
الشيخ ولد السالك
أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من صراعات دولية أزمة حادة في كيفية رؤية الغرب للإسلام، حيث وُضع الدين في قفص الاتهام وبات يُنظر إليه من خلال عدسة الخوف والشك باعتباره منهجًا يدعو للإقصاء لا رسالة روحية تدعو للتعايش والإخاء الإنساني. لقد كان هذا التشويه نتيجة مزدوجة؛ فمن جهة استغلت الجماعات المتطرفة النصوص المرجعية لتبرير العنف، ومن جهة أخرى غابت الصورة الحقيقية للإسلام خلف موجات التحريض الإعلامي. هذا الواقع فرض ضرورة ملحة لوجود خطاب إسلامي جديد لا يكتفي بمجرد الدفاع وتبرئة النفس، بل يملك الشجاعة لإعادة شرح المبادئ الإسلامية من الداخل وتفكيك مسببات الكراهية وتقديم بديل فكري يتسم بالحكمة والمسؤولية.
في قلب هذا المشهد الصعب، برز مشروع الشيخ عبد الله بن بيه كأحد أقوى الردود التي واجهت هذا التحدي، حيث نجح من خلال تأصيل “فقه السلم” في نقل الخطاب الإسلامي من موقف “الدفاع المستمر” إلى مرحلة “المبادرة الإنسانية”. فمن خلال وثائق تاريخية موثوقة ومعتمدة مثل “إعلان مراكش” و”حلف الفضول الجديد”، لم يكتفِ الشيخ بن بيه بنفي تهمة الإرهاب عن الإسلام، بل قدم صياغة شرعية قانونية تحمي حقوق غير المسلمين وتدعم قيم المواطنة والعيش المشترك. لقد نجح هذا النهج في بناء لغة تفاهم مشتركة مع العالم، ما ساهم بشكل ملموس في تصحيح الصورة المشوهة وإثبات أن الإسلام شريك أساسي لقوى الخير والعدل وبنّاء في استقرار العالم وحماية كرامة الإنسان.
قبل أيام منحت شبكة “الجيران متعددي الأديان” النسخة الأولى من جائزة صناع السلام في العاصمة الأميركية واشنطن للعلامة المجدد الشيخ عبد الله بن بيه، وذلك تقديرًا لجهوده الفكرية والعملية العالمية في ترسيخ ثقافة السِّلم، وتعزيز التعايش، وبناء جسور الحوار بين الأديان والثقافات، وفق الشبكة. إن هذا الحدث وجد صدى إعلاميًا واسعًا في الغرب وفي الوطن العربي وأبرز دور العلامة الشيخ بن بيه في تجديد الخطاب الديني، والتجديد هنا ليس اختراعًا في جوهر العقيدة، ولا تبديلًا في أصول الشريعة، بل هو رجوع إلى معاني وقيم النص، وإحياءٌ لمدلوله الأخلاقي، وخروج من جمود الفهم إلى رحابة المقصد. وفي هذا المنحى العميق يمكن فهم تجربة الشيخ عبد الله بن بيه من حيث هو إمام مجدد لم يضف إلى الدين شيئًا، لكنه أزال الكثير مما علق بفهمه خطأ وزورًا. يحمل بن بيه في عقله مقاصدية الشاطبي، وفي فقهه نَفَس مالك، وفي روحه صفاء الجنيد، ما يجعل الدين أقرب إلى البلسم منه إلى السيف. إنه ليس فقيهَ جزئياتٍ، بل فقيهَ كلياتٍ ينظر إلى الشريعة بعدسة مقاصدية ترى الفقه شبكةً من المعاني المتعاضدة الحية، لا منظومة من الأحكام الجامدة.
يبدأ الحديث عن الشيخ عبد الله بن بيه بوصفه واحدًا من أولئك الذين فهموا أن أعظم خدمة يمكن أن تُقدَّم للدين في هذا العصر ليست رفع الشعارات باسمه، بل حمايته من أن يتحول إلى ذريعةٍ للكراهية أو وقودٍ للصدام. من يطّلع على كلام الشيخ ابن بيه في شرحه لمفهوم “الإبراهيمية” ومشتركات الأديان، يدرك سريعًا أنه لا يبحث عن ذوبان الهويات، ولا عن دينٍ كونيٍّ بلا ملامح، بل عن أرضية أخلاقية مشتركة تُدار عليها الاختلافات بدل أن تُفجَّر فوقها الصراعات. إن الشيخ بن بيه يستحضر النبي الحنيف إبراهيم عليه السلام بوصفه أبًا روحيًا للضمير الإنساني، ونقطة التقاءٍ يمكن أن يُعاد من خلالها بناء خطاب ديني متسامح ومتفتح على التضامن والعيش المشترك، والمسلمون الذين هم أولى الناس به عليهم أن يتمثلوا بهديه كما أمرهم نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم.
في هذا السياق، يصبح السلم عند الشيخ ابن بيه مشروعًا معرفيًا وسلوكيًا معززًا بالمقصد والدليل الشرعي. ولهذا لقي فهمه للسلم تقديرًا واسعًا في العالم، أبعد من الفضاء العربي، ذلك أن العالم رأى فيه رجل علم ودين لا يبرر العنف ولا يواربه، بل يفككه من الداخل انسجامًا مع الدلالة الحقيقية لأحكام الجهاد والمجادلة بالأحسن. ولعل في كلمة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عنه دلالة بالغة، حين قال: “أنظروا إلى المنتدى الجديد لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، عندما يقول الشيخ عبد الله بن بيه محددًا هدفه: “يجب أن نعلن الحرب على الحرب، لتكون النتيجة سلم على سلم”. هذه العبارة تختصر جوهر مشروع الشيخ ابن بيه الذي ليس استسلامًا أمام واقعٍ مضطرب، ولا حيادًا سلبيًا، بل مقاومةٌ من نوع آخر، مقاومة تُجرد العنف من شرعيته الأخلاقية والدينية الزائفة.
ضمن هذا الإطار، يُفهم موقع الشيخ ابن بيه بوصفه إحدى ركائز المشروع الإماراتي الذي سعى إلى إنقاذ الإسلام من اختطاف صورته العالمية ومن لصقه التلقائي بتهمة الإرهاب. لقد كان حضوره الفكري سندًا لمسارٍ أراد أن يقول للعالم: الإسلام ليس مشكلة كونية، بل يمكن أن يكون جزءًا من الحل الكوني. وما يميز الشيخ ابن بيه عن كثير من علماء عصره أنه مطلع على العالم، لا من نافذة الأخبار السريعة، وإنما من باب التجربة والاحتكاك الفسيح. إنه يعرف كيف يفكر العالم، وكيف تُصاغ أسئلته، وأين تكمن هواجسه، ولذلك يخاطبه بلغة يفهمها دون أن يتنازل عن جذوره.
ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الشيخ ابن بيه، رغم عبقريته الشخصية، لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه لو عاش خارج بيئة تحتضن هذا النوع من المشاريع. جهود رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد لبذل السلام للعالم جعلت الشيخ بن بيه واجهة دينية عالمية ووفرت له الدعم الدبلوماسي والمادي لنشر مشروعه لتعزيز السلم في العالم، وذلك من خلال منتدى أبوظبي لتعزيز السلم، وقد تعددت المبادرات لتشمل المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم، ومنظمة حلف الفضول الجديد في واشنطن، وجامعة الشيخ محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وغيرها من المؤسسات الأكاديمية والبحثية والمبادرات التي ترعاها دولة الإمارات العربية المتحدة تحت إشراف العلامة الشيخ عبد الله بن بيه. لذلك وفرت البيئة الإماراتية التربة الصالحة والرعاية الكاملة لتحويل أفكاره إلى مشروع عالمي له مؤسسات ومنابر وتأثير.
هذه البيئة ليست طارئة، بل متجذرة في رؤية مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ونهج ابنه الرئيس القائد محمد بن زايد، الذي يرى بوضوح أن التسامح حاجة بشرية وواجب أخلاقي. وحين يكون التسامح واجبًا في فلسفة الدولة، يصبح مشروع ابن بيه امتدادًا طبيعيًا وتجسيدًا فكريًا لرؤية الإمارات. لهذا كله، يمكن القول إن سيرة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه ليست قصة عالم فرد، بل قصة تلاقي عبقرية شخصية مع بيئة سياسية وثقافية آمنت بأن معركة المستقبل ليست على الحدود، بل في العقول والقلوب، وأن النيران تشتعل في النفوس قبل البيوت. وفي هذا التلاقي وُلد مشروع يقول بوضوح إنه بإمكان الدين أن يكون جسرًا لا خندقًا، ورسالة حياة لا مناشير موت.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

