حصاد حركة النهضة في 2025: عزلة شعبية متفاقمة وأفول وهم العودة إلى المجال العام

حصاد حركة النهضة في 2025: عزلة شعبية متفاقمة وأفول وهم العودة إلى المجال العام

حصاد حركة النهضة في 2025: عزلة شعبية متفاقمة وأفول وهم العودة إلى المجال العام


21/12/2025

مرة أخرى عرفت حركة النهضة خلال العام الجاري نكوصًا سياسيًا مستدامًا، عكس بصورة واضحة عمق أزمتها وعجزها عن إعادة التموضع داخل الشارع أو في المشهد السياسي التونسي عمومًا. ويعزو خبراء استمرار هذا التراجع خلال سنة 2025 إلى ما تواجهه الحركة من رفض شعبي متزايد داخل الشارع التونسي، لم يعد مقتصرًا على فئات محددة، بل شمل شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك أطراف كانت تُصنَّف سابقًا ضمن دائرة التعاطف أو القاعدة الانتخابية للحركة.

فقد بدا حضور النهضة باهتًا ومحدودًا، عاجزًا عن التواصل مع المواطنين أو تضييق منسوب  النفور الذي تراكم واحتشد طويلًا؛ نتيجة تجربة العشرية السوداء  في الحكم وظلها الثقيل اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

النهضة في نظر الشارع التونسي: امتداد لأزمة الماضي وعائق أمام أيّ أفق سياسي جديد

ورغم محاولات حركة النهضة خلال الفترة الأخيرة البحث عن موطئ قدم جديد  في الحياة العامة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر حركات رديفة مثل "جبهة الخلاص"، أو من خلال نشاط رقمي في الفضاء الإلكتروني، فإنّ هذه المحاولات  قوبلت بعزوف كاشف ورفض شعبي لافت، عكس نضجًا كبيرًا صوب خطيئة حركات الإسلام السياسي وانفصالها عن حقيقة الواقع ومدركاته.

إذاً، المشهد العام في تونس يوضح أنّ المواطن ما يزال يرى حركة النهضة بوصفها جزءًا رئيسًا من أزمة الماضي وتداعياتها السلبية، الأمر الذي يصعب معه تقبّلها كفاعل سياسي أو كقوة قادرة على الإسهام في صياغة أفق سياسي جديد، أو لعب دور إيجابي في الأفق المنظور.

الزرمديني: حركة النهضة تعيش عزلة شعبية عميقة ومحاولات عودتها في 2025 فاشلة

في هذا الإطار، يذهب الخبير الأمني علي الزرمديني إلى أنّ حركة النهضة، وكما هو معلوم لدى المتابعين للشأن العام، تعيش انتكاسة سياسية عميقة وعلى مختلف المستويات داخل المجتمع التونسي.

في حديثه لـ (حفريات) لفت الزرمديني الانتباه إلى أنّ المجتمع التونسي عبّر عن رفضه القاطع للإسلام السياسي، وذلك استنادًا إلى تجربة مريرة عاشها خلال فترة حكم حركة النهضة، وهي تجربة ما تزال مخلفاتها وخلفياتها الاجتماعية والاقتصادية حاضرة في الذاكرة الجماعية، ولا يمكن إنكار آثارها السلبية على مختلف مناحي الحياة.

وأوضح العميد السابق بالحرس الوطني التونسي أنّ العامل الاجتماعي والاقتصادي يُعدّ الفعل الرئيسي والمحدِّد الأساسي لتوجهات الشارع وخياراته الشعبية، مشددًا على أنّ هذا الجانب يلعب دورًا حاسمًا في ضبط المزاج العام. غير أنّ حركة النهضة فشلت فشلًا ذريعًا في الاستجابة لهذه المتطلبات، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، وهو ما زاد من عمق فشلها السياسي، وأدى بالتالي إلى اتساع رقعة الرفض الشعبي لها.

وشدّد الزرمديني على أنّ فترة حكم حركة النهضة كانت من أكثر الفترات قسوة على الشعب التونسي، إذ أثّرت تأثيرًا مباشرًا في مكوّنات المجتمع وتركيبته، وفي فلسفته وعقيدته المجتمعية التي تشكّلت منذ الاستقلال. فقد كان المجتمع التونسي، تاريخيًا، مجتمعًا مسالمًا، توّاقًا إلى الحرّية، ينظر إلى الحياة بزهو وتفاؤل، غير أنّ سياسات النهضة ـ بحسب تعبيره ـ ضيّقت عليه الخناق على مختلف المستويات، وجلبت له صعوبات متراكمة ومتاعب متشعبة، وهو ما جعله ينبذ هذه الحركة، والإسلام السياسي عمومًا، نبذًا مطلقًا لا رجعة فيه.

وأشار في السياق ذاته إلى أنّ حركة النهضة ظلّت تدور في فلكها الضيق، مكتفية بالعناصر التي تنتمي إليها انتماءً إيديولوجيًا وتنظيميًا، بعد أن فقدت كامل التعاطف الشعبي الذي حظيت به إبّان الانتفاضة الشعبية سنة 2011.

إخفاق ميداني وتحركات رقمية بلا تأثير

أمّا في سنة 2025، فقد عادت حركة النهضة إلى محاولات كسب الرأي العام والتواجد في المشهد السياسي والشارع، إلا أنّ هذه المحاولات ـ من خلال المسيرات التي نظّمتها ما يُعرف بجبهة الخلاص، التي تُعدّ في جوهرها واجهة سياسية للنهضة ـ كشفت عن ضعف كبير وعجز واضح عن حشد أيّ تجمع شعبي واسع أو ذي دلالة.

غير أنّ ذلك، كما يؤكد الزرمديني، لم يمنع حركة النهضة من مواصلة محاولاتها للتأثير في الشارع بوسائل مختلفة وملتوية، وهي الأساليب التي تعتمدها عادة الجماعات الإخوانية، ولا سيّما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال ما يُعرف بـ "الذباب الإلكتروني"، وذلك عبر بثّ الإشاعات ومحاولات استقطاب الأنصار، والتأقلم مع بعض الأطراف السياسية التي كانت ترفضها سابقًا، مع الإشارة خصوصًا إلى محاولات التقاطع غير المعلنة مع أطراف كانت معروفة بعدائها الصريح للإسلام السياسي.

ولفت علي الزرمديني الانتباه إلى أنّ حركة النهضة عملت خلال سنة 2025 على العودة إلى شكل من أشكال العمل شبه السرّي، معتمدة أساسًا على الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي كبديل عن الحضور الميداني الذي عجزت عن تحقيقه.

من السرّية والسجون إلى الحكم الفاشل: مسار متقلّب لحركة النهضة 

وخلاصة القول، فإنّ سنة 2025، شأنها شأن السنوات التي سبقتها منذ إزاحة حركة النهضة عن الحكم، لم تشهد أيّ نشاط سياسي نوعي أو مؤثر للحركة. فقد بقي حضورها باهتًا سياسيًا، ولم يتجاوز بعض المحاولات الفاشلة للعودة إلى المشهد العام، دون تحقيق أيّ نتائج تُذكر أو تأثير فعلي في موازين القوى أو في وجدان الشارع التونسي."

وربما يطرح الشارع السياسي في تونس سؤالًا مهمًا ومركزيًا حول مآلات حركة النهضة، في ظلّ جملة الاتهامات التي تواجهها، ووجود أغلب قياداتها قيد التوقيف القانوني داخل السجون، سواء على خلفية عقوبات صادرة أو في انتظار أحكام قضائية ثقيلة، وهو ما يدفع المواطن التونسي إلى الاشتباك مع سيناريو حلّ الحركة في الأفق المنظور.

وفي هذا السياق، تبدو خيارات حركة النهضة كأنّها تراوح في حالة من الفراغ؛ الأمر الذي يدفعها إلى محاولة العمل على تخوم الواقع المعيشي والاقتصادي للمواطنين، واستثمار الأحداث بغية البقاء في المشهد العام بأيّ صورة كانت.

من جانبه، لفت مصطفى عبد الكبير، مدير المرصد الوطني لحقوق الإنسان في تونس، إلى أنّ حركة النهضة، بوصفها حزبًا سياسيًا، عُرفت بتاريخ متقلب وغير مستقر، حيث قضت الحركة جزءًا كبيرًا من مسيرتها في العمل السرّي، وبين السجون، وتحت وطأة الملاحقات الدولية، إلى حين اندلاع أحداث 14 كانون الثاني (يناير) 2011.

وأوضح عبد الكبير في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ تلك الثورة أفرزت وصول الحركة إلى الحكم، ومكّنتها من تسوية مجمل أوضاعها القضائية والسياسية، والدخول في ما سُمّي بمصالحة مع الشعب التونسي، عبر توافق اعتُبر مغشوشًا ضمن حكومة الترويكا، ثم لاحقًا من خلال تحالفها مع نداء تونس. غير أنّ هذا التوافق سقط بسقوط النظام السياسي القائم آنذاك، خاصة بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.

من البرلمان إلى العزلة: كيف فقدت حركة النهضة قواعدها

شدّد عبد الكبير على أنّ انتخابات سنة 2019 مثّلت محطة مفصلية، حيث صعد رئيس حركة النهضة إلى رئاسة البرلمان التونسي، قبل أن يتم إغلاق البرلمان بقرار 25 تموز (يوليو)، في إطار تفعيل الفصل ((80 من الدستور، وهو القرار الذي أنهى عمل البرلمان والحكومة المنبثقة عنه.

وأضاف أنّ البلاد دخلت إثر ذلك مرحلة الحكم بالمراسيم، وكان أبرزها المرسوم (54)، الذي اعتبره وبالًا على الجميع، وخاصة على الأحزاب المعارضة لمسار 25 تموز (يوليو). ونتيجة لذلك أصبحت حركة النهضة محلّ ملاحقة سياسية وقضائية، وتمّ إيقاف نشاطها، لتدخل في قطيعة شبه تامة مع قواعدها ومناصريها.

عبد الكبير: حركة النهضة اليوم حركة مشلولة

واستنتج عبد الكبير أنّ حركة النهضة اليوم باتت حركة سياسية مشلولة، وغير قادرة على تضميد جراحها، في ظل وجود أغلب قياداتها في السجون، أو مطاردة في المهجر، الأمر الذي حال دون قدرتها على القيام بأيّ نشاط سياسي منفرد، ودفعها إلى الاحتماء ضمن ائتلافات سياسية متعددة الأطراف.

وأشار إلى أنّ الحركة حاولت، عقب إغلاق البرلمان وحلّ الحكومة، تنظيم تحركات ميدانية وجهوية ومحلية في مختلف أنحاء الجمهورية، إلا أنّ قياداتها تفاجأت بعزوف الأنصار عن التفاعل، بل أكثر من ذلك، فشلت محاولاتها لتنظيم مسيرات احتجاجية إثر إيقاف عدد من قياداتها، وهو ما جعلها تُدرك أنّها فقدت قاعدتها الشعبية وأصبحت حركة معزولة سياسيًا.

وخلص إلى أنّ هذا الوضع دفع حركة النهضة إلى الارتماء في أحضان تنظيمات سياسية أخرى معارضة للرئيس قيس سعيّد، بعد أن اكتشفت أنّها لا تملك فعليًا أنصارًا حقيقيين، وأنّ جزءًا كبيرًا من خزانها الانتخابي كان في الأصل من أنصار التجمع الدستوري المنحل بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي.

واختتم عبد الكبير تصريحاته لـ (حفريات) بالتأكيد على أنّ الانتقادات الواسعة من الشعب التونسي لمسار حكم حركة النهضة، وفشلها في إدارة المرحلة الانتقالية، كانت من أبرز الأسباب التي عمّقت عزلتها السياسية، وكرّست تراجعها الحاد في المشهد العام التونسي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية