الإخوان تحت المجهر: مناقشات لحظر الجماعة في ألمانيا وتحقيقات مرتقبة في سويسرا

الإخوان تحت المجهر: مناقشات لحظر الجماعة في ألمانيا وتحقيقات مرتقبة في سويسرا

الإخوان تحت المجهر: مناقشات لحظر الجماعة في ألمانيا وتحقيقات مرتقبة في سويسرا


05/02/2026

تتصاعد في العاصمة الألمانية برلين منذ بداية عام 2025 مناقشات سياسية حادة في البرلمان الألماني (بوندستاغ) حول مشروع قرار لحظر جماعة الإخوان المسلمين في البلاد، والتوسع في أدوات الدولة لمكافحة ما يُعرف بـ "الإسلام السياسي".

 تحركات مماثلة انطلقت أيضاً في برلمان سويسرا، فقد دعت نائبة سويسرية إلى فتح تحقيق رسمي في وضع الجماعة داخل سويسرا وشبكات تأثيرها.

هذه التطورات تأتي في سياق أوسع، حيث تشهد أوروبا جدلاً متزايداً حول دور التنظيمات الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية في الحياة السياسية والاجتماعية، ومدى توافق نشاطاتها مع القوانين الديمقراطية الأوروبية.

البرلمان الألماني: الحظر والتصدي للإسلام السياسي

في نهاية كانون الثاني (يناير) 2025 بدأ البرلمان الألماني مناقشات مكثفة داخل لجنة الشؤون الداخلية حول مشروع قرار يهدف إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين داخل ألمانيا، وذلك ضمن إطار مشروع قانون أوسع يحمل عنوان "ضمان الأمن الداخلي طويل الأمد".

المشروع، الذي قدّمه حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، يطالب بمنع نشاط الجماعة والمنظمات المرتبطة بها، ويسعى إلى تعزيز مراقبة الجمعيات والمساجد التي يعتقد أنّها قد تتعرض لـ "تغلغل إخواني". 

نقاط أساسية في المشروع تقدم رؤية شاملة للأسباب التي دفعت النواب الألمان إلى هذه الخطوة:

ـ وصف الجماعة ومنظماتها المرتبطة بأنّها تشكّل تهديداً محتملاً لـ "النظام الدستوري الألماني"، ودعوة إلى تقييد تمويلها الخارجي.

ـ المطالبة بالتحقيق في دور بعض المنظمات ذات الطابع الإسلامي التي يُعتقد أنّها تعمل كواجهات للجماعة. 

ـ الدعوة إلى وضع آليات لرصد تأثير هذه التنظيمات على السياسات المحلية، بما في ذلك المشاركة في أنشطة ثقافية واجتماعية.  

على الأرض، نفذت الحكومة الألمانية بالفعل خطوة عملية في هذا الاتجاه إذ حظرت جمعية "مسلم إنتر أكتيف"، وهي جمعية شبابية كانت أنشطتها مثار جدل بسبب ما وصفه المكتب الاتحادي لحماية الدستور بأنّه "معادٍ للدستور"، ومتورطة في خطاب عدائي يستهدف الديمقراطية وقيم المساواة. وتمّت مصادرة أصول الجمعية وإغلاق منصاتها.  

رئيس الوزراء الداخلي الألماني ألكسندر دوبريندت وصف هذه الخطوة بأنّها تعبير عن عدم تسامح الدولة مع من يسعون إلى "تقويض الديمقراطية"، وأكدت السلطات أنّ هذه الإجراءات جزء من استراتيجية أوسع للتعامل مع التطرف، الإسلامي منه واليميني.  

الحكومة الألمانية وتأسيس مجلس استشاري لمكافحة الإسلام السياسي

إلى جانب مناقشات الحظر تعهدت الحكومة الألمانية بتأسيس مجلس استشاري لمكافحة الإسلام السياسي مدعوماً بخطة عمل واضحة، تشمل توسيع قدرات أجهزة الأمن وردع أيّ محاولات للتأثير الأجنبي عبر منظمات اجتماعية تحمل إيديولوجيات سياسية دينية. 

هذه المبادرة، بحسب مصادر حكومية ألمانية، تأتي كردٍّ على مخاوف متنامية من نفوذ مجموعات الإخوان المحتمل داخل البلاد، بعد أن رأى البعض أنّ ديناميات المجتمع المدني والقانون المدني بحاجة إلى آليات ردع جديدة. 

ومن اللافت أنّ هذه المبادرات لا تأتي بمعزل عن التصعيد السياسي الأوسع ضد الإسلام السياسي داخل أوروبا، حيث بدأ البرلمان الفرنسي مؤخراً بدعم تصنيف جماعة الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية على مستوى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس اتجاهاً أوروبياً أوسع.  

تحريك في سويسرا: مطالبة بتحقيق حول الإخوان

في برلمان سويسرا أيضاً تصاعدت الأصوات المطالبة بمزيد من الشفافية حول نشاط جماعة الإخوان داخل البلاد؛ أبرزها القضية التي أثارتها النائبة جاكلين دو كواترو عن "الحزب الليبرالي الراديكالي/كانتون فود"، التي طالبت الحكومة الفيدرالية بإعداد تقرير شامل عن وجود الجماعة، وشبكات تأثيرها، وأنشطتها داخل المجتمع المدني السويسري.  

في تصريحات لها بوسائل الإعلام السويسرية، وصفت "دو كواترو" جماعة الإخوان بأنّها تهديد محتمل للنسيج الديمقراطي السويسري، مستشهدة بما ذكرته تقارير فرنسية عن نفوذ الجماعة في أوروبا وكيفية عملها داخل المدارس والمنظمات الاجتماعية والثقافية.

ويشمل طلبها توثيق طبيعة وأنواع الشبكات الإيديولوجية والاجتماعية التي يمكن أن تمثلها هذه الجماعة في سويسرا، وكيفية توافقها مع القيم الدستورية السويسرية.  

هذه المطالبات السويسرية، رغم أنّها لا تفرض حتى الآن إجراءات قانونية محددة، إلا أنّها تكشف عن مخاوف متزايدة لدى بعض السياسيين الأوروبيين من تأثير التنظيمات ذات الصلة بالإخوان في المجتمعات الأوروبية، خاصة في ظل تغيّر النظرة الرسمية من اعتبارها مجرد جمعيات دينية أو ثقافية إلى كيان سياسي له أبعاد أوسع.  

كيف نقرأ التحركات؟

التطورات السياسية في ألمانيا وسويسرا لم تكن بعيدة عن أبحاث وتحليلات مراكز فكرية وأكاديمية، سواء في أوروبا أو من قبل باحثين ألمان داخل البلاد.

الباحث الإيطالي لورنزو فيدينو، الذي يُعتبر من أبرز الخبراء في جماعة الإخوان والتحليل الأمني في أوروبا، يشير في تقرير له إلى أنّ تقييم أجهزة الأمن الأوروبية يتراوح بين نظريات متباينة حول الجماعة؛ فهناك من يرى أنّها حركة عادية تعتنق الديمقراطية والاندماج، وهناك من يرى أنّها عنصر معقد لا يعتمد على العنف لكنّه يحتفظ بإشكالية قوية، وقد يسعى إلى مواءمة الأهداف الإيديولوجية مع العمل المدني والاجتماعي.  

هذا الرأي يوضح أنّ هناك تبايناً في التحليل السياسي تجاه خطر الإخوان داخل المجتمعات الأوروبية، وهو ما يجعل القرار القانوني لحظرها أو تقييدها قضية حساسة ومعقدة.

كذلك تُظهر بعض الدراسات الأمنية الأوروبية أنّ جماعات الإخوان تعتبر ـ وفق تحليلات استخباراتية ـ شبكات إيديولوجية تسعى للتغلغل في مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك جمعيات تعليمية وثقافية، وهو ما يدفع بعض الحكومات الأوروبية نحو تشديد الرقابة. 

بالإضافة إلى ذلك تنظر بعض المراكز البحثية إلى أنّ هذه التحركات ليست فقط أمنية، بل هي جزء من مواجهة أوسع لـ "الإسلام السياسي"، باعتباره يشكّل تحدياً للعناصر الأساسية للديمقراطية الغربية، مثل العلمانية وسيادة القانون، بينما يرى آخرون أنّ هناك خطرًا في تعميم التهديد على جميع الكيانات الإسلامية المدنية.  

تحليل السياق الأوروبي: من التسامح إلى تشديد السياسات

التحولات في ألمانيا وسويسرا تعكس جزءًا من نقاش شامل في أوروبا حول كيفية التعامل مع الإخوان والإسلام السياسي. فالمواقف الرسمية تميل إلى اعتبار أنّ الأعمال المدنية أو الاجتماعية التي تتخذها جماعات مرتبطة بالإخوان ليست بريئة بالضرورة، خصوصاً إذا كانت تستخدم لمدّ نفوذ إيديولوجي قد يتعارض مع الأنظمة القانونية الديمقراطية. وهذا ما يفسّر التوجه نحو مناقشة الحظر ومراقبة التمويل الأجنبي للشبكات ذات الصلة.  

في المقابل، هناك من يُحذّر من استهداف مسلمي أوروبا عامةً أو منظمات مدنية سلمية، باعتبار أنّ ذلك قد يفتح الباب أمام موجات من التمييز والصدام مع حرية التعبير والحرية الدينية، وهو ما يرى فيه بعض المحللين خطراً آخر على التماسك الاجتماعي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية