مفهوم الذهنية ما بين الصيغة الوصفية والتأويلية: الراهن والحدث

مفهوم الذهنية ما بين الصيغة الوصفية والتأويلية: الراهن والحدث

مفهوم الذهنية ما بين الصيغة الوصفية والتأويلية: الراهن والحدث


13/01/2026

 

يمكن القول إنّ كتاب "ما الذهنية؟" للدكتور خالد كموني الصادر عن بيت الحكمة بالفجيرة عام 2023 يشير إلى مجهود رصين للحفر اللغوي التاريخي والفلسفي بهدف التأصيل لمفهوم الذهنية نحو التهيّؤ لبلورة نمط تأويلي في فهم التعايش بناء على اختلاف الذهنيات.

ما الذهنية؟

  الكتاب يتألف من (3) فصول؛ كل فصل يتضمن محورين إلى ثلاثة، قدّمت بشكل تدريجي ينتقل بنا من التحديد الدلالي والاصطلاحي لمفهوم الذهنية إلى التصور الفلسفي المؤسس للواقع الأنثروبولوجي منتهياً بالسقف التأملي الذي يؤطر رؤيتنا للعالم، كأننا أمام خطاطة لرسم مسار محتوى وزمن مفهوم يشخص بشكل ما أو يترجم الرؤية العامة للعالم، هذه الرؤية التي لا تخضع للنمذجة أو لنمط من التكرار بقدر ما تؤكد على الاختلاف كميزة ما بعد حداثية؛ فالفصل الأول تناول مفهوم الذهنية في إطار محاولة وضع حدّ تعريفي يحصر المعنى المؤسس للتناول الذي اختصّ به الفصل الثاني والفصل الثالث، في حين تضمن الفصل الثاني تيمة "الذهنية واسطة التحول"؛ حيث  استحضرت التجربة الزمنية في تشكيل وإعادة بلورة الذهنية، من خلالها تم إعلاء الحاضر أو الراهن بشكل يعمل على إعادة توظيف أو استثمار الخزين الثقافي في ثنايا حاضر يفرض التأقلم مع آليات التعاطي معه، وهو ما يولد رؤية للمستقبل توافق هذا التزاوج بين التعاطي مع الراهن والخزين الثقافي؛ وهو ما بين تراكميته أو تطعيمه أو تجديده بما يوافق الحدثي في الراهن. فالحدث هنا بوابة لاستيعاب التجارب التاريخية للمجتمعات، هو إحالة على إحداث عتبة تاريخية في المسار الزمني لجماعة معينة، ومن هنا فالزمن مكوّن أساسي في وعي الذهنية بذاتها، ممّا يجعل المفهمة التاريخية مسألة خاضعة لخطاب المعيش وتفاعلاته البشرية، وقد يكون هذا مبرراً لأن تكون الرؤى الذهنية قد تكونت في الدراسات التاريخية التي تتقاطع بشكل بارز مع الأثنولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع. وتجدر الإشارة إلى أنّ الذهنية لا تستوي في نموذج جاهز ووحيد، إذ لا يمكن رسم خط أو حدود فاصلة بين نماذج تاريخية للذهنية، رغم وجود هذا النوع من التمييز بين الذهنية القديمة والبدائية وما بعد الحداثية، لأنّ هذا النوع من الرصد التاريخي يخلق نموذجاً يغطي على الاختلاف، في حين أنّ منشود الراهن هو الإعلاء من الاختلاف الثقافي المؤسس للهوية الذهنية، ما دام أنّ كل ثقافة تعبّر عن سياقها الزمني والمعرفي. 

التأصيل التاريخي لمفهوم الذهنية 

 تجدر الإشارة إلى وجود عدة مفهومية مهمة تضمنها بشكل مكثف الفصل الثالث "الذهنية والفلسفة"، عبرت عن ثنايا التوجه العام للكتاب؛ مثل الفلسفة والإيديولوجيا والإيقونولوجيا، الفكرة والصورة، الطبيعي والمصطنع، الحرية والهيمنة، الذهني والمعيش، الثقافة والذهن، الثقافة ورؤية العالم، الأنطولوجيا والفينومنولوجيا، المعرفي والواقعي، الذهنية والتجربة التاريخية، المعرفي والأنطولوجي، كأننا أمام تأصيل لمبحث التاريخ المفهومي الذي يحاول أن يضع بنية تأسيسية تترجم أو تبرر اتخاذ مفهوم الذهنية كجامع لمسار بحثي لمجموعة من المفكرين، فمفهوم الذهنية هو عقلية تشخيص نمط ثقافي وزمني يتقلب بتقلب الكوني والمحلي دون أن ينفلت عن الخزين الثقافي الذاتي. كأننا أمام إنزال فلسفة الروح إلى أرض الفعل المحايث والمنبثق عن الوجود البشري في هذا العالم؛ فإن كانت الفلسفة الهيجيلية تتجلى عبر المطلق، فإنّ الإبداع المعرفي -في ثنايا الكتاب- يتجلى عبر محايثة الحدث المتولد عن جدلية تفاعلية لا تنقطع ما بين الذهن والواقع، والعكس ممكن أيضاً، غير أنّ الفعل هنا هو فعل آنيّ راهنيّ هنا والآن، ممّا يذكرنا بوجودية "هيدجر".

قد يكون من المفيد هنا القول إنّ محاولة الدكتور خالد الكموني تتوافق، بمعنى ما، مع الجهود التي قدّمها الفيلسوف والمؤرخ الألماني "راينهارت كوزيليك" في إحداث معجم تاريخي يضم أهم المفاهيم التي ترسم ذهنية التجارب التاريخية التي تعكسها المفاهيم بما هي حاملة للعتبات التاريخية والآفاق الانتظارية، لأنّ التجارب التاريخية لا ترسمها الأحداث فقط، بل تتجذر في ثنايا أنماط اللغة المفهومية التي نعبّر بها عن تجاربنا الزمنية، فالوعي الزمني يلبس عدة مفهومية تترجم أنماط فهمنا وتأويلنا لما نحن عليه وما نأمله مستقبلاً. 

الذهن: محايثة المعرفي والزمني

في الحقيقة الرحلة التي يقدمها الكتاب رغم قصرها إلا أنّها غنية ومكثفة وتشتبك مع العديد من الأطروحات؛ ورغم أنّ صاحب الكتاب يؤسس لمفهوم الذهنية عبر رصد تاريخي للمفهوم، إلا أنّ هذا الرصد يبرز حضور عمق فلسفي يتغذى على عدة حقول تتوج بالتناول الفلسفي المركب. مفاده أن تشكُّل الذهن هو تشكُّلٌ بشَريٌّ محض، لذا فإنّ محتوى الذهن هو المعارف الإنسانية المقدور عليها، التي تدخل بالضرورة ضمن الممكن والمتاح. فمهمة العقل تكمن في مَلء الزمان بالفعل المعرفي، وهو قوة الذهن المكتسَبة بالعيش، الذي يسير وفق جدلية مركبة ومتجددة تراعي أنماط الزمن وحيثيات التجربة المعيشية، وهو ما يجعل المفهوم يعكس نمطية تفاعلية بين الفعل المعرفي والمعيش المؤطر بالبُعد الزمني.

أهمّ ما يمكن استخلاصه في هذا الباب 

- الكتاب يُعبّر عن فسحة للمفهمة اللغوية، بشكل جميل ولافت، أو لنقل الكتاب هو بوابة لمصافحة ذهنية مؤلفه؛ فالدكتور خالد الكموني يعبّر عن انتماء لغوي مثقل بالمعنى، حيث اللغة لا تنفك عن التذكير بالفكر، والعكس صحيح أيضاً، لتشكّل توالف الذهن والراهن بشرطه الوجودي في رسمة لغوية وعملية حفرية لافتة وممتعة. 

- إنّ المسار الضمني للكتاب ينقلنا بسلاسة بنائية من مفهوم الذهنية مروراً بآليّة الوصل ما بين الراهن والحدث، ورصداً لمؤرخي الذهنية ضمن تطور مدرسة الحوليات الفرنسية، ممّا سمح لنا ببلوغ استنتاج مفاده ارتباط الذهنية بحدث راهن؛ تشخيص الراهن بما هو حدثية الحضور انطلاقاً من نمط ذهني يتوافق ويترجم أنّ أساس الوعي بالسياق الاجتماعي والسياسي للإنسان هو من يبني الحدث التاريخي، كأننا أمام وجهين لعملة واحدة، الحدثي والذهني.  

- الكتاب يسائل تجربة مفهومية لممارسة تفكرية تُعبّر عن نمط من الذهنية، هذا النمط لا يرتبط بما ينبغي أن يكون أو ما هو مأمول بما هو كائن، إنّها تجربة وجودية لنمط معيش حي، ومن هنا أهميته وميزته. فالخزين الثقافي يكتسب أهمية هنا، والانفتاح على الخزين الثقافي للآخر أيضاً مهم؛ وهو ما قد يكون مفيداً للرفع من أهمية هويتنا وتفاعلنا مع الآخر المختلف، حيث يحضر البُعد الكوني والمحلي في تشكيل الرؤى الذهنية. ما دام أنّ الكتاب لا يشتبك مع الذهنية المحلية بشروطها الوجودية، بل إنّ تشكّل هذه الذهنية هو انعكاس للعالم، وهو ما يضعنا أمام الاختلاف كأرضية للتثاقف المعرفي والثقافي في بُعده المحلي والكوني.

خاتمة:

عبّر الكتاب عن زخم لغوي ومفهومي مكثف، ممّا أثار بالمقابل كثافة من الإشكالات المتولدة عن هذا الزخم، وهو ما يجعل منه كتاباً واعداً لمزيد من البحث والتقصي حول  مفهوم ما زال غامضاً وضبابياً، خصوصاً أنّ المفهوم متشعب المشارب لتداخل العديد من التخصصات في تحديده.

أنهي القول هنا برصد مجموعة من الإشكالات التي تولدت عن قراءة هذا الكتاب، خلاصتها كالآتي:

- هناك نوع من الرؤية الإيجابية للمسار التاريخي للذهنيات البشرية في علاقتها بالمسار التاريخي "التطور" "التقدم" رغم الإشادة في العديد من المناسبات بالاختلاف الثقافي، إلا أننا هنا أمام استلهام للنمط التاريخي الأنواري ومحاولة للانفلات منه في الآن نفسه، ممّا يمنحنا انطباعاً عن نمط ذهنيتنا المحلية في التعاطي أو الاشتباك مع الذهنية الأنوارية التي اتخذت، بمعنى ما، بُعداً كونياً مفروضاً.  

- إذا كانت الذهنية تعكس، بطريقة ما، التجربة التاريخية للأمّة، وتقلُّبات تكوينها؛ فهل يمكن وصف ذهنيتنا بالذهنية الماضوية التي تُبعثر مسار التاريخ وتلوثه بعملية استرجاعية لا تنفك تُغلّب كفة ما كان وما ينبغي أن يكون عمّا هو حاضر، فما الذي قد تحتاجه الذهنية الدينية لتعي تجربتها الحية المشروطة بالراهن المعيش؟ وهل يسمح لنا هذا بقلب الأمر والقول إنّ الذهنية العربية الراهنية قد وقعت تحت تأثير قوة الحدث الحداثي التقدمي؛ وهو ما وضع خزينها الثقافي ما بين قوسين، وهو ما خلق بالمقابل فجوة ما بين ترتيبات الذهن وإلزامية الواقع في بُعده الراهن؛ وشكّل بذلك ذهنية عرجاء لم تسمح باستكمال مسارنا التاريخي؟  

- صحيح أنّ مفهوم التقدم أعيدت مراجعته أو إخضاعه للنقد، ممّا نزع عنه مرتبة العقيدة التي احتلها لعقود، غير أنّ المنطق الذي أسس للذهنية الأنوارية ما زال ساري المفعول حتى ونحن نعلل الأمر بفشل الغايات أو المأمول الحداثي الذي رسمه مفهوم التقدم مع فلسفات التاريخ، إنّها الذهنية التي ما زالت تتحكم في مجرى السياسات الدولية، فعندما نقدّم ذهنية الأنوار كذهنية متناسقة، أو لنقل معبّرة عن تجربتها الحية مع العقل، العلم، العقلنة، النقد... كنموذج لذهنية حققت الحدث التاريخي الكوني، نطرح بالمقابل استحالة يفرضها المنطق التاريخي نفسه؛ إذ لا يمكن أن نستعيد السياق الزمني وباقي الشروط المؤسسة للحدث التاريخي الذي يمثله الأنوار على سياق مختلف, فهل ما زال بالإمكان الحديث عن  ذهنية عربية مختلفة لا تسير بالضرورة وفق ذهنية أنوارية ورؤيتها للعالم؟  

- ألا يخلق هذا التوصيف للذهنية ازدواجية ما بين الوصف والتأويل، ممّا يفقد المفهوم قدرته المعرفية ويضخّم، بشكل ما، المقاربة المعيارية؟

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية