الإخوان المسلمون في بريطانيا: تهديد أمني أم قضية سياسية؟

الإخوان المسلمون في بريطانيا: تهديد أمني أم قضية سياسية؟

الإخوان المسلمون في بريطانيا: تهديد أمني أم قضية سياسية؟


11/01/2026

تواجه الحكومة البريطانية ضغوطًا متزايدة داخل مجلس اللوردات بهدف اتخاذ موقف حاسم بخصوص حظر جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها على قوائم الإرهاب، في ظل مطالب من نواب محافظين ومستقلين بضرورة التعامل مع الجماعة باعتبارها تهديدًا سياسيًا وأمنيًا، لا مجرد ملف استخباراتي. وخلال جلسة في مجلس اللوردات، قبل أيام، دعا اللورد من حزب المحافظين دين غودسون الحكومة إلى الامتثال للموقف ذاته الذي تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص بدء إجراءات رسمية لتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية. 

واعتبر غودسون أنّ القضية تتجاوز التقييمات الاستخباراتية، وتمسّ الأجندة السياسية والطائفية للجماعة الأم للإسلام السياسي. وتشهد المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة تحولات لافتة في ما يتعلق بالتعاطي مع الإسلاموية، وذلك ضمن مراجعات عديدة تتم في عواصم أوروبية أخرى، بفعل ما ترتب على حرب غزة من متغيرات وظواهر، أهمها صعود تهديدات الإسلاموية وتفشي معاداة السامية، فضلاً عن استجابة حواضن مختلفة للتحريض الذي تروج له قوى الإسلام السياسي بداية من الإخوان مرورًا بالقاعدة حتى داعش، بجانب فصائل ومنظمات ولائية تابعة لـ "الحرس الثوري" الإيراني مع اصطفافهم والتخادم السياسي بينهم مؤخرًا. 

سياقات معقدة

وتأتي هذه التحولات في لندن وبرلين وباريس والنمسا وبلجيكا ضمن سياق متخم بالتعقيدات السياسية والأمنية واتساع نطاقاتها الجيوسياسية من قمة العالم إلى أطرافه، بداية من الصراع في أوكرانيا حتى اندلاع الحرب بين حماس وإسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، الأمر الذي كشف عن تداعيات مختلفة في المجالين السياسي والعام بالعواصم الأوروبية. لهذا  طرحت الحكومة البريطانية في أعقاب حرب غزة تعريفًا جديدًا للتطرف وُصف بأنّه "أكثر صرامة". ويأتي هذا التعريف بعد أن حذّر رئيس الحكومة البريطانية ريتشي سوناك من تصاعد الأعمال والاضطرابات الموسومة بالتطرف في الفترات الأخيرة، بحسب دراسة لمركز (تريندز).

وتشير الدراسة إلى أنّه يمكن اعتبار التعريف المحدَّث باعتباره أولى خطوات مواجهة جماعة الإخوان المسلمين وتطرفها في بريطانيا، وخاصة في ظل تصريحات وزارة التسوية والإسكان والمجتمعات المحلية بأنّه تم تحديث التعريف للرد على "التهديد المتطرف المتزايد منذ هجمات 7 (أكتوبر) الإرهابية في إسرائيل"، مشيرة إلى زيادة في جرائم الكراهية المعادية للسامية والمسلمين المبلغ عنها. وقالت إنّ التعريف الجديد ستستخدمه الإدارات والمسؤولون الحكوميون لمساعدتهم على تحديد الجماعات التي يجب عليهم التعامل معها وتمويلها، وتحديد "المنظمات والأفراد والسلوكيات المتطرفة". لذا يصعب القول إنّ التحرك يمثل تغييرًا في النهج البريطاني تجاه الإخوان. فالواقع يؤكد أنّ حكومة ريشي سوناك تتبنى منهجًا براغماتيًا لضمان مصالحها، خاصة أنّها تواجه أزمة مزدوجة؛ فهي تريد الحفاظ على مبادئها بشأن حماية حرية التعبير والقيم الليبرالية، وفي الوقت نفسه هي تعاني من توظيف الجماعات الإسلامية واليمين المتطرف لهذه القيم في نشر أفكارهما وترجمتها ضد الآخر؛ الأمر الذي صنع واقعًا قابلًا للانفجار في أيّ لحظة.

شبكة عنقودية

وبحسب تقرير لصحيفة (الغارديان) البريطانية، يرتبط تنظيم الإخوان المسلمين بمنظومة مهمة من المصالح تجمعها مظلة سياسية وأمنية واجتماعية، وتشمل عددًا من الجمعيات والمؤسسات والهيئات، وصلت إلى ما يقارب (60) منظمة داخل بريطانيا، وتنامت استثماراتها المباشرة وغير المباشرة. وتشير التقديرات إلى أنّ تنظيم الإخوان المسلمين بات يملك أصولًا مالية بعشرات مليارات الدولارات.

وقال مايكل غوف، وزير المجتمعات البريطاني: إنّه سيتم الإيعاز للمعنيين بقطع كل أشكال الدعم والتمويل الحكومي عن الجماعات التي ستُدرج أسماؤها، بغية التأكد من عدم إكسابها أيّ شرعية وبهدف مكافحة إيديولوجياتها المتطرفة. وفي خطاب موجّه إلى الأمّة في مقر الحكومة البريطانية، وصف سوناك التطرف بأنّه "سمّ للديمقراطية" ويشكل تهديدًا حقيقيًا يدخل البلاد في الفوضى و"حكم الغوغاء"، على حد توصيفه.

ولهذا برزت مناقشات متصاعدة ومتزايدة داخل البرلمان البريطاني، خصوصًا مجلس اللوردات، حول التعامل مع الإسلام السياسي وتنظيماته المختلفة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين. وقد ظهر ذلك على نحو واضح في ضغوط من بعض النواب للبدء في خطوات رسمية لتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية، بالاستناد إلى تجارب دولية مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. وتأتي هذه الضغوط في سياق مراجعة أوسع لسياسات مكافحة التطرف في المملكة المتحدة. لكنّ الحكومة البريطانية تحافظ على موقف حذر، مؤكدة أنّها تبقي كل التهديدات تحت "مراجعة دقيقة" وتعمل مع الشركاء المعنيين لضمان أمن البلاد، بينما تمتنع عن الإدلاء بتعليقات مباشرة حول أيّ تصنيف تنظيمي حتى يتم استكمال التقييم القانوني، وفق الموقع الرسمي لبرلمان المملكة المتحدة. 

وتابع الموقع: "تساءل غودسون في مجلس اللوردات عمّا إذا كانت الحكومة البريطانية قد قيّمت موقف البيت الأبيض الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بشأن تصنيف بعض فروع الإخوان منظمات إرهابية، وما إذا كانت لندن تعتزم أن تتبنّى نهجًا مماثلًا، مشيرًا إلى أنّ دولًا أوروبيةً، من بينها فرنسا وألمانيا، أصدرت تقارير رسمية تحذر من نشاط الجماعة وتأثيرها على النظم الديمقراطية، وفق الموقع الرسمي لبرلمان المملكة المتحدة." 

وكان رئيس الوزراء كير ستارمر قد أكد، الشهر الماضي، أنّ حكومته تضع جماعة الإخوان المسلمين تحت "مراجعة دقيقة للغاية"، في ظل تصاعد الدعوات السياسية والإعلامية لحظرها داخل المملكة المتحدة. وشدد وزير الداخلية هانسون أوف فلينت على أنّ الحكومة تُبقي جميع التهديدات قيد المراجعة المستمرة، وتعمل بالتنسيق مع الشركاء المعنيين لحماية الأمن القومي، موضحًا أنّ تقرير الإدارة الأمريكية ما يزال قيد الدراسة المعمقة، ومن ثمّ تخضع قضية التصنيف القانوني للإخوان على قوائم الإرهاب للمراجعة الدورية، بما يحقق ويضمن المصلحة الوطنية لبريطانيا وبالتنسيق مع شركائها الدوليين.

وثمة تصريحات سابقة لرئيس الوزراء البريطاني تعهد فيها بتوسيع نظام العقوبات البريطاني ليشمل منظمات مرتبطة بحركة "حماس". بدوره، طالب اللورد وولني، المستشار الحكومي السابق لشؤون التطرف، الحكومة بالاعتراف العلني بخطورة جماعة الإخوان والمنظمات المرتبطة بها، محذرًا من محاولاتها المستمرة لتقويض المؤسسات الديمقراطية والسعي إلى استبدالها بنظام إيديولوجي قائم على "الخلافة".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية