مراد وهبة تلميذ ابن رشد الأكثر إثارة للجدل

مراد وهبة تلميذ ابن رشد الأكثر إثارة للجدل

مراد وهبة تلميذ ابن رشد الأكثر إثارة للجدل


18/01/2026

الطيب ولد العروسي

برحيل المفكر والأكاديمي والفيلسوف المصري مراد وهبة (1926 – 2026) يطوي الفكر العربي صفحة من أكثر صفحاته اختلاطًا وإثارةً للنقاش والجدل. فالرجل لم يكن مجرد أستاذ فلسفة ترك وراءه مؤلفات ومقالات، بل كان حالة فكرية كاملة، جمعت بين مشروع تنويري عقلاني واضح المعالم، يستند إلى إحياء تراث ابن رشد، وبين “مواقف سياسية صدامية جعلته في قلب سجالات حادة، وصلت أحيانًا إلى حد التشكيك في اتساق خطابه الفلسفي ذاته”.

 وهذا ما يفسر استمرار الجدل والتساؤلات حوله حتى بعد رحيله، أي بين من يحتفي بإسهامه التنويري، ومن يرى أن مواقفه السياسية أضعفت مشروعه الفكري أو جردته من مضمونه النقدي.

عندما يُذكر اسم مراد وهبة يكاد اسم ابن رشد ينهض تلقائيًا في الذاكرة. فقد جعل وهبة من الفيلسوف الأندلسي مركزًا لمشروعه الفلسفي، واعتبر أن “الرشدية” ليست مجرد “مذهب فلسفي تاريخي، بل لحظة تأسيسية في مسار العقل الإنساني”. إلى جانب ذلك كان يرى أن الرشدية شكّلت الجسر الذي عبرت عليه أوروبا إلى الحداثة، وأسهمت في بناء العقلانية الأوروبية، وما تلاها من إصلاح ديني في القرن السادس عشر، ثم حركة تنوير في القرن الثامن عشر. في المقابل ظل العالم العربي، في رأيه، عاجزًا عن استيعاب، بل همّش، هذا التراث العقلاني أو توظيفه في معالجة أزماته المعاصرة.

وقد لخّص وهبة هذه المفارقة في عبارته الشهيرة “ابن رشد ميت في بلاده حي في الغرب”، وهي عبارة لم تكن مجرد توصيف تاريخي، بل اتهاما ثقافيا مباشرا لواقع عربي أقصى العقل، وفضّل النقل الجامد، وأغلق باب التأويل والاجتهاد. ومن هنا جاءت دعوته الدائمة إلى إحياء “الفكر الرشدي بوصفه مدخلًا ضروريًا لأي مشروع تنويري عربي جاد”.

في هذا السياق لم يكن وهبة فيلسوفًا أكاديميًا منغلقًا داخل قاعات الجامعة أو أسير لغة نخبوية معقدة، بل حرص على الحضور المكثف في المجال العام، عبر المقالات الصحفية، والحوارات التلفزيونية، والندوات المفتوحة، وحتى اللقاءات الجماهيرية. كان يؤمن بأن الفلسفة ليست ترفًا معرفيًا، ولا نشاطًا تجريديًا معزولًا عن الواقع، بل أداة لفهمه، وتفكيكه، ومساءلته، والسعي إلى تغييره وتحليله، لذلك انخرط الدكتور مراد وهبة مبكرًا في نقد الظواهر الاجتماعية والسياسية التي رأى فيها تجليات للتخلف المزمن في العالم العربي الإسلامي، وعلى رأسها صعود التيارات الأصولية منذ بداية سبعينات القرن الماضي.

وفي مواجهة موجة “الأسلمة” التي تصاعدت في مصر والعالم العربي، بدعم مباشر أو غير مباشر من السلطة السياسية في مراحل مختلفة، قدّم وهبة “قراءة فلسفية نقدية للفكر المتأسلم”، حيث سعى من خلالها إلى تفكيك بنيته المفاهيمية، والكشف عن منطقه الداخلي. حذّر من تحويل النسبي إلى مطلق، ومن مصادرة العقل باسم النقل، ومن احتكار الحقيقة وادعاء امتلاكها.

وفي هذا السياق وقف إلى جانب قلة من المفكرين الذين واجهوا الأصولية بمنهج عقلاني صارم، مثل حسن حنفي وفؤاد زكريا ومحمود أمين العالم ومحمد أركون، إلا أن وهبة تميز عن الكثير منهم بحدة خطابه، وبحضوره الإعلامي الواسع، وباستعداده الدائم للاشتباك المباشر مع خصومه.

انطلقت معركته الفكرية، أساسًا، من مطلب أساسي يتجلى في “ضبط المفاهيم”. لاسيما وأنه رأى أن جزءًا كبيرًا من أزمات الفكر العربي يعود إلى فوضى المفاهيم، وسوء استخدامها، وتوظيفها أيديولوجيًا. فالعلمانية، في تعريفه، لا تعني العداء للدين أو إقصاءه من المجتمع، بل “تعني التفكير في النسبي بما هو نسبي”، أي أنه كان يدعو إلى إدراك “حدود العقل الإنساني وتاريخية المعرفة البشرية”. أما الأصولية فهي نقيض ذلك تمامًا، لأنها تتعامل مع النسبي بوصفه مطلقًا، ومع التاريخي بوصفه أبديًا.

كما رفض وهبة الشعار الشائع حول “فصل الدين عن الدولة” حين يُفهم بوصفه دعوة لفصل الدين عن المجتمع أو عن المجال العام. وأكد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الدين بوصفه إيمانًا شخصيًا، بل في المعتقد حين يتحول إلى سلطة قهرية تسعى لفرض نفسها على الجميع. فالدين، في جوهره، إيمان، أما الكارثة فتبدأ حين “يتحول هذا الإيمان إلى عقيدة مغلقة، ثم إلى مشروع سياسي إقصائي”.

غير أن هذا الخطاب العقلاني الصارم، الذي منح مراد وهبة مكانته التنويرية، اصطدم في مراحل لاحقة بمواقفه السياسية التي أثارت الكثير من الجدل، بل والصدمة أحيانًا. فالكل يعرف أنه اتخذ موقفًا عدائيًا مبكرًا من جماعة الإخوان المسلمين، واعتبر نفسه استثناءً داخل التيار اليساري المصري في هذا الشأن. كما أبدى تفهمًا، بل تأييدًا ضمنيًا، للسياسة المتبعة من قبل السادات، حتى بما فيها مسار التطبيع مع إسرائيل، لقد بدأ هذا الطرح للكثيرين مراوغًا أو غير مكتمل الحجة، “وأثار تساؤلات أخلاقية وسياسية لم يجب عنها بوضوح“.

وقد تفاقم هذا التناقض بعد ثورة يناير 2011، حين رأى وهبة أن الثورة نجحت في إسقاط “الوضع القائم“، لكنها فشلت في استدعاء “الوضع القادم“، بسبب غياب رؤية مستقبلية لدى المثقفين، ما سمح –حسب رأيه- بصعود الإخوان المسلمين. وعلى هذا الأساس، اعتبر أحداث ثلاثين يونيو 2013 “ثورة تصحيحية“، واصطف بوضوح إلى جانب المؤسسة العسكرية، بل ذهب إلى حد وصف المثقفين المعارضين للسلطة في تلك المرحلة بـ“الخونة“.

هنا وجد كثيرون أن مراد وهبة وقع في الفخ ذاته الذي طالما حذّر منه: فاليقين السياسي المطلق الذي منحه للسلطة بدا متناقضًا بوضوح مع نقده المستمر لـ“ملاك الحقيقة المطلقة“، ومع دفاعه الفلسفي عن النسبية، والعقل النقدي، وحق الاختلاف. وقد بلغ الجدل ذروته مع اتهامه من بعض زملائه وتلاميذه بالانحياز للصهيونية، خاصة بسبب مواقفه الثابتة من إسرائيل، “وعدم تعاطفه العلني مع ضحايا العدوان على غزة، وهو ما عبّرت عنه الأكاديمية يمنى الخولي بعبارات صادمة كشفت عمق الانقسام حول إرثه“.

ومع ذلك، لم يُنكر الكثير من المفكرين والأكاديميين الدور الريادي الذي لعبه مراد وهبة في نشر الفلسفة والدفاع عنها في مصر والعالم العربي. فقد كان له إسهام حاسم في الحفاظ على مادة الفلسفة في المناهج التعليمية، وأسّس “الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير”، وترك مؤلفات شكّلت مراجع أساسية في نقد الأصولية وترسيخ العقلانية. وقد أجمع المشاركون في احتفالية “مئويته بمكتبة الإسكندرية على أن مشروعه الفكري، بكل ما يحمله من تناقضات، يظل علامة بارزة في تاريخ الفلسفة العربية المعاصرة”.

هكذا، يرحل مراد وهبة تاركًا إرثًا إشكاليًا بامتياز؛ فيلسوفًا آمن بالعقل حتى النهاية، لكنه لم ينجُ من امتحان السلطة. وبين التنوير الرشدي والانحياز السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن فصل قيمة المشروع الفكري عن اختيارات صاحبه؟ أم أن مأساة المثقف العربي تكمن دائمًا في هذه المسافة الخطرة بين الفلسفة والواقع؟

ترك الدكتور وهبة العديد من المؤلفات، منها “قصة الفلسفة” و”رباعية الديمقراطية” و”الأصولية والعلمانية” و”ملاك الحقيقة المطلقة” و”جرثومة التخلف” و”المعجم الفلسفي”، وغيرها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية