كيف تتأثر الدول الأوروبية بقرار ترامب المحتمل بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية؟

كيف تتأثر الدول الأوروبية بقرار ترامب المحتمل بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية؟

كيف تتأثر الدول الأوروبية بقرار ترامب المحتمل بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية؟


26/11/2025

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه إعادة النظر في وضع تنظيم الإخوان المسلمين، وتصنيفه المحتمل كتنظيم إرهابي، نقاشاً واسعاً في العواصم الأوروبية التي تشهد أيضاً تصعيداً غير مسبوق ضد تنظيمات الإسلام السياسي، وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين التي لطالما استغلت الدول الأوروبية كملاذات آمنة لنشاطها. 

وتبنّت أوروبا لسنوات طويلة مقاربة تقوم على مراقبة شبكات الإسلام السياسي دون حظرها، والتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها "تياراً دينياً سياسياً" له حضور اجتماعي وتنظيمي داخل الجاليات المسلمة، بدأت تدرك مخاطره خلال السنوات الماضية، وتحديداً خلال العقد الأخير. 

من هنا، فإنّ التحرك الأمريكي المرتقب قد يدفع أوروبا إلى إعادة تقييم مقاربتها تجاه الجماعة، سواء فيما يتعلق بالبنية التنظيمية للإخوان داخل القارة، أو بقضايا الاندماج المجتمعي، أو بالسياسات الأمنية المرتبطة بالتطرف غير العنيف. ومع تصاعد النقاش داخل أجهزة الأمن والبرلمانات الأوروبية حول دور الإسلام السياسي في تشكيل "بيئات موازية" داخل المدن الغربية، فإنّ خطوة من هذا النوع من جانب واشنطن قد تتحول إلى عامل ضغط إضافي، يعيد وضع الإخوان تحت المجهر الأوروبي لكن ضمن السياق الأمني الخاص بكل دولة.

المشهد الأوروبي الراهن: الإخوان تحت الرقابة وليس الحظر

رغم أنّ معظم الدول الأوروبية لم تصنف الإخوان كتنظيم إرهابي، فإنّ السنوات الأخيرة شهدت تطوراً لافتاً في الموقف الأمني تجاه الجماعة. ففي ألمانيا، خضع تنظيم الإخوان لرقابة مكثفة من هيئة حماية الدستور، التي ترى في التنظيم "تهديداً للنظام الديمقراطي" عبر خلق مجتمع موازٍ داخل المدن الألمانية. وفي فرنسا، جاء "قانون الانفصالية" ليضيّق الخناق على الجمعيات والمراكز المحسوبة على الجماعة، بعد سلسلة تقارير أمنية تحدثت عن استغلال الإخوان للفراغ الدعوي والمؤسسي داخل الضواحي. 

أمّا النمسا، فقد اتخذت خطوات أكثر حدة عبر "خريطة الإسلام السياسي" التي صنّفت عشرات الجمعيات باعتبارها واجهات إخوانية.

هذا السياق يكشف أنّ أوروبا ليست بعيدة عن فكرة التشدد تجاه الإخوان، لكنّه تشدد قائم على تصنيفات سياسية وقانونية مختلفة عن تلك التي تعتمدها الولايات المتحدة. ومن ثمّ، فإنّ قراراً أمريكياً بتصنيف الإخوان إرهابيين سيهبط على بيئة أوروبية تشهد أصلاً تحولات في موقفها من الجماعة، وهو ما يمنح الخطوة قيمة مضاعفة في التأثير على السياسات الداخلية للقارة.

تحريك الموقف الأمني الأوروبي: بين التوازنات الداخلية والضغوط الخارجية

تُعدّ القرارات الأمريكية المتعلقة بالإرهاب ذات تأثير واسع على الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً في ظل عمق الشراكة الاستخباراتية بين الجانبين. وإذا اتخذ ترامب قراراً بتصنيف الإخوان، فإنّ الأجهزة الأمنية الأوروبية ستكون مضطرة لإعادة تقييم تعاملها مع الكيانات والشخصيات المرتبطة بالتنظيم. فالتعاون الأمني عبر الأطلسي يقوم على تبادل المعلومات حول الجماعات المصنفة إرهابية، وتصنيف أمريكي من هذا النوع سيجعل الإخوان جزءاً من هذا الإطار.

ورغم أنّ أوروبا لن تتبنّى تلقائياً القرار الأمريكي، فإنّ بعض الدول قد ترى فيه فرصة لإعادة ضبط سياساتها. ففي ألمانيا، يمكن لوزارة الداخلية الاستفادة من هذا التصنيف لتقوية موقفها تجاه الجمعيات المرتبطة بـ "التجمع الإسلامي في ألمانيا" المحسوب على الإخوان. أمّا فرنسا، التي تخوض معركة مفتوحة ضد "الانفصالية الإسلامية"، فستجد في الخطوة الأمريكية دعماً سياسياً لتحركاتها. وستستغل النمسا القرار لتعزيز موقفها القانوني ضد شبكات الإسلام السياسي التي وضعتها مسبقاً في دائرة الاتهام.

بهذا المعنى سيكون قرار ترامب عاملاً يُسرّع عملية كانت تتحرك أصلاً داخل أوروبا، وليس نقطة انطلاق جديدة.

التداعيات القانونية على الجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا

إذا ذهبت واشنطن نحو تصنيف رسمي، فستدخل الجمعيات والمراكز المحسوبة على الإخوان في أوروبا مرحلة قانونية جديدة. فالعديد من هذه الكيانات تعتمد في تمويلها على تحويلات مصرفية تمرّ عبر النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار، ممّا يضعها تلقائيًا تحت تأثير العقوبات الأمريكية المحتملة.

وقد تواجه المؤسسات الإسلامية في أوروبا تحديات حقيقية في الحفاظ على تراخيصها وأوضاعها القانونية. 

فالتصنيف الأمريكي، حتى وإن لم تتبنّاه أوروبا رسميّاً، سيخلق ضغطاً سياسياً ومالياً يدفع الدول الأوروبية إلى مراجعة مصادر تمويل هذه الجمعيات. وسيؤدي إلى تشديد الرقابة على الأنشطة التعليمية والدعوية التي لطالما وُجّهت إليها انتقادات تتعلق بنشر خطاب موازٍ لقيم الاندماج الأوروبي.

إلى جانب ذلك، ستصبح الحكومات الأوروبية أقلّ استعداداً لتقديم الدعم المؤسسي لجمعيات يعتبرها حليفها الأمريكي جزءاً من تنظيم إرهابي. 

وبالتالي، قد تفقد شبكات الإخوان الأوروبية جزءاً مهمّاً من "الشرعية المدنية" التي اعتمدت عليها لعقود.

انعكاسات على شبكات النفوذ واللوبيات المرتبطة بالإخوان

لطالما اعتمد الإخوان في أوروبا على شبكات تأثير واسعة تضم مراكز بحثية، ومنظمات حقوقية، ومؤسسات ضغط سياسي تتواصل مع البرلمانات الأوروبية والهيئات الأممية. هذه الشبكات تقوم بدور مركزي في الدفاع عن التنظيم، وتقديمه كجزء من الإسلام المعتدل.

غير أنّ التصنيف الأمريكي المحتمل سيضع هذه الشبكات تحت ضوء شديد. فالتعامل مع منظمات تُتهم بأنّها واجهات لتنظيم مُصنّف في الولايات المتحدة أنّه إرهابي سيصبح عبئاً سياسياً على النواب والأكاديميين الأوروبيين. وستصبح أيّ شراكات بحثية أو إعلامية مع هذه الجهات محلّ تساؤل، ليس فقط من الحكومات، بل من الصحافة والرأي العام.

وقد يؤدي ذلك إلى تراجع حدة حضور الإخوان في المشهد العام داخل أوروبا، وخسارة أدوات التأثير التي مكّنتهم من ممارسة دور سياسي غير مباشر خلال السنوات الماضية.

تأثيرات محتملة على سياسات الهجرة واللجوء داخل أوروبا

وجود عشرات من قيادات وأعضاء الإخوان داخل أوروبا مرتبط بوضع اللجوء السياسي أو الإقامة الطويلة. وتستند معظم هذه الإقامات إلى ادعاءات "الاضطهاد" أو "الخوف من الملاحقة في الدول العربية". لكن إذا صنفت واشنطن التنظيم ككيان إرهابي، فإنّ هذا التصنيف سيخلق بيئة رقابية جديدة داخل ملف اللجوء الأوروبي.

قد تلجأ بعض الدول إلى إعادة تقييم طلبات اللجوء المقدمة من أشخاص ثبت انتماؤهم التنظيمي. وفي حالات معينة قد تفرض إجراءات قانونية جديدة تسمح بإلغاء الإقامة أو الحد من حرية الحركة للأفراد المرتبطين بالجماعة. ورغم أنّ ذلك لن يكون مساراً عامّاً في كل الدول الأوروبية، فإنّه سيكون خياراً مطروحاً، خصوصاً في الدول التي تتبنّى أصلاً نهجاً متشدداً تجاه الإسلام السياسي، مثل الدنمارك والنمسا.

ومن شأن هذا التحول أن يُضعف البنية البشرية للجماعة في أوروبا، ويحدّ من قدرتها على إدارة الشبكات العابرة للحدود التي تعتمد على الحركة الواسعة والسفر المتكرر.

أوروبا أمام لحظة إعادة تعريف العلاقة مع الإخوان

إنّ قراراً أمريكياً بتصنيف الإخوان ـ إذا تحقق ـ لن يفرض على أوروبا موقفاً موحداً، لكنّه سيضع القارة أمام سؤال جديد حول الأدوار التي باتت تلعبها جماعات الإسلام السياسي داخل مجتمعاتها. ومن المرجح أن تكون النتيجة النهائية هي مزيد من التضييق على الإخوان، لا عبر قرارات حظر شاملة، بل من خلال تعزيز الرقابة، ومراجعة التمويلات، وضبط أنشطة الجمعيات، وتقليص مساحة النفوذ السياسي.

 

وبذلك، سيؤثر القرار الأمريكي في أوروبا بشكل غير مباشر، لكنّه عميق؛ لأنّه يتقاطع مع تحولات قائمة أصلاً داخل القارة، ويعزز الاتجاه نحو إعادة النظر في موقع الإخوان داخل البيئة الأوروبية المعاصرة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية