
محمد الصالحين الهوني
شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحولات جيوسياسية عميقة أعادت رسم ميزان القوى التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود. لم يعد المشهد محصورًا بين القوى الكبرى التي اعتادت فرض إيقاعها على المنطقة، بل برزت قوى إقليمية جديدة -تركيا، إيران، الإمارات، والسعودية- تلعب أدوارًا متزايدة في صياغة السياسات وإدارة الأزمات، وحتى التنافس على النفوذ الثقافي والاقتصادي. هذا التحول يثير سؤالًا جوهريّا: هل نحن أمام نظام إقليمي متعدد الأقطاب قادر على خلق توازن جديد، أم أن المنطقة تتجه نحو سلسلة من صدامات متكررة تعيد إنتاج الفوضى؟
تركيا تمثل حالة بارزة في هذا التحول. منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تبنت أنقرة سياسة خارجية أكثر استقلالية، مستندة إلى قوتها الاقتصادية والعسكرية. تدخلها في سوريا وليبيا، حضورها المتنامي في القوقاز، وتوسيع نفوذها عبر أدوات ناعمة مثل الإعلام والتعليم، كلها مؤشرات على رغبة في تجاوز حدود الدور التقليدي. تركيا اليوم لم تعد مجرد عضو في حلف الناتو، بل قوة تسعى إلى صياغة أجندة خاصة بها، تجمع بين الطموح الإمبراطوري العثماني القديم والواقعية السياسية الحديثة. هذا الدور وضعها في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية أخرى، خصوصًا إيران والسعودية، وجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي معادلة تتعلق بمستقبل المنطقة وأمنها.
إيران من جانبها مصرّة على مواصلة لعب دور مركزي رغم العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية والتهديد الأميركي المستمر. إستراتيجيتها قامت على بناء شبكة من التحالفات والميليشيات الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن، وهو ما منحها قدرة على التأثير في مسارات الصراع الإقليمي. نفوذها في سوريا قبل سقوط الأسد، دعمها لحزب الله، وتدخلها في اليمن عبر الحوثيين، كلها أدوات جعلت منها لاعبًا حاضرًا في كل أزمة. ورغم محاولات واشنطن وتل أبيب تقليص هذا النفوذ، إلا أن إيران أثبتت قدرة على الصمود، مستندة إلى خطاب أيديولوجي يربط بين المقاومة والهوية الوطنية. هذا الدور يعيد تشكيل ميزان القوى التقليدي، حيث لم تعد إيران مجرد دولة معزولة، بل محورًا إقليميّا يفرض نفسه على الطاولة.
الإمارات تمثل نموذجًا مختلفًا. فهي لا تعتمد القوة العسكرية بقدر ما تعتمد القوة الناعمة، وذلك بالتركيز على الاستثمار في الاقتصاد، التكنولوجيا، والدبلوماسية متعددة المسارات. من خلال بناء شراكات إستراتيجية مع القوى الكبرى، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتقديم نفسها كمنصة للحوار العالمي، استطاعت دولة الإمارات أن تضع نفسها في موقع مؤثر يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي. استضافتها لمجالس المستقبل العالمية، دورها في اتفاقيات التطبيع، وانخراطها في ملفات إقليمية، كلها مؤشرات على تحولها إلى قوة ذات نفوذ ملموس. وهي في ذلك كله لا تسعى إلى الهيمنة التقليدية، بل إلى صياغة صورة جديدة للمنطقة كفاعل في إنتاج المعرفة والسياسات العالمية القائمة على التسامح.
هذه التحولات مجتمعة تعني أن ميزان القوى التقليدي في الشرق الأوسط -الذي كان يقوم على ثنائية النفوذ الأميركي – السوفياتي سابقًا، ثم الأميركي – الإيراني – السعودي لاحقًا- لم يعد صالحًا لوصف الواقع كما هو. اليوم، هناك شبكة معقدة من القوى الإقليمية التي تتقاطع مصالحها وتصل إلى حدّ التصادم أحيانًا، لكنها في الوقت نفسه تخلق توازنًا جديدًا. تركيا تنافس إيران في سوريا والعراق، الإمارات تنافس تركيا في ليبيا وشرق المتوسط، اعتمادا على القوة الناعمة، وإيران تواجه ضغوطًا من تحالفات عربية – تركية – إسرائيلية غير معلنة. هذا التشابك جعل المنطقة أقرب إلى نظام متعدد الأقطاب، لكنه نظام هش، معرض للانهيار في أي لحظة.
السؤال الجوهري المطروح هو ما إذا كان هذا التحول سيقود إلى استقرار نسبي متعدد الأقطاب، أم إلى صدامات متكررة. من جهة، تعدد الأقطاب قد يخلق توازنًا يمنع أي قوة من الهيمنة المطلقة، ويتيح فرصًا للتعاون في ملفات مثل الطاقة والمناخ والأمن الغذائي. لكن من جهة أخرى، غياب مؤسسات إقليمية قوية قادرة على إدارة هذا التعدد يجعل الصدامات أكثر احتمالًا. النزاعات في سوريا واليمن وليبيا لم تُحل بعد، والتوترات في منطقة الخليج وشرق المتوسط لا تزال قائمة. أي خطأ إستراتيجي -مثل محاولة الدروز في سوريا جر إسرائيل إلى الصراع السوري، أو تصعيد تركي – إيراني في العراق- قد يشعل مواجهة واسعة. ناهيك عن التوتر الحالي بين إيران والولايات المتحدة.
لا يمكن فهم هذه التحولات دون النظر إلى دور القوى الكبرى. الولايات المتحدة، رغم تراجع حضورها المباشر، في العقدين الأخيرين، لا تزال لاعبًا مؤثرًا عبر تحالفاتها مع تركيا والإمارات وإسرائيل، وبدأت تبحث عن دور رئيسي لها خاصة في مواجهة التغلغل الإيراني. روسيا حاولت تعزيز نفوذها عبر دعم دمشق وتوثيق علاقاتها مع طهران. الصين تدخل تدريجيّا عبر الاقتصاد والطاقة، مقدمة نفسها كبديل إستراتيجي. هذا التداخل بين القوى الإقليمية والدولية يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، ويزيد من احتمالات أن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس عالمي، لا مجرد صراع محلي.
المستقبل مفتوح على عدة احتمالات. السيناريو الأكثر تفاؤلًا هو أن تتحول المنطقة إلى نظام متعدد الأقطاب مستقر، حيث تتوازن القوى الإقليمية عبر تفاهمات غير رسمية، وتُدار النزاعات عبر آليات دبلوماسية. هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية وقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة. السيناريو الآخر، الأكثر واقعية في المدى القصير، هو استمرار الصدامات المتكررة، حيث تتنافس القوى الإقليمية على النفوذ في ساحات متعددة، من سوريا إلى اليمن إلى شرق المتوسط. وهو ما يعني استمرار حالة عدم الاستقرار، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار شامل، بل إدارة للفوضى ضمن حدود معينة.
الشرق الأوسط يقف اليوم في قلب معركة على قيادة النظام الإقليمي وصياغة قواعد جديدة للمنطقة. والسؤال لم يعد ما إذا كان الشرق الأوسط سيصبح متعدد الأقطاب، بل أي من القوى الفاعلة على الأرض ستفرض رؤيتها وتحوّل التعدد إلى نظام يعمل بتناغم، أو إلى ساحة فوضى مفتوحة. التاريخ القريب والتجارب تذكّرنا بأن غياب التوافق غالبًا ما يقود إلى صدام، لكن التحولات الجارية تكشف أن المنطقة لم تعد مجرد مسرح لنفوذ خارجي؛ إنها اليوم مختبر سياسي تصنع فيه القوى الإقليمية معادلاتها الخاصة، وتختبر قدرتها على فرض نظام جديد قد يحدد مستقبل المنطقة لعقود قادمة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

