنيه تركيا من هؤلاء المقيمين غير الشرعيين على أراضيها، أكبر بكثير ممّا تنفقه عليهم.

هذه المقاربة من الممكن أن تكون ذاتها، ويمكن كذلك أن تستنسخها تونس؛ إذ لا بدّ للسلطات التونسية المعنية أن تقود مفاوضات جدية مع الأوروبيين، على قاعدة المصلحة المشتركة في هذا الملف الشائك، وهو الأمر الذي يمكن أن تستثمره السلطات التونسية لصالحها، والتي تنفق بالفعل الكثير، وبلا مقابل، من أجل حماية الحدود الأوروبية من تسلل المهاجرين.

يمكن القول إنّه لم يعد مقبولاً أن تضحّي تونس بأمنها، وتواصل استنزاف طاقاتها الأمنية والعسكرية من أجل حماية حدود أوروبا مقابل كلمة شكراً، والتي ربما حتى لا تُقال في مناسبات كثيرة.

واليوم يجب على الحكومة التونسية أن تقول كلمتها بكلّ حزم ووضوح في هذا الملف المأزوم، والذي سوف يزداد تأزماً وتعقيداً مع التزايد المتوقع لموجات الهجرة بحثاً عن الغذاء، وعليه فإنّ تونس أمام فرصة تاريخية، لا بدّ من استثمارها بشكل براغماتي.

مواضيع ذات صلة:

الهجرة غير الشرعية في تونس تواصل حصد الأرواح.. أما من حلول؟

ارتفاع ضحايا عمليات الهجرة غير الشرعية واليونان تلوم تركيا

أرقام صادمة عن ضحايا الهجرة غير الشرعية



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية