
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل بنغلاديش وخارجها، قدّم الدكتور شفيق الرحمن، أمير الجماعة الإسلامية البنغالية، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2025، ما وصفه بـ "الاعتذار غير المشروط" عن أيّ أذى تسبب به حزبه منذ عام 1947 حتى اليوم، خلال زيارة إلى الولايات المتحدة، حيث التقى الجالية البنغالية في واشنطن ونيويورك، وألقى كلمات أمام تجمعات عامة. لكنّ ما بدا في ظاهره محاولة لمصالحة تاريخية، تحوّل سريعاً إلى مادة للنقاش والسخرية، بعدما تبيّن أن الاعتذار جاء غامضاً ومراوغاً، وتجنب الخوض في لبّ المأساة التي ارتبط بها الحزب منذ تأسيسه، وتحديداً دوره في الإبادة الجماعية خلال حرب التحرير عام 1971.
اعتذار مشروط بلغة مبهمة
خلال لقائه بالصحفيين في نيويورك قال شفيق الرحمن: "منذ عام 1947 حتى اليوم، من تكبّد أيّ ضرر بسببنا، نطلب منه المغفرة بلا قيد أو شرط". إلا أنّ هذه الكلمات التي وُصفت في البداية بأنّها "تاريخية"، سرعان ما كشفت عن فراغها السياسي والأخلاقي، إذ لم يحدّد زعيم الجماعة ما الأفعال التي يعتذر عنها تحديداً. وزاد الموقف ارتباكاً عندما أضاف قائلاً: "من عام 1947 حتى 2025، إذا ارتكب في يوم غير محدد جريمة غير محددة، فهذا الاعتذار موجه لذلك".
هذه الصياغة المراوغة جعلت الاعتذار يبدو كأنّه محاولة لطيّ صفحة الماضي دون مواجهة الحقيقة. فقد تجنّب شفيق الرحمن ذكر الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات الجماعة خلال حرب الاستقلال، وتعمّد استخدام لغة رمزية فضفاضة بدت أقرب إلى مناورة سياسية قبيل الانتخابات الوطنية المقرّرة في شباط (فبراير) المقبل.
الجماعة الإسلامية وتاريخ من الدم
تُعدّ الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، وهي امتداد إيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين، من أكثر التنظيمات السياسية إثارة للجدل في البلاد. خلال حرب التحرير عام 1971 تعاونت الجماعة مع الجيش الباكستاني ضد المقاتلين البنغاليين المطالبين بالاستقلال، وشكّلت ميليشيات مسلّحة مثل "البدر والشمس والرازكار"، التي شاركت في قتل الآلاف من المدنيين والمثقفين والنساء، وارتكبت جرائم إبادة واغتصاب وتصفية ميدانية بحق الشعب البنغالي.
لم تغب آثار تلك الجرائم عن الذاكرة الوطنية البنغالية، بل ظلّت تطارد الجماعة لعقود، إلى أن أعادت حكومة الشيخة حسينة واجد (2009-2024) فتح ملفاتها، فحاكمت العشرات من قادة الجماعة بتهم جرائم حرب، وأعدمت عدداً منهم بعد إدانتهم، وألغت المحكمة العليا تسجيل الحزب، وفرضت عليه حظراً سياسياً شاملاً.
لكن عقب سقوط حكومة حسينة في آب (أغسطس) 2024 رُفع الحظر عن الجماعة، لتعود سريعاً إلى الساحة السياسية بنشاط لافت، محاولة إعادة تأهيل صورتها العامة من خلال خطاب جديد يدّعي الانفتاح والمراجعة الفكرية. وفي هذا السياق جاء اعتذار شفيق الرحمن، الذي يبدو أنّه خطوة محسوبة لاسترضاء الداخل والخارج معاً، أكثر من كونه مراجعة حقيقية للماضي.
