من الاندماج إلى التمكين الإيديولوجي... كيف اخترقت شبكات الإخوان منظومات التمويل الأوروبية؟

من الاندماج إلى التمكين الإيديولوجي... كيف اخترقت شبكات الإخوان منظومات التمويل الأوروبية؟

من الاندماج إلى التمكين الإيديولوجي... كيف اخترقت شبكات الإخوان منظومات التمويل الأوروبية؟


29/12/2025

تشهد الساحة الأوروبية في الأعوام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في النقاشات حول شبكات التمويل والعلاقات المؤسسية المرتبطة بجماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية، ولا سيّما ما يتعلق بمشروعات ومنظمات تتلقى دعماً من مؤسسات أوروبية، في مقدمتها الاتحاد الأوروبي. وقد كشف تقرير أوروبي حديث عن حصول كيانات مرتبطة بالجماعة الأم للإسلام السياسي على مخصصات مالية عامة من دول التكتل، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بشأن استغلال بعض الشبكات القريبة من الإخوان لآليات التمويل المدني والسياسي في الغرب تحت عناوين الاندماج ومكافحة التمييز. هذا المسار يؤشر إلى احتمالات توظيف تلك الموارد لتعزيز أجندات إيديولوجية متشددة، من شأنها تقويض القيم الأوروبية، وفي مقدمتها الديمقراطية والمساواة والحريات العامة.

تمويلات مشبوهة

وأوضح تقرير أصدرته مجموعة المحافظين والإصلاح في البرلمان الأوروبي أنّ مجموعات وأطر تنظيمية مرتبطة بجماعة الإخوان في أوروبا قد تلقت تمويلاً كبيراً من مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وبحسب التقرير "تلقت شبكةEuropean Network Against Racism (ENAR) التي تضم عدة منظمات فرعية مبالغ تقدر بنحو (23) مليون يورو من التمويلات الأوروبية في الفترة بين 2007 و2020". ويشير التقرير إلى أنّ ذلك التمويل استُخدم لدعم مشاريع ثقافية واجتماعية تُروج لمفاهيم مثل مناهضة "الإسلاموفوبيا"، وهو يعبّر عن استراتيجية تلفيقية تُستخدم لإعادة تأطير الخطاب عن الإسلام في المجتمعات الأوروبية بما يعزز الوجود المؤسسي للشبكات المرتبطة بالإخوان. 

ومن بين المنظمات التي حصلت على تمويل أوروبي منظمة "إسلاميك ريليف" العالمية التي حظيت بدعم سخي تجاوز (40) مليون يورو منذ عام 2007. ويذكر التقرير اتحاد "يوروبين مسلم يونيون" ومنتدى "فوروم أوف يوروبين مسلم يوث آند ستودنت أورغنايزيشنز" باعتبارها استفادت من مشاريع مدعومة من الاتحاد الأوروبي.

وبمجرد إعلان نشر التقرير الأوروبي عبر منصة التواصل الاجتماعي (إكس)، قال عضو البرلمان الأوروبي السويدي تشارلي فايمرز: إنّ تقريراً جديداً يكشف كيف يتم استغلال أموال الاتحاد الأوروبي لدعم منظمات مرتبطة بتنظيم الإخوان، مشيراً إلى أنّ هذه الجهات "تستخدم الدعم المالي الأوروبي لدفع أجندة انعزالية تقوض القيم الأوروبية مثل الحرية والديمقراطية والمساواة". وسلط التقرير الضوء على استمرار تمويل مرتبط بالاتحاد الأوروبي لمنظمات متهمة بالحفاظ على صلات مع جماعات متطرفة.

وذكر أنّ "إسلاميك ريليف وورلدوايد" ما تزال من أبرز المستفيدين من منح أوروبية ومن دول أعضاء، رغم الجدل المتكرر حول تصريحات معادية للسامية صدرت عن شخصيات قيادية فيها، ومزاعم بوجود صلات مع حركة حماس، وفق (سكاي نيوز).

وتابع: "يرى مدافعون عن نموذج التمويل الحالي أنّه لا توجد أدلة قاطعة على استخدام أموال الاتحاد الأوروبي في أنشطة غير قانونية، ويؤكدون أنّ المنظمات المعنية تؤدي دوراً مهمّاً في تعزيز الإدماج الاجتماعي. إلا أنّ التقرير يردّ بأنّ الإشكالية الأساسية لا تتعلق بالشرعية القانونية بقدر ما تتعلق بمدى توافق هذه الجهات مع القيم الديمقراطية، معتبراً أنّ مؤسسات الاتحاد تطبق معايير أكثر صرامة عند تمويل الشركات الخاصة مقارنة بالمنظمات المدنية ذات النشاط السياسي".

وبحسب البرلماني الأوروبي فايمرز فإنّ "قطع التمويل والشرعية عن هذه المنظمات ليس خياراً سياسياً، بل هو واجب أخلاقي وديمقراطي".

آليات تغلغل الإخوان

وفي أيار (مايو) الماضي نشرت فرنسا تقريراً رسمياً يفضح آليات تغلغل الإخوان الناعم في مؤسسات المجتمع المدني، وبطرق تبدو ظاهرياً شرعية، لكنّها في الواقع تحمل خطابات ورؤى إيديولوجية متشددة وعنيفة لا تمّت بصلة لقيم "الجمهورية". ويشير إلى وجود عدد محدود نسبياً من الأعضاء المنتمين فعلياً إلى جماعة الإخوان في فرنسا (بين 400 و1000 شخص فقط)، لكنّ الخطورة متمثلة في أنشطة مرتبطة بالإخوان في مؤسسات تعليمية ومدارس ومراكز دعوية دينية وثقافية. 

ويعتبر مجلس مسلمي أوروبا هيكلاً تنظيمياً يجمع عدداً من المنظمات المرتبطة بالإخوان، ويعمل على مستوى المؤسسات الأوروبية مثل البرلمان والمجلس الأوروبي، ولهذا يُحذر النائب الأوروبي السويدي تشارلي فايمرز في مقدمة التقرير الذي أصدره من "الانخداع بالمظهر الإصلاحي" لهذه الجماعات الأصولية، معتبراً أنّ تحولها إلى العمل المدني "تكتيك سياسي لا يعكس تغييراً في الأصول الإيديولوجية الراديكالية". وخصص التقرير حيزاً واسعاً لتحليل توظيف مفهوم "الإسلاموفوبيا"، معتبراً أنّه استُخدم كأداة لإسكات الانتقادات الموجهة إلى الإسلام السياسي، وربطها بالعنصرية أو الكراهية الدينية. وقد أسهم هذا الخطاب في منح منظمات مرتبطة بالإخوان شرعية سياسية ومؤسسية، وسهل تحالفها مع تيارات يسارية أوروبية تنشط في قضايا الهوية والتمييز.

ويخلص التقرير إلى وجود ثغرات بنيوية في منظومة الرقابة الأوروبية، حيث ينصب التدقيق أساساً على الجوانب الإدارية والمالية، من دون تقييم المحتوى الإيديولوجي للأنشطة الممولة. ويشير إلى أنّ الخشية من اتهامات "الإسلاموفوبيا" خلقت حالة من التردد داخل المؤسسات الأوروبية، وهو ما حدّ من قدرة المسؤولين على مساءلة منظمات مثيرة للجدل. ومن ثمّ يدعو التقرير إلى تشديد معايير التدقيق، وتعزيز الشفافية، وخفض سقف التساهل والمرونة مع الجهات ذات الصلات الإيديولوجية المتطرفة، مؤكداً أنّ تجاهل هذه القضية "يقوض القيم الديمقراطية الأوروبية على المدى البعيد".

وتمثل الشبكات المالية المرتبطة بجماعة الإخوان في الغرب إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في ملف تمويل التطرف، لأنّها تعمل ضمن هياكل قانونية ظاهرية (جمعيات خيرية تنموية، منظمات مجتمع مدني، مؤسسات تعليمية، مراكز ثقافية دعوية ودينية، مدارس)، بينما تُستخدم فعلياً كـ "قنوات تحويل غير مباشرة لدعم خطاب متطرف أو تغذية حواضن إيديولوجية تمثل بيئة خصبة للتجنيد والتعبئة"، وفق الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي الدكتور سامح مهدي.

ويقول مهدي لـ (حفريات): إنّ الخطر لا يكمن فقط في التمويل المباشر للعمليات الإرهابية وهو ما يصعب إثباته قضائياً في كثير من الحالات، بل في "التمويل البنيوي" طويل الأمد الذي يضمن استدامة التنظيمات الراديكالية عبر "دعم أطر دعوية متشددة، وإنتاج خطاب كراهية مقنّع، وتوفير مظلة اجتماعية وشرعية لتيارات العنف".

ويقول: إنّ نجاح استراتيجية "التمكين الناعم" تكشف عن مفارقات عديدة وتبعث بمخاوف جمّة، حيث "فضلت الجماعة الاستثمار في النفوذ المؤسسي طويل المدى بدلاً من العمل السري والتنظيمي التقليدي، مستفيدة من الحريات القانونية في أوروبا وأمريكا".

ويجري التعامل مع هذه الكيانات باعتبارها "فاعلين مدنيين" من دون تدقيق كافٍ في بنيتها الإيديولوجية أو ارتباطاتها العابرة للحدود، وفق مهدي. وقد تحول الإخوان إلى "عقدة وصل مالية وإيديولوجية بين تيارات الإسلام السياسي المختلفة وتنظيمات جهادية أكثر تطرفاً، بما يجعلها حلقة وسيطة يصعب تجاوزها في إطار منظومة التطرف بامتداداتها الإقليمية والعالمية".

ويضيف مهدي: تكشف التقارير الأوروبية الأخيرة أنّ بعض سياسات الدعم الأوروبية المرتبطة بالناحية المالية والمصممة لتعزيز الاندماج والتعددية "استُغلت من قبل شبكات إسلاموية لتحقيق أجندة سياسية وإيديولوجية حركية، كما برز بعد حرب 7 تشرين الأول (أكتوبر) وصعود الهجمات العنيفة ضد اليهود واستهداف مجتمعاتهم في الغرب بالتزامن مع صعود خطاب "العداء للسامية".   

ويردف: "التقرير لا يتهم الاتحاد الأوروبي بتمويل الإرهاب، لكنّه يؤكد وجود ثغرات بنيوية في آليات الرقابة سمحت بتسلل تنظيمات ذات ارتباطات إخوانية واضحة. هذه التطورات تؤكد أنّ تجفيف منابع التطرف بحاجة لمراجعة أنظمة عديدة في أوروبا قانونية وتشريعية وسياسية وإعلامية".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية