
تشهد السويد حاليًا واحدة من أكبر القضايا التي تتعلق بالفساد في المجال التعليمي والاجتماعي، بعد ظهور نتائج تحقيق صحفي موسّع وضع جماعة الإخوان المسلمين في صدارة الاتهامات. فالقضية لا ترتبط بواقعة مالية عابرة أو خلل إداري محدود، بل تكشف منظومة متكاملة استغلّت البنية القانونية لنظام التعليم الحرّ والرعاية الاجتماعية لإدارة شبكات تمويل معقدة حققت أرباحًا غير مشروعة بمبالغ ضخمة.
القصة الأساسية التي كشفت عنها صحيفة سويدية واسعة الانتشار، وتناقلتها وسائل إعلام دولية من بينها الشرق الأوسط، توضح أنّ عدداً من المدارس ورياض الأطفال والمراكز التعليمية كانت تُستخدم كغطاء لعمليات اختلاس منظم، شارك فيها أئمة وشخصيات مرتبطة بجماعات الإسلام السياسي، وتمكنت من نقل عشرات الملايين من الدولارات خارج الأطر القانونية.
القضية خرجت إلى العلن بعد نشر تحقيق استقصائي تتبعت خلاله الصحيفة السويدية بيانات مالية وسجلات لشركات صغيرة ومؤسسات تعليمية خاصة في عدة مدن. وبحسب التحقيق، فإنّ الشبكة كانت توظف الدعم الحكومي المخصص للمدارس الخاصة وشركات الرعاية، وهو دعم كبير بالنظر إلى طبيعة النظام التعليمي السويدي، الذي يمنح هذه المؤسسات تمويلاً ثابتًا مقابل تشغيل الخدمات التعليمية.
ومع مرور الوقت، بدأت السلطات تلاحظ تباينًا في جودة الخدمات المقدمة وبعض المخالفات المالية، لكنّ حجم القضية الحقيقي لم يتضح إلا بعد كشف تحويلات مالية مشبوهة تمّت عبر فواتير خدمات تقنية غير حقيقية، واختفاء مبالغ كبيرة من الميزانيات السنوية لتلك المؤسسات.
شبكة واسعة وليست حالات فردية
ما يميز هذه القضية أنّها ليست مرتبطة بمدرسة واحدة أو جمعية منفردة، بل بشبكة مترابطة تستخدم نمطًا متكررًا في تحويل الأموال وتدويرها داخل شركات واجهة. وقد أظهر التحقيق أنّ هذه الشبكة تشمل مؤسسات تعليمية يديرها أشخاص سبق أن أثيرت حولهم تقارير أمنية تتعلق بالانتماء إلى جماعة الإخوان.
وتشير التقديرات إلى أنّ المبالغ التي جرى الاستيلاء عليها تجاوزت مليار كرونة سويدية، أي ما يعادل أكثر من (100) مليون دولار وفق سعر الصرف. هذه الأرقام الكبيرة تعكس حجم النشاط المالي للنظام التعليمي الخاص في السويد، كما تعكس قدرة بعض الجهات على توظيف هذا النظام لتحقيق مكاسب خارج إطار القانون.
أحد الأسماء التي ورد ذكرها في التحقيق هو السياسي السابق عبد الرزاق وابيري، وهو شخصية معروفة في بعض الأوساط الإسلامية السويدية. وتشير المعلومات المتداولة إلى أنّه تورط في تحويل مبالغ كبيرة لتمويل نشاطات حزبه في الصومال، إضافة إلى إنفاق أموال على رحلات وسفر وإقامة فاخرة.
هذه الاتهامات لم تأتِ من مصادر مجهولة، بل من وثائق رسمية ومراجعات حسابية صادرة عن جهات رقابية. ويبدو أنّ الشبكة التي أدارها وابيري أو شارك فيها لم تكن تعمل بمعزل عن أطراف أخرى ضمن الدائرة نفسها المرتبطة بمدارس وجمعيات ذات توجهات إسلامية سياسية.
أحد أخطر ما كشفه التحقيق هو أنّ بعض المدارس التي تورطت في هذه الشبكة تُدار من قبل أئمة سبق أن وضعهم جهاز الأمن السويدي ضمن قائمة الأشخاص الذين يشكّلون تهديدًا للأمن القومي. ومن بين هذه الأسماء أبو رعد، وعبد الناصر النادي، وحسين الجيبوري، وهي شخصيات معروفة للمتابعين لملف الإسلام السياسي في أوروبا.
هؤلاء الأئمة، وفق التقارير الأمنية السابقة، كانوا يديرون أنشطة دعوية وخطابات يمكن أن تؤثر سلبًا على الاندماج الاجتماعي، إضافة إلى ارتباطات مالية غير واضحة. وما جاء في التحقيق الأخير يعزز الانطباع بأنّ هذه الشخصيات لم تكن تمارس نشاطًا دعويًا فقط، بل كانت جزءًا من منظومة اقتصادية تعمل بصورة موازية للأنشطة الدينية والاجتماعية.
إغلاق مدارس وإجراءات صارمة
خلال السنوات الماضية اتخذت السلطات السويدية إجراءات تدريجية لإغلاق عدد من المدارس التابعة لشخصيات مرتبطة بالإخوان، سواء بقرارات أمنية مباشرة أو إجراءات رقابية بسبب مخالفات مالية. لكنّ التحقيق الجديد كشف أنّ حجم الاختلاس أوسع بكثير ممّا كانت تشير إليه الحالات الفردية.
المدارس التي أُغلقت لم تكن تقدّم تعليمًا منخفض الجودة فقط، بل كانت متورطة في أنشطة مالية لا تتفق مع المعايير القانونية. بعض هذه المدارس حصل على دعم حكومي بمبالغ ضخمة رغم ضعف نتائج الطلاب، وأحيانًا رغم تحذيرات الجهات الرقابية من ممارسات إدارية غير شفافة.
المدعي العام السويدي المتخصص في الجرائم الاقتصادية وصف ما حدث بأنّه خسارة مزدوجة، لأنّ الدولة لا تخسر الأموال فقط، بل تخسر جودة الخدمة التي كان يفترض لهذه الأموال أن تغطيها. بمعنى آخر، الضرر لم يكن محصورًا في الجانب المالي، بل امتد إلى مستوى الخدمات المقدمة للأطفال والعائلات.
هذه التصريحات تعكس حجم القلق داخل المؤسسات الرسمية من قدرة مجموعات منظمة على استغلال النظام التعليمي لتحقيق مكاسب خاصة، في الوقت الذي يعاني فيه النظام نفسه أزمات تتعلق بتراجع الموارد وضغوط الهجرة وتحديات الاندماج.
لفهم كيفية حدوث هذه التجاوزات، يجب النظر إلى النظام التعليمي السويدي المبني على حرية إنشاء المدارس الخاصة (Friskolor). هذا النظام يتيح لأيّ جهة تأسيس مدرسة والحصول على دعم مالي حكومي طالما التزمت بالمعايير المحددة. إلا أنّ الرقابة المالية ليست صارمة بالشكل الكافي، ممّا سمح باستخدام المدارس كأدوات لتحصيل الأموال ثم توجيهها نحو حسابات خارجية.
وتعتمد هذه الشبكات على إنشاء شركات خدمات تقنية أو استشارية، ثم إصدار فواتير مرتفعة لمدارس يديرها الأشخاص أنفسهم، بحيث تصبح التحويلات قانونية في ظاهرها. ومع مرور الوقت تتراكم الأرباح في حسابات لا علاقة لها بالتعليم أو بالرعاية الاجتماعية.
التحقيقات تشير إلى أنّ جزءًا من الأموال المحوّلة وصل إلى دول أخرى، بعضها يرتبط بنشاطات سياسية لجماعات الإسلام السياسي. ورغم عدم صدور تقارير نهائية تثبت الوجهة النهائية لجميع التحويلات، إلا أنّ بعض الوثائق تظهر تمويلًا مباشرًا لمشاريع وأحزاب خارج السويد.
هذا البُعد الخارجي جعل القضية أكثر حساسية، لأنّها لم تعد ترتبط فقط بمخالفات محلية، بل بقضايا لها علاقة بالأمن القومي الأوروبي ومكافحة غسل الأموال.
ومن المتوقع أن تتوسع التحقيقات خلال الفترة المقبلة لتشمل مؤسسات أخرى، وربما أسماء جديدة كانت تعمل ضمن الدائرة ذاتها. وتشير توقعات محللين في السويد إلى احتمال تعديل القوانين المنظمة للمدارس الحرة وتشديد الرقابة المالية عليها.
وقد تمتد التداعيات إلى دول أوروبية أخرى، نظرًا لأنّ شبكات الإسلام السياسي تعتمد عادة على أنماط متماثلة من إنشاء المؤسسات التعليمية والدينية واستخدامها كواجهات تمويل.
تعكس هذه القضية مجموعة من النقاط الجوهرية؛ أبرزها أنّ الهياكل التعليمية المفتوحة يمكن استغلالها بسهولة إذا لم تُدعّم برقابة مالية دقيقة، وأنّ جماعات الإسلام السياسي تعتمد على نموذج اقتصادي موازٍ يعمل عبر الجمعيات والمدارس والمساجد، ويستخدمون خطاب الاندماج والتعددية كأدوات للوصول إلى مصادر تمويل رسمية.
وتكشف الفضيحة التي تتفاعل داخل السويد اليوم حجم تغلغل جماعة الإخوان في المؤسسات التعليمية والقدرة على تحويل هذه المؤسسات إلى أدوات مالية. القضية لا تتعلق فقط بمدارس أُغلقت أو أموال اختفت، بل ترتبط بنشاط متكامل يستخدم التعليم والرعاية الاجتماعية كقنوات تمويلية عبر نظام محكم من الشركات والجمعيات.
ومع تكشف المزيد من التفاصيل، يبدو أنّ القضية ستبقى نقطة تحول في كيفية تعامل السويد، وربما أوروبا بأكملها، مع المؤسسات المرتبطة بالإخوان، في ظل إدراك متزايد أنّ الخطر لا يقتصر على الخطاب المتطرف، بل يشمل شبكات مالية قادرة على التأثير في الأمن والاقتصاد والمجتمع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_4_0.jpg.webp?itok=-lCbCTcZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD_1.png.webp?itok=JBSeA7zX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_32_0_2_1.jpg.webp?itok=HaSySVg9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_23_4_0_0.jpg.webp?itok=bPBOwBzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_1_0_0.jpg.webp?itok=WVl1JxX7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_1.png.webp?itok=GdF3CrIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0.jpg.webp?itok=6HVSoHNj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_4_3_0.jpg.webp?itok=Bj4HTJv3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%B1_0.jpg.webp?itok=0jG2IJns)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GettyImages-1069812660.jpg.webp?itok=NgC245pF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_2_13.jpg.webp?itok=fnJS8BI3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10.jpg.webp?itok=2kE147__)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_0_1.jpg.webp?itok=Ch9rKTwg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_128_0_0_1_1_0.jpg.webp?itok=7ZsQVkjn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_18_0_0_1_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=I7n-nGbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Why-does-Iran-continue-targeting-Gulf-states.jpg.webp?itok=89J-PyZD)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)