من القمع إلى إعادة التدوير السياسي
منذ عودتها إلى العمل العلني بدأت الجماعة الإسلامية حملة لإعادة تقديم نفسها كـ"قوة سياسية وطنية" تمثل القيم الإسلامية المعتدلة، وسعت إلى تحسين صورتها أمام الأقليات والنساء. فقد أعلنت مؤخراً عن تأسيس جناح هندوسي داخل الحزب، في محاولة رمزية لجذب الأقليات الدينية، كما أطلقت مبادرات اجتماعية وصحية مثل حملات التوعية بسرطان الثدي، في خطوة بدت غريبة بالنسبة إلى تنظيم لطالما اتُّهم بإقصاء المرأة وتبرير العنف ضدها.
كذلك اقترحت الجماعة تغيير شعارها الرسمي، ليضم رموزاً حديثة مثل "شمس مشرقة، وقلم، وميزان عدل على كتاب مفتوح"، بدلاً من شعارها القديم الذي كان يحمل كلمتي "الله" و"أقيموا الدين" بالعربية. إلا أنّ هذه التغييرات الشكلية لم تُقنع الشارع البنغالي ولا النخب السياسية التي رأت فيها محاولة "تجميل لوجه إرهابي"، وليست مراجعة فكرية أو أخلاقية حقيقية.
ويؤكد محللون أنّ الجماعة تحاول استغلال حالة السيولة السياسية التي أعقبت سقوط نظام حسينة، لتعيد التموضع ضمن المشهد الانتخابي، خصوصاً بعد تحقيق جناحها الطلابي "إسلامي شاترا شيبير" انتصارات في انتخابات اتحادات الطلبة في أربع جامعات كبرى.
الاعتذار في سياق انتخابي
يأتي اعتذار أمير الجماعة في لحظة حساسة تسبق الانتخابات الوطنية المقررة في شباط (فبراير) 2026، حيث تعمل الجماعة على بناء تحالفات مع أحزاب إسلامية ومحافظة لاستعادة نفوذها السياسي. ويشير مراقبون إلى أنّ خطاب "الاعتذار" ليس إلا أداة دعائية تهدف إلى تليين موقف الرأي العام، خصوصاً الشباب الذين لم يعيشوا حقبة السبعينيات، وربما لا يحملون الذاكرة الجماعية لجرائم الحرب.
ويرى بعض المحللين أنّ الاعتذار الغامض يندرج ضمن استراتيجية سياسية تستهدف تحسين صورة الحزب أمام المجتمع الدولي أيضاً، وخاصة الولايات المتحدة، التي تُبدي اهتماماً متزايداً بمراقبة الديمقراطية وحقوق الأقليات في جنوب آسيا. فالزيارة إلى واشنطن، وما تلاها من تغطيات إعلامية وتصريحات محسوبة، تعكس رغبة الجماعة في إرسال رسالة مزدوجة: داخلياً بأنّها "تغيرت"، وخارجياً بأنّها "شريك محتمل" يمكن التفاهم معه في المشهد الإقليمي الجديد.
لكنّ الغموض في الاعتذار، واللغة الملتبسة التي استخدمها زعيمها، أثارا غضب عائلات ضحايا حرب التحرير، التي اعتبرت تصريحاته إهانة جديدة للذاكرة الوطنية. وقال أحد قادة جمعيات أسر الشهداء في دكا: "لا يمكن مسح الدماء باعتذار شفهي في نيويورك، على من ارتكب الجرائم أن يعترف بوضوح بما فعله، ويطلب الصفح من الشعب وجهاً لوجه."
تلاعب لغوي أم مراجعة حقيقية؟
يبدو أنّ شفيق الرحمن حاول السير على خيط رفيع بين تبرئة الحزب وتحسين صورته، من دون أن يتحمّل أيّ مسؤولية قانونية أو أخلاقية. ففي تصريحاته قال: "لم نرتكب أيّ جريمة، لكنّ البعض رأى أنّ قراراتنا السياسية كانت خاطئة". هذا التفريق بين "الخطأ السياسي" و"الجريمة ضد الإنسانية" هو جوهر المراوغة التي دفعت كثيرين إلى وصف الاعتذار بأنّه "توبة سياسية كاذبة".
في الثقافة السياسية البنغالية لا يعتذر القادة عادةً عن أخطائهم أو تجاوزاتهم. فلم يفعل ذلك لا زيور رحمن ولا حسين محمد إرشاد ولا حتى الشيخة حسينة نفسها، رغم الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان خلال حكمهم. غير أنّ الفرق بين هؤلاء وبين الجماعة الإسلامية هو أنّ الأخيرة ارتبطت بجرائم إبادة جماعية، وليس بمجرد فساد أو قمع سياسي، لذا فإنّ أيّ "اعتذار غامض" منها يبدو كأنّه استبدال للندم الحقيقي بالمناورة الخطابية.
ويرى بعض المراقبين في دكا أنّ الجماعة تسعى إلى تفكيك ذاكرتها المجرّمة عبر خطاب تصالحي، لكن دون أيّ استعداد حقيقي للاعتراف بالحقائق الموثقة تاريخياً. يقول الكاتب البنغالي والباحث في الذاكرة الوطنية، روبيل أحمد: إنّ "الاعتذار لا قيمة له ما لم يُعترف بالمجزرة التي ارتكبتها ميليشيات "البدر والشمس والرازكار"، وما لم يتم إعلان مسؤولية الحزب عنها بوضوح أمام الأمّة".
الجرح المفتوح في الذاكرة البنغالية
ما تزال حرب عام 1971 تمثّل جرحاً مفتوحاً في وجدان الشعب البنغالي. وتشير التقديرات إلى أنّ عدد ضحايا الإبادة تجاوز ثلاثة ملايين قتيل، إضافة إلى مئات الآلاف من النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب الممنهج على أيدي الجنود الباكستانيين وميليشيات الجماعة الإسلامية. وما تزال ذاكرة تلك المرحلة حاضرة في الكتب المدرسية، وفي النصب التذكارية، وفي خطاب الدولة الوطني.
لذلك، لا يمكن لاعتذار عام وملتبس أن يُعتبر مصالحة وطنية، بل يُنظر إليه كإعادة فتح لجراح لم تندمل. وإذا كانت الجماعة تسعى إلى إعادة الاندماج السياسي، فإنّ الطريق إلى ذلك لا يمرّ عبر الاعتذار اللفظي، بل عبر المساءلة التاريخية والاعتراف الصريح بالجرائم، ومشاركة حقيقية في جبر الضرر لعائلات الضحايا.
ما بين التوبة والتكتيك
يثبت اعتذار شفيق الرحمن، بما حمله من غموض وتناقض، أنّ الجماعة الإسلامية البنغالية ما تزال تعيش حالة إنكار سياسي وتاريخي. فهي تحاول التخلص من إرثها الدموي دون مواجهة الماضي، وتطرح خطاباً جديداً يهدف إلى التسلل مجدداً إلى المشهد الانتخابي، مدّعية أنّها "جماعة متجددة".
لكنّ الحقيقة تبقى أنّ الاعتذار الناقص لا يُلغي الجريمة. وإذا كانت الجماعة تريد أن تُطوى صفحتها السوداء فعلاً، فعليها أن تقول بوضوح: "ارتكبنا خطأً فادحاً بالتعاون مع الجيش الباكستاني، ونطلب الصفح من الأمّة البنغالية".
وإلى أن يحدث ذلك، سيظلّ اعتذار شفيق الرحمن في واشنطن مجرد خطاب سياسي مرتبك، يحاول تلميع ماضٍ لا يمكن تبييضه، وتغطية جريمة لا تُغتفر بكلمات فضفاضة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)