الأحكام القضائية كأداة لتفكيك البنية الصلبة لإخوان تونس

الأحكام القضائية كأداة لتفكيك البنية الصلبة لإخوان تونس

الأحكام القضائية كأداة لتفكيك البنية الصلبة لإخوان تونس


04/02/2026

لم تعد الأحكام القضائية الصادرة بحق راشد الغنوشي تُقرأ في إطار المسؤولية الفردية، بل باتت تُفهم كمدخل مباشر لضرب البنية الصلبة التي قامت عليها حركة النهضة منذ تأسيسها. فالغنوشي لم يكن فقط رئيساً منتخباً داخل الحزب، بل كان الرابط العضوي بين التنظيم المحلي والشبكات الخارجية، وبين الخطاب الدعوي والقرار السياسي، وبين الحركة ومحيطها الإقليمي.

غياب هذا “المحور” أحدث تصدعات داخلية عميقة، كشفت أن النهضة لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على العمل المستقل عن الزعيم. 

وسقط الحديث المتكرر عن “القيادة الجماعية” و”المؤسسات المنتخبة” عملياً أمام أول اختبار حقيقي، وهو ما يعكس طبيعة الحركة كتنظيم هرمي مغلق أكثر منها حزباً سياسياً حديثاً.

ملف التمويل لا يستهدف فقط الماضي بل يمنع أي إمكانية لإعادة التموقع مستقبلاً

تداعيات الأحكام لا تتوقف عند الشلل القيادي، بل تمتد إلى فقدان الحركة لشرعية التمثيل داخل الدولة. فزعيم يقضي عقوبات طويلة في قضايا تمسّ السيادة والأمن لا يمكن لحركته أن تستمر في تقديم نفسها كشريك سياسي موثوق أو فاعل ديمقراطي طبيعي، خاصة في ظل سياق إقليمي شديد الحساسية تجاه الإسلام السياسي.

إضافة إلى ذلك، فإن توالي القضايا وتعددها يخلق صورة ذهنية سلبية لدى الرأي العام، تقوم على أن الحركة ليست ضحية “ملف واحد”، بل متورطة في نمط متكرر من المخالفات. وهذا التراكم مهم جداً، لأنه يؤسس قانونياً وسياسياً لفكرة أن الخلل بنيوي لا ظرفي.

كما أن هذه الأحكام تُضعف قدرة النهضة على الدفاع عن نفسها دولياً، خصوصا أن الدعم الخارجي الذي كانت تحظى به الحركة، وبشكل خاص في بعض الدوائر الغربية، كان قائماً على صورة “الحزب المدني”. أما اليوم، ومع ثقل الأحكام، فإن هذه الصورة تتآكل تدريجياً، ما يترك الحركة معزولة سياسياً وقانونياً.

التمويل الأجنبي من الاتهام إلى سند الحظر

يُشكّل ملف التمويل الأجنبي أخطر تهديد وجودي لحركة النهضة، لأنه لا يترك مساحة للتأويل أو التسوية السياسية. فالقانون التونسي يتعامل مع هذه المسألة باعتبارها خطاً أحمر يمسّ جوهر الدولة الوطنية، وليس مجرد مخالفة إدارية قابلة للمعالجة.

والخطورة لا تكمن فقط في ثبوت تلقي أموال من الخارج، بل في طبيعة الآليات التي تشير إليها التحقيقات، حيث يُشتبه في استخدام جمعيات ومنظمات واجهة لتدوير الأموال وتبييضها سياسياً. وهذا الأسلوب يعكس عقلية تنظيمية اعتادت العمل في الظل، وتؤكد أن النهضة لم تنفصل فعلياً عن النموذج الإخواني العابر للحدود.

السياق الدولي نفسه بات أقل تسامحاً مع الإسلام السياسي خاصة حين يقترن بشبهات التمويل الخارجي

وعلى مستوى القانون، فإن ثبوت هذا النمط من التمويل يفتح الباب أمام تطبيق النصوص المتعلقة بحلّ الأحزاب التي تهدد النظام العام أو تعمل خارج الإطار الوطني. وهنا يصبح القضاء أمام خيار منطقي: إذا كان الحزب قد فقد شرط الاستقلال المالي والسياسي، فإنه يفقد تلقائياً شرط الشرعية.

سياسياً، يضع هذا الملف حداً لخطاب النهضة القائم على “الاستثناء التونسي”. فالحركة التي طالما قدّمت نفسها كنسخة مختلفة عن بقية تنظيمات الإخوان، تجد نفسها اليوم متهمة بنفس التهم التي طالت فروع التنظيم في دول أخرى، ما ينسف ادعاء الخصوصية من أساسه.

الأهم أن ملف التمويل لا يستهدف فقط الماضي، بل يمنع أي إمكانية لإعادة التموقع مستقبلاً. فالحركة التي تُدان في هذا الملف ستبقى تحت رقابة مالية وقانونية مشددة، ما يجعل قدرتها على العودة أو إعادة التشكل شبه مستحيلة دون صدام مباشر مع القانون.

حظر النهضة كحصيلة مسار لا كقرار فوقي

تُظهر المعطيات الحالية أن حظر حركة النهضة، إن تم ، سيكون تتويجاً لمسار طويل ومدروس، لا قراراً سياسياً متسرعاً. فالدولة التونسية تعتمد نهج “التفكيك الهادئ”، القائم على استنزاف الحركة قانونياً وتنظيمياً قبل الوصول إلى الضربة النهائية.

هذا النهج يهدف إلى تفادي سيناريو “الصدمة”، ويُراكم في المقابل شرعية قانونية يصعب الطعن فيها. فحين يصدر قرار بالحظر، إن صدر، سيكون مدعوماً بأحكام نهائية وملفات موثقة، لا بمجرد إرادة سياسية.

سيؤدي هذا التحول إلى إضعاف شبكات النفوذ التي بنتها الحركة داخل الإدارة والمجتمع المدني

كما أن هذا المسار يضع النهضة أمام مأزق مزدوج: فهي عاجزة عن المواجهة السياسية بسبب ضعفها الداخلي، وعاجزة عن المواجهة القانونية بسبب ثقل الملفات. وهذا ما يفسر لجوءها المتكرر إلى خطاب الخارج، في محاولة أخيرة لخلق ضغط دولي.

غير أن هذا الرهان يبدو ضعيفاً، لأن السياق الدولي نفسه بات أقل تسامحاً مع الإسلام السياسي، خاصة حين يقترن بشبهات التمويل الخارجي والتغلغل داخل مؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أنه، حتى في حال عدم الإعلان الرسمي عن الحظر، فإن النتيجة العملية ستكون واحدة: حركة معطلة، مراقبة، فاقدة للقيادة والموارد، أي كيان سياسي انتهى فعلياً وإن بقي اسمه قائماً.

 ما بعد النهضة… نهاية مرحلة لا مجرد حزب

ولا يعني تحييد حركة النهضة فقط غياب حزب سياسي، بل نهاية مرحلة كاملة هيمنت فيها ثنائية “الإسلام السياسي مقابل الدولة” على النقاش العام. وهذا التحول يفتح الباب أمام إعادة صياغة المشهد السياسي بعيداً عن الاستقطاب الإيديولوجي الحاد.

داخلياً، سيؤدي هذا التحول إلى إضعاف شبكات النفوذ التي بنتها الحركة داخل الإدارة والمجتمع المدني، ويجبر الفاعلين السياسيين على العمل وفق قواعد أكثر وضوحاً وشفافية.

أما إقليمياً، فتمثل نهاية النهضة ضربة رمزية لمشروع الإخوان في شمال أفريقيا، لأنها تسقط آخر تجربة حكم طويلة نسبياً كان يُروّج لها كنموذج ناجح.

أما اجتماعياً، فإن محدودية التعاطف الشعبي مع الحركة تقلل من مخاطر أي ارتدادات عنيفة، وتُظهر أن المجتمع التونسي تجاوز إلى حد كبير خطاب “الهوية” لصالح مطالب الاستقرار والفاعلية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية