القضاء التونسي يواصل مساره ويوجه ضربة جديدة لحركة النهضة

القضاء التونسي يواصل مساره ويوجه ضربة جديدة لحركة النهضة

القضاء التونسي يواصل مساره ويوجه ضربة جديدة لحركة النهضة


29/01/2026

 

واصل القضاء التونسي خلال الأسابيع الأخيرة تثبيت مسار قضائي متدرّج بحق زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، في تطور يعكس تحوّلًا ملحوظًا في مقاربة الدولة لملفات الإسلام السياسي بعد أكثر من عقد من حضوره في المشهد السياسي والسلطة التنفيذية والتشريعية. الحكم الأخير، الذي أضاف سنوات جديدة إلى رصيد الأحكام الصادرة سابقًا، أعاد النقاش إلى الواجهة حول طبيعة المسؤولية السياسية والقانونية للقيادات الحزبية عن الممارسات المالية والتنظيمية التي تراكمت خلال سنوات الحكم، وما ترتب عليها من تداعيات على استقرار المؤسسات والثقة العامة في الحياة السياسية.

إجراءات متعددة المراحل

كانت محكمة تونسية مختصة قد أدانت الغنوشي في قضية جديدة تتعلق بمخالفات مالية وتمويل حزبي خارج الأطر القانونية، لترتفع بذلك جملة الأحكام الصادرة بحقه إلى نحو (48) عامًا سجنًا في ملفات متعددة، تشمل شبهات تمويل غير مشروع، واستغلال نفوذ، وقضايا تمسّ أمن الدولة. ويأتي هذا التطور ضمن سلسلة قرارات استندت إلى القوانين المنظمة للحياة السياسية والمالية التي تحظر تلقي الأحزاب أموالًا من مصادر غير مصرح بها، أو توظيف المال السياسي في غير الأغراض التي يحددها القانون.

هذا المسار القضائي لم يأتِ بوصفه قرارًا منفصلًا أو إجراءً استثنائيًا، بل نتيجة لتراكم تحقيقات بدأت منذ عام 2023 وتوسّعت لتشمل ملفات متعددة مرتبطة بإدارة المال العام، والعلاقة بين الحزب ومؤسسات الدولة، وآليات توظيف التنظيم في الفضاءين الإداري والسياسي. ويشير محللون إلى أنّ هذه القضايا تمثل جزءًا من مراجعة أوسع للتجربة التي قادتها حركة النهضة في الحكم، في ظل تحميلها مسؤولية مباشرة عن تعطل مسارات الإصلاح الاقتصادي وتفاقم الأزمات الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع نسب البطالة وتراجع مؤشرات الاستثمار وتآكل الثقة في المنظومة السياسية.

في السياق الرسمي تؤكد السلطات التونسية أنّ الأحكام القضائية تستند إلى إجراءات قانونية متعددة المراحل، شملت التحقيق، والاستنطاق، وحق الطعن والاستئناف، وأنّها تندرج ضمن تطبيق القوانين المنظمة للتمويل الحزبي والحياة السياسية. وترى الحكومة أنّ هذا المسار يعكس سعي الدولة إلى إعادة ضبط العلاقة بين العمل السياسي والمال العام، ومنع ما تعتبره اختراقًا للمؤسسات عبر شبكات تنظيمية أو مصادر تمويل غير شفافة.

في المقابل، تواصل حركة النهضة التشكيك في هذه الأحكام، معتبرة أنّها تحمل طابعًا سياسيًا، وتندرج ضمن سياق أوسع لتقييد العمل الحزبي المعارض منذ خروج الحركة من السلطة. وتؤكد قياداتها في بيانات وتصريحات متكررة أنّ ما يجري يمثل استهدافًا سياسيًا يهدف إلى إقصاء خصوم السلطة الحالية من المشهد العام. غير أنّ خصوم الحركة يردّون بأنّ هذا الخطاب يتجاهل طبيعة الملفات المعروضة أمام القضاء التي لا تتعلق بالمواقف أو الآراء السياسية، بل بوقائع مالية وتنظيمية خضعت لإجراءات قضائية موثقة، وأنّ الاحتكام إلى القانون هو المسار الطبيعي للفصل في مثل هذه القضايا.

ويضع هذا الجدل تونس أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على إدارة الانتقال السياسي في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة. فمنذ عام 2021 شهدت البلاد تحولات كبيرة في بنية النظام السياسي، شملت إعادة صياغة العلاقة بين السلطات وتعديل الإطار الدستوري، وهو ما رافقه نقاش واسع حول حدود الدور القضائي في محاسبة القيادات السياسية السابقة، ومدى تأثير ذلك على الاستقرار العام.

القضايا المرفوعة ضد الغنوشي وحركة النهضة تندرج ضمن مسار أوسع لتفعيل النصوص القانونية المتعلقة بالتمويل الحزبي والشفافية المالية، التي ظلت موضع جدل خلال السنوات الماضية بسبب ضعف آليات الرقابة وصعوبة تتبع مصادر التمويل في ظل تعدد القنوات التنظيمية والواجهات الجمعياتية. 

تعزيز دور القضاء في هذا المجال قد يشكل خطوة نحو إعادة الثقة في المؤسسات، شريطة أن يتم ذلك ضمن معايير واضحة تضمن استقلالية السلطة القضائية وحيادها.

رؤية إقليمية

على المستوى السياسي، تبرز هذه الأحكام في سياق إقليمي يتسم بإعادة تقييم دور حركات الإسلام السياسي في الحكم. ففي عدد من الدول العربية شهدت السنوات الأخيرة مسارات مشابهة لمراجعة تجربة هذه الحركات، سواء عبر تغييرات دستورية أو إجراءات قضائية أو إعادة تنظيم للحياة الحزبية. ويرى محللون أنّ ما يجري في تونس لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع، الذي يعكس تحولات في مواقف الدولة الوطنية تجاه التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية، خاصة في ما يتعلق بعلاقتها بالسلطة والمال العام والمؤسسات.

اقتصاديًا، تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه تونس تحديات حادة تتعلق بالديون الخارجية، وتراجع الاحتياطي النقدي، وارتفاع كلفة المعيشة. ويشير مراقبون إلى أنّ الجدل السياسي والقضائي حول قضايا الفساد والتمويل الحزبي قد يكون له تأثير مباشر على صورة البلاد لدى المستثمرين والشركاء الدوليين الذين يراقبون عن كثب مدى التزام الدولة بمعايير الشفافية وسيادة القانون. وفي هذا السياق ترى الحكومة أنّ تعزيز دور القضاء في محاسبة القيادات السابقة يبعث برسالة إيجابية حول جدية الإصلاح المؤسسي، بينما يخشى منتقدوها من أن يؤدي تصاعد الصراع السياسي إلى مزيد من الانقسام الداخلي.

حركة النهضة، التي هيمنت على المشهد السياسي في مرحلة ما بعد 2011، تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا يتمثل في تراجع حضورها في الشارع وتضييق هامشها القانوني والتنظيمي. كما أنّ الأحكام القضائية الأخيرة قد تعمّق هذا التراجع، وتعيد رسم خريطة التوازنات داخل الساحة الحزبية التونسية، في ظل صعود قوى سياسية جديدة أو عودة وجوه قديمة إلى الواجهة.

في المقابل، يؤكد أنصار الحركة أنّ غياب التوافق السياسي الشامل في المرحلة الحالية يزيد من حدة الاستقطاب، ويضعف فرص بناء مسار ديمقراطي مستقر. ويرون أنّ معالجة ملفات الفساد والتمويل ينبغي أن تتم ضمن إطار حوار وطني يضمن مشاركة جميع الأطراف، بدل الاكتفاء بالمسار القضائي وحده. 

غير أنّ هذا الطرح يواجه رفضًا من أطراف أخرى ترى أنّ الحوار لا يمكن أن يكون بديلًا عن المحاسبة القانونية، وأنّ استعادة الثقة في الدولة تمرّ عبر تطبيق صارم للقوانين دون استثناءات.

قانونيًا، تفتح هذه القضايا بابًا للنقاش حول الإطار التشريعي المنظم للأحزاب والتمويل السياسي في تونس. فقد شهدت السنوات الماضية مطالب متكررة بتحديث هذه القوانين لتواكب التطورات في أساليب العمل الحزبي، خاصة في ما يتعلق باستخدام المنصات الرقمية، وجمع التبرعات، والعلاقة بين الأحزاب والجمعيات. ويشير مختصون إلى أن تعزيز آليات الرقابة المالية، ومنح الهيئات المستقلة صلاحيات أوسع، قد يسهم في الحد من الإشكالات التي ظهرت خلال العقد الماضي.

على الصعيد الاجتماعي، يعكس الجدل الدائر حول هذه الأحكام انقسامًا في الرأي العام بين من يرى فيها خطوة ضرورية لتصحيح مسار سياسي شابه كثير من التجاوزات، وبين من يخشى أن تؤدي إلى تقليص الحريات السياسية وإضعاف التعددية الحزبية. وتظهر هذه الانقسامات في النقاشات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع المواقف الإيديولوجية والانتماءات الحزبية.

إقليميًا، تتابع عواصم عربية ودولية هذه التطورات بوصفها مؤشرًا على اتجاه السياسة التونسية في المرحلة المقبلة. فبعض الدول تعتبر أنّ ما يجري يمثل نموذجًا لمحاسبة القيادات السياسية وفق إطار قانوني، بينما ترى أخرى أنّه يعكس صراعًا سياسيًا داخليًا قد تكون له تداعيات على الاستقرار العام. وفي كل الأحوال يبقى الملف التونسي حاضرًا في أجندة الشركاء الدوليين، خاصة في ظل ارتباطه بملفات التعاون الاقتصادي والدعم المالي.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية