
مع الأسف، شكّل فكر القرضاوي وحضوره الإعلامي اللافت نقطة ارتداد وتراجع عن طروحات الغزالي، لا سيّما في أواخر حياته؛ فبينما كان الغزالي في كتبه الأخيرة يفكك "صنم التنظيم" لصالح الأمّة والإنسان، عمل القرضاوي على شرعنة "الولاء التنظيمي" عبر أدوات الفقه، ممّا جعل الفقه" في خدمة "الإيديولوجيا" بدلاً من أن يكون في خدمة المجتمع.
الغزالي واستشعار الوعي بأهمية الخروج من الأنساق المغلقة
القارئ المتبصر في تراث الشيخ محمد الغزالي (توفي: 1996م)، لا سيّما في كتبه المركزية مثل "جدد حياتك"، و"المرأة بين التقاليد الوافدة والتقاليد الراكدة"، و"السنّة النبوية بين أهل الحديث وأهل الفقه"، و"تراثنا الفكري في ميزان العقل والنقل"، و"كيف نتعامل مع القرآن"، و"المحاور الخمسة للقرآن الكريم"، و"نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم"؛ سيدرك بعمق أنّ كتابات الغزالي تميزت بحس فكري رفيع، ونزوع دائم نحو الخروج من الأطر المغلقة إلى الآفاق المفتوحة. لقد كان الرجل صوتاً مدوياً يدعو إلى التجديد وضرورة استيعاب الرأي الآخر، وكأنّه قد ضاق ذرعاً بالقديم المتحجر، فحاول الخروج منه بذكاء الفقيه وحكمة المصلح، دون أن يقع في فخ القطيعة مع التراث أو الحط من شأن الثوابت.
هذه الدعوة جعلت من فهم الإسلام نظاماً معرفياً منفتحاً، لا يراهن على القوالب التنظيمية الضيقة التي اختزل فيها الإسلاميون فهمهم للدين، وبسطوا من خلالها نموذجاً للتدين يتصف بالانسداد والتشدد، حاصراً التدين في أضيق الزوايا الممكنة. لقد وصلت الحالة ببعض التنظيمات الإسلامية إلى درجة من السطحية جعلت التمايز بين الأفراد لا يقوم على الفكر أو الأخلاق أو العطاء، بل على شكليات محضة مثل نوع اللباس أو شكل اللحية، أو الغرق في فتاوى جزئية وفرعية لا تمسّ جوهر الرسالة السماوية.
رأى الغزالي أنّ هذه القضايا قزمت الإسلام واختزلته في القشور، وهو اتجاه تعاظم أثره لدى ذوي النزعة السلفية المتشددة الذين حولوا الدين إلى طقوس اجتماعية جامدة. لقد ضاق الغزالي ذرعاً بهذا الفهم المسطح الذي يقتل روح النص ويُغيّب مقاصد الشريعة، فحذّر منه في كل مناسبة، داعياً إلى استعادة جوهر الإسلام الذي يحرر العقل وينفتح على العلم والمدنية، بدلاً من الانغلاق داخل قوالب لم تعد قادرة على محاورة العصر أو تقديم حلول لمشكلاته المعقدة.
استشعر محمد الغزالي روح الانفتاح من خلال إدراكٍ عميق للفجوة بين عالمية الرسالة التي يخاطب بها القرآن الإنسان ككل، وبين محلية الفهم التي سجن فيها العقل المسلم نفسه داخل جزر منعزلة؛ فدفعه حسه النقدي للمقارنة بين واقع الأمة المتراجع والتقدم الحضاري العالمي، معتبراً أنّ الكثير من القيم الإنسانية المعاصرة هي في جوهرها مبادئ إسلامية ضائعة. وقد تجلى هذا الانفتاح في قدرته الفائقة على التمييز بين الدين المعصوم والتراث البشري، محطماً بذلك أغلال "التقاليد الراكدة" التي أُلبِست ثوب القداسة، ومدعوماً بمزيج فريد بين النزعة العقلانية والروحانية المهذبة التي ترى في الدين حريةً لا قيداً. وبذلك كان انفتاحه صرخة احتجاج ضد الانشغال بالقشور والشكلانيات على حساب القضايا الكبرى كالحرية والعدالة والعلم، إيماناً منه بأنّ الله الذي خلق هذا الكون الواسع لا يمكن أن يُعبد بعقول ضيقة تغلق على نفسها النوافذ أمام حركة التاريخ.
لقد بذل الغزالي جهداً كبيراً في أواخر حياته، حيث ركز اهتمامه على فهم القرآن فهماً يستحضر ما هو كوني وعالمي، ويخرج من دوائر الروايات والآثار الجزئية والفهم الفقهي الضيق. ومن أجل تحقيق هذه الغاية خصص للقرآن مؤلفات ذات طابع منهجي، جئنا على ذكرها، من قبيل: "كيف نتعامل مع القرآن"، والمحاور الخمسة للقرآن الكريم"، و"نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم. هذه الثلاثية التي ذكرتها تمثل "انقلاباً منهجياً" في مسيرة الغزالي؛ فكتاب "نحو تفسير موضوعي" لم يكن مجرد تفسير، بل كان محاولة لإثبات أنّ السورة وحدة واحدة لها "شخصية" وهدف كوني، وهو ما يكسر النظرة التجزيئية التي غرق فيها التفسير التقليدي أحياناً.
بين ثورة الوعي وتقنين الفقه: التحول من الغزالي إلى القرضاوي
بينما كان الشيخ محمد الغزالي يكتب بلغة المفكر الثائر الذي يصبو إلى تغيير الوعي وكسر الأصنام الذهنية، انشغل يوسف القرضاوي بمشروع تقنين الشريعة؛ فاستغرق في التفاصيل الفقهية الدقيقة، كما يتجلى في موسوعاته مثل "فقه الزكاة" و"فقه الجهاد". هذا الإغراق في الجزئيات أعاد العقل المسلم إلى دائرة "الحلال والحرام" الضيقة، وهو المأزق الذي استمات الغزالي لتجاوزه؛ وبتركيز القرضاوي على الأحكام الإجرائية، أعاد إحياء النزعة الشكلية التي كان الغزالي يخشاها، وإن كان قد غلفها بصبغة تيسيرية ظاهرة.
وعلى نقيض الغزالي الذي ظل يغرد خارج السرب ومنتقداً لاذعاً للانحرافات الحركية، تبنّى القرضاوي دور فقيه الحركة ومرجعها الأول بشكل مباشر أو غير مباشر، فصار ارتباطه التنظيمي يفرض عليه مراعاة مصلحة الجماعة في فتاواه ومواقفه بوعي وبدونه. هذا الارتهان أدى إلى نوع من الانغلاق السياسي والفكري، فقد باتت اجتهاداته محكومة بأسقف تنظيمية لا يمكن تخطيها، وهو ما يناقض تماماً حالة الانفتاح المطلق التي ميزت تجربة الغزالي.
وفي هذا السياق، يرى نقاد القرضاوي أنّ شعاره "التيسير في الفتوى" ظل يدور في فلك الترقيع الفقهي؛ فهو ييسر في بعض الجزئيات، كفتاوى البنوك أو الأقليات، لكنّه لم يغير في البنية الفكرية الكليّة؛ فبينما كان الغزالي يطالب بثورة شاملة في الفهم، اكتفى القرضاوي بتقديم تسهيلات فقهية حافظت على جوهر النموذج التقليدي، ممّا جعل خطابه يبدو شكلياً في جوهره، وإن اتّسم بالعصرية في ظاهره.
ورغم حديث القرضاوي المستمر عن "فقه المقاصد"، إلا أنّه ظل في ممارسته العلمية أسيراً للمنهج الأثري والارتباط بالنص الجزئي. وقد غلب عليه في معاركه المتأخرة الجانب السجالي ضد المذاهب الأخرى، مستخدماً الأدوات نفسها التي انتقدها الغزالي لدى "أهل الحديث" و"أهل الفقه" لإثبات شرعية مواقفه؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع الحس الفلسفي والجمالي الذي كان يطبع مدرسة الغزالي.
وفي سنوات القرضاوي الأخيرة تضخمت لديه الصبغة الإيديولوجية والسياسية في نتاجه، فصار خطابه تعبوياً يخدم معارك سياسية محددة، ليبلغ "تسييس الدين" ذروته في قالب "نحن والآخر"، في وقت كان فيه الغزالي ينشد إسلاماً إنسانياً عالمياً يخاطب الفطرة البشرية قبل أن يتوجه إلى الكادر التنظيمي.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)