من الخلاف الإيديولوجي إلى التحالف البراغماتي: كيف تلاقت مصالح الحوثي والإخوان والقاعدة؟

من الخلاف الإيديولوجي إلى التحالف البراغماتي: كيف تلاقت مصالح الحوثي والإخوان والقاعدة؟

من الخلاف الإيديولوجي إلى التحالف البراغماتي: كيف تلاقت مصالح الحوثي والإخوان والقاعدة؟


09/02/2026

لم يكن تقرير مجلس الأمن نهاية العام الماضي الذي كشف عن التعاون ومستوى التنسيق والتخادم غير المسبوق بين الحوثي وقوى الإسلام السياسي، ومنها جماعة الإخوان باليمن، أمراً جديداً ومباغتاً، إنّما نتيجة تلقائية لمسارات التحالف التكتيكي على النحو الذي يحقق فوائد سياسية وفوائض قوة ضمن إطار الحرب اليمنية الأمر الذي تجاوز الخلافات الإيديولوجية ظاهرياً.

وأوضح التقرير الأممي أنّ العلاقات بين الحوثي وتنظيم القاعدة الإرهابي، مثلاً، قد كشف عن أنماط متعددة بعضها عسكري أمني والبعض الآخر سياسي ولوجستي، حيث تم توثيق جوانب الدعم العسكري واللوجستي بين الطرفين وقيام الحوثيين بتزويد تنظيم القاعدة بطائرات مسيّرة، وصواريخ حرارية، بالإضافة إلى توفير التدريب لعناصر التنظيم على استخدام هذه التقنيات. ويضاف إلى ذلك عمليات منظمة لتبادل الأسرى بين الطرفين، فقد أفرج الحوثيون عن قيادات وعناصر من القاعدة مقابل أهداف ميدانية أو سياسية.

التنسيق الميداني

أمّا بخصوص التنسيق الميداني، فهناك مؤشرات على تخادم في الجبهات، وفق تقرير مجلس الأمن، حيث يتم توجيه نشاط القاعدة لضرب خصوم الحوثيين، ومنها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في مناطق أبين وشبوة، مقابل منح عناصر القاعدة ملاذات آمنة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون "مثل محافظة البيضاء".

اللافت أنّ تقرير مجلس الأمن العام الماضي فضح لأول مرة توسع شبكة الحوثيين لتشمل القرن الأفريقي، وعمليات تهريب الأسلحة؛ إذ تحول الحوثيون إلى "مزوّد" للأسلحة لتنظيم الشباب الصومالي "فرع تنظيم القاعدة"، ممّا يهدد أمن الملاحة والأمن الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن، وقد ألمح إلى التعاون الاستخباراتي، وقال إنّ هناك تبادلاً للمعلومات الاستخباراتية حول تحركات القوات الدولية في المنطقة.

وفي ما يتصل بالعلاقة مع (حزب الإصلاح) الذراع السياسية لجماعة الإخوان، فقد رصد التقرير تقارباً وتماهياً في الخطاب السياسي والإيديولوجي، خصوصاً استغلال الحوثيين لملف غزة وفلسطين لمدّ جسور التواصل مع القواعد الشعبية والقيادات الوسطى في حزب الإصلاح، مستغلين العاطفة الدينية المشتركة تجاه القضية، إلى جانب وجود تفاهمات غير معلنة في بعض الجبهات (مثل مأرب والجوف) أدت إلى حالة من الجمود العسكري، وهو ما يخدم بقاء الحوثيين في مواقعهم مقابل استقرار نسبي لهذه القوى في مناطق نفوذها.

وأوضح أنّ هناك انقساماً؛ فبينما تظل القيادات الرسمية للحزب في التحالف الحكومي، وهو ما سمح لها بالتغلغل والتوغل في المؤسسات التابعة لها، فإنّ هناك أجنحة بدأت تميل إلى فكرة "التعايش" مع الحوثيين كأمر واقع، أو التنسيق معهم ضد خصوم مشتركين داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وقال التقرير إنّ شبكات التهريب العابرة للحدود هي الرابط الأساسي بين هذه التنظيمات. حيث إنّ الحوثيين يسيطرون على طرق التهريب البحري، ويستخدمون عناصر من القاعدة ومن تنظيمات أخرى وسطاء لهذه الطرق مقابل مبالغ مالية ضخمة. وعليه، خلص التقرير الأممي إلى أنّ الميليشيات المدعومة من طهران قد تحولت من "جماعة محلية" إلى "مركز إقليمي" يدير شبكة معقدة من العلاقات مع تنظيمات إرهابية (القاعدة، الشباب) وقوى سياسية (الإخوان)، ليس من باب الاتفاق أو القبول العقائدي والإيديولوجي، وإنّما على أساس قواعد براغماتية و"المصالح المشتركة" لإضعاف خصومهم وزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي بما يخدم نفوذهم وسيطرتهم.

ابتزاز وكالات الشحن البحري

اتّهم فريق خبراء مجلس الأمن الدولي المعني باليمن، في تقريره السنوي للعام 2025، ميليشيا الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، بابتزاز وكالات الشحن البحري مقابل عدم اعتراض سفنها التجارية؛ للحصول على مبالغ قُدّر بأنّها تصل إلى (180) مليون دولار شهرياً. وأكد فريق الخبراء في تقريره الأخير، الذي يوثق الفترة من آب (أغسطس) 2024 إلى تموز (يوليو) 2025 أنّ الجماعة المدعومة من إيران متورّطة بتحالفات وثيقة مع تنظيمات إرهابية، وجماعات مسلحة في المنطقة.

وقال: إنّ "الجماعة استمرت في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة. فضلاً عن مواصلة الحوثيين استغلال المدارس والمساجد في مناطق سيطرتها للتعبئة الإيديولوجية والتجنيد، بما في ذلك تجنيد القُصّر وإجبار الطلاب على الالتحاق بالمعسكرات"، مؤكداً في الآن ذاته تكثيف "أنشطة التعبئة العقائدية، التي تُفرض على الموظفين والطلاب وأفراد المجتمع".

وتابع: "تم رصد استخدام الحوثيين المناهج الدراسية والخطب الدينية كأدوات لتلقين الأفكار الداعية إلى "الولاية" و"الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل"، في خرق واضح لمبدأ عدم التوظيف السياسي والإيديولوجي للدين في التعليم والخطاب العام. وتلقت جماعة الحوثي تجهيزات عسكرية وذخائر، بما في ذلك صواريخ، وطائرات مسيّرة، وقذائف مضادة للطائرات، وأجهزة اتصالات وغيرها، عبر ميناء عدن ومنفذي شحن وصرفيت الحدوديين مع سلطنة عُمان، بالإضافة إلى محاولات تهريب عبر البحر، وهو ما يعزّز قدرتها العسكرية في اليمن وعلى امتداد المنطقة. وهذه التجهيزات وصلت عبر شبكات تهريب من إيران أو بدعم مباشر أو غير مباشر من أطراف مساندة، ممّا يُعدّ خرقاً صريحاً لقرار مجلس الأمن رقم 2216 وما يحمله من التزامات دولية." 

وعرج التقرير على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث نفذ الحوثيون أكثر من (60) هجوماً على السفن، في الفترة بين عامي 2024 و2025، وهو ما أدى إلى تهديد خطير للملاحة الدولية والتجارة العالمية، محمّلاً إيّاهم مسؤولية تصعيد الهجمات على السفن المدنية بالتزامن مع حرب غزة، مؤكداً أنّ هذه العمليات تمّت بتوجيه ودعم من إيران. ويضاف إلى ذلك الهجمات ضدّ "المدنيين والبنى التحتية المدنية دون تمييز، في ظل غياب فعّال لسلطة محاسبة حقيقية". وأشار إلى أنّ تلك الهجمات شملت قصفاً لمناطق مأهولة، وهو ما تسبب في تأثيرات مباشرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، وذلك في ظل الضعف الذي تعاني منه الحكومة اليمنية بفعل تفشي الفساد وسوء إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها بما ينذر بكارثة إنسانية، مع تخطي كذلك معدلات انعدام الأمن الغذائي في بعض المحافظات للحدود القصوى.

وختم التقرير بالقول: إنّ "استمرار الإفلات من العقاب يهدد فرص السلام في اليمن، كما أنّ استمرار القتال وخرق الحظر على الأسلحة يُدخل البلاد في حالة صراع دائمة تُعقّد عملية السلام والاستقرار"، وطالب مجلس الأمن بضرورة "فرض عقوبات إضافية على الأطراف المعرقلة للعملية السياسية." 

إلى ذلك يوضح المحلل السياسي اليمني شكري باعلي أنّ ما يجري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يكشف عن نمط متكرر من التخادم السياسي والبراغماتي بين أطراف متناقضة إيديولوجيّاً، من بينها ميليشيا الحوثي، وتنظيمات إسلاموية مثل الإخوان والقاعدة، حيث يتم تجاوز التناقضات العقائدية لصالح تقاطعات مصلحية مؤقتة تخدم أهدافاً تكتيكية في ساحات الصراع، لا سيّما في اليمن وبعض بؤر التوتر الإقليمي.

ويقول باعلي لـ (حفريات): إنّ هذا التخادم برز سياسياً من خلال التعاون المتزايد بين الطرفين في مناطق النفوذ سواء على مستوى التنسيق في مجال التهريب أو تبادل السجناء، الأمر الذي حدث مثلاً مع محمد عايض الحرازي، وهو ضمن قادة تنظيم القاعدة، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات عام 2011، لكن أُطلق سراحه بشكل مفاجئ في عام 2016 ضمن صفقة تبادل الأسرى بين الحوثيين مع سيطرتهم على صنعاء في 2014، وتنظيم القاعدة. وكان الحرازي ضمن عشرات من التنظيم الإرهابي ممّن أفرج عنهم الحوثيون بين عامي 2016 و2021 عبر صفقات مماثلة ومشبوهة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية