علي أفيلال من حلاق إلى كاتب مهاجر بحثا عن الهوية

علي أفيلال من حلاق إلى كاتب مهاجر بحثا عن الهوية

علي أفيلال من حلاق إلى كاتب مهاجر بحثا عن الهوية


05/01/2026

الطيب ولد العروسي

رحل الكاتب والروائي والصديق علي أفيلال بعد صراع مع المرض مساء الجمعة الثاني من يناير 2026، عن عمر 91 سنة، عمل حلاقا وتنقل بين المغرب والجزائر ثم استقر في باريس، نال جوائز عالمية في الحلاقة، وفي بداية ثمانينات القرن الماضي اهتم بالكتابة القصصية ثم الروائية.

ترك أفيلال أكثر من 32 عملا سرديا، تطرق فيها إلى تيمية الهجرة، التي تُعدّ من أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا، لأنها لا تنقل الإنسان من مكان إلى آخر فحسب، بل تعيد تشكيل وعيه بذاته، وبانتمائه، وبعلاقته بالعالم.

وفي السياق المغاربي، تكتسب تجربة الجيل الأول من المهاجرين إلى أوروبا، وخاصة فرنسا، بعدا مأساويا مضاعفا، إذ تتقاطع فيها آثار الاستعمار، وضغوط الحاجة الاقتصادية، وانكسارات الحلم بالعودة. ضمن هذا الأفق، تبرز الكتابة الروائية باعتبارها فضاءً أساسيًا لتفكيك سؤال الهوية المتشظية، ويُعدّ منجز الروائي المغربي علي أفيلال من بين أكثر التجارب تعبيرًا عن هذا التمزق الوجودي.

لم يأتِ أفيلال إلى الرواية من مسار أكاديمي تقليدي، بل من تجربة حياتية قاسية عاشها في الهجرة، حيث اشتغل لعقود طويلة في مهن شاقة، واختبر عن قرب أوضاع المهاجرين النفسية والاجتماعية. هذه الخلفية جعلت من كتابته كتابةً ملتصقة بالواقع، أقرب إلى الشهادة منها إلى التخييل الخالص. فالهوية في رواياته ليست مفهوما نظريا مجردا، بل جرح مفتوح يتجسد في تفاصيل اليومي: في العمل، في الجسد، في العلاقة بالأسرة، وفي الخوف من المستقبل.

تُقدَّم الهجرة في عالم أفيلال باعتبارها تجربة اقتلاع لا تنتهي بانتهاء السفر. فالمهاجر لا يستقر في بلد الاستقبال استقرارًا حقيقيًا، ولا يعود إلى وطنه كما كان. هكذا تتشكل ذات منقسمة بين “هنا” و”هناك”، بين وطن يسكن الذاكرة وواقع يفرض نفسه بالقوة. هذا الانقسام لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يتحول إلى حالة دائمة من القلق واللايقين، حيث يعيش المهاجر في حالة حضور جسدي وغياب رمزي في آن واحد. خاصة في مرحلة التقاعد، التي وصفها أفيلال بالخوف.

يتجلى هذا الوضع بوضوح لدى الجيل الأول من المهاجرين الذين غادروا أوطانهم على أمل العمل المؤقت والعودة السريعة، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين في المنفى لعقود. فالزمن الذي كان يُفترض أن يكون مرحلة عابرة تحوّل إلى مصير، ومعه تحوّل الحلم بالعودة إلى عبء نفسي. أو ربما إلى مشروع لم يكتمل، ومن هنا يصبح السؤال: هل العودة خلاص أم صدمة جديدة؟ هذا السؤال، الذي لا يجد جوابًا حاسمًا، يشكّل أحد محركات السرد عند أفيلال.

لا يمكن فهم هوية المهاجر المتقاعد في روايات أفيلال دون الوقوف عند “الخوف” بوصفه إحساسًا مركزيًا. فالخوف لا يقتصر على الخشية من الفقر أو المرض أو الشيخوخة، بل يتجاوز ذلك إلى الخوف من فقدان المعنى. يخاف المهاجر من العودة إلى وطن لم يعد يعرفه، ويخاف في الوقت نفسه من البقاء في بلد لا يعترف به إلا كقوة عمل مستهلكة.

هذا الخوف يتخذ أشكالًا متعددة: خوف من نظرة المجتمع في بلد الأصل، خوف من الأبناء الذين كبروا بعيدًا عنه، خوف من انكسار صورة الأب المعيل، وخوف من الموت في عزلة. وهكذا تتحول الشيخوخة، بدل أن تكون زمن الراحة، إلى لحظة حساب قاسية، تُستعاد فيها كل سنوات الغياب، ويدرك المهاجر أن الثمن الذي دفعه لم يكن دائمًا معترفًا به.

لا تقل تجربة المرأة المهاجرة مأساوية عن تجربة الرجل، بل قد تكون أكثر تعقيدًا. في روايات أفيلال، تحتل المرأة موقعًا سرديًا متقدمًا، وغالبًا ما تُمنح صوتًا مباشرًا يعبّر عن معاناتها. فالمرأة المهاجرة تعيش تمزقًا مزدوجًا: تمزقًا ناتجًا عن الغربة، وتمزقًا آخر مرتبطا بوضعها الاجتماعي والجندري.

كثيرًا ما تُقدَّم المرأة بوصفها ضحية الحاجة الاقتصادية، والاستغلال، وضغوط الحصول على أوراق الإقامة، فضلًا عن الصراع بين القيم التقليدية ومتطلبات العيش في مجتمع مختلف. ويتحول الجسد في هذا السياق إلى ساحة صراع، يُستغل أحيانًا ويُدان أحيانًا أخرى، بينما تُترك المرأة وحيدة في مواجهة نتائج هذا الاستغلال. ومن خلال اعتماد “أنا” المرأة الساردة، يكسر أفيلال الصمت المفروض على هذه التجارب، ويجعل من البوح أداة مقاومة وكشف.

وتحتل الأسرة موقعًا إشكاليًا في تجربة المهاجر. فهي الدافع الأول للهجرة، لكنها قد تتحول لاحقًا إلى مصدر ألم. فالمهاجر الذي ضحّى بسنوات عمره من أجل إعالة أسرته يكتشف، عند العودة، أن الغياب الطويل خلق مسافة عاطفية يصعب ردمها. الأسرة التي اعتادت حضوره الموسمي قد لا تحتمل حضوره الدائم، فيتحول العائد إلى غريب في بيته.

هنا تتجلى مأساة “العودة المستحيلة”: فالوطن الذي ظل حاضرًا في الذاكرة لم يعد مطابقًا للواقع، والعلاقات التي كان يُفترض أن تمنح الطمأنينة تصبح مشحونة بالتوتر وسوء الفهم. ومن ثم، يجد المهاجر نفسه مدفوعًا إلى اختيار المنفى من جديد، لا حبًا فيه، بل هروبًا من صدمة العودة.

تكمن خصوصية تجربة أفيلال في أن كتابته لا تدّعي تقديم حلول، بل تسعى إلى الشهادة والتوثيق. فالرواية عنده تتحول إلى سجل لذاكرة جماعية، تحفظ أصوات أولئك الذين عاشوا وماتوا في الهامش. إنها كتابة تُعرّي واقع الهجرة، كما تُعرّي تقصير المجتمعات الأصلية في احتضان أبنائها العائدين.

ومن خلال هذا البعد التوثيقي، تتجاوز أعمال أفيلال حدود المتعة الجمالية، لتغدو وثيقة إنسانية تُسهم في فهم أعمق لتعقيدات الهوية في زمن الهجرة. فالسرد هنا ليس ترفًا فنيًا، بل فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لمنح المعاناة معنى رمزيًا.

لا شك في أن سؤال الهوية في روايات علي أفيلال ليس سؤالًا فرديًا، بل هو سؤال جيل كامل عاش بين ضفتين دون أن ينتمي كليًا إلى أي منهما. فالذات المهاجرة، كما تتجلى في هذا المنجز الروائي، ذات متشظية، محكومة بالخوف، ومعلّقة بين حلم العودة وواقع المنفى. ومن خلال تحويل هذه التجربة إلى مادة سردية كثيفة، استطاع أفيلال أن يمنح صوتًا لمن ظلوا طويلًا خارج دائرة الاهتمام، وأن يجعل من الرواية فضاءً لفهم أحد أكثر أسئلة العصر إلحاحًا: كيف نحيا بهوية منقسمة، دون أن نفقد إنسانيتنا؟

تعد أعمال أفيلال صرخات رجل خبير، لأنه عاش في فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود، ومن خلال أعماله نلمس شذرات من السيرة الذاتية لهذه التجربة الإنسانية، التي لم يكتب عنها بصفته منظرا أو عالم اجتماع، بل بصفته مهاجرا عايش ويلات وهموم الهجرة المغاربية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية