دراسة تكشف كيف أعاد الإخوان بناء شبكاتهم في أفريقيا

دراسة تكشف كيف أعاد الإخوان بناء شبكاتهم في أفريقيا

دراسة تكشف كيف أعاد الإخوان بناء شبكاتهم في أفريقيا


12/11/2025

تُظهر القارة الأفريقية اليوم ملامح مشهد متحوّل في خريطة الحركات الإسلامية، بعد أن أصبحت ساحة جذب رئيسية لجماعة الإخوان المسلمين عقب تضييق الخناق عليها في الشرق الأوسط. فمنذ سقوط أنظمة حليفة أو متعاطفة معها، وتراجع نفوذها السياسي في مصر وتونس والسودان، اتجهت الجماعة إلى الجنوب لإعادة بناء شبكاتها الفكرية والدعوية والاقتصادية، في محاولة لاستنساخ نفوذ جديد عبر أدوات أكثر مرونة وواجهات اجتماعية وتعليمية واقتصادية.

في هذا السياق، تناولت دراسة حديثة بعنوان "العودة إلى الجنوب: كيف أعاد الإخوان بناء شبكاتهم في أفريقيا؟"، للباحثة إلهام النجار، ونُشرت في موقع "شاف"، تناولت التحركات الإخوانية في أفريقيا من منظور جيوسياسي وتنظيمي.

تشير الدراسة إلى أنّ الجماعة أعادت تموضعها داخل القارة في السنوات الأخيرة، من خلال استغلال الأوضاع الهشة في الدول التي تعاني من النزاعات الداخلية والفقر، خاصة في منطقة الساحل والقرن الأفريقي. وأوضحت أنّ هذا التمدد ليس عشوائياً، بل يتم عبر استراتيجيات مدروسة تشمل بناء شبكات دعوية واجتماعية، وتمويل مؤسسات خيرية وتعليمية تعمل كواجهة لنشر الفكر الإخواني وكسب قاعدة اجتماعية جديدة.

وأشارت الدراسة إلى أنّ هذا النمط الجديد من الحضور الإخواني لا يهدف إلى السيطرة السياسية المباشرة كما في تجارب الجماعة السابقة في الشرق الأوسط، بل إلى خلق "حاضنة فكرية واجتماعية" تُمكّنها لاحقًا من التغلغل التدريجي في البنى المحلية، تمهيدًا لاستعادة نفوذها السياسي عبر أدوات المجتمع المدني.

الدوافع وراء عودة الجماعة إلى أفريقيا

أوضحت الدراسة أنّ هناك جملة من العوامل التي دفعت جماعة الإخوان إلى التوجه جنوباً نحو أفريقيا، أبرزها الفراغ السياسي والأمني في عدد من الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها أو ضعف حكوماتها، إلى جانب التراجع النسبي للاهتمام الدولي بمراقبة الإسلام السياسي في القارة.

وأضافت الباحثة أنّ الجماعة استفادت من غياب البدائل التنموية وضعف الخدمات الحكومية في بعض المناطق، لتقدم نفسها كقوة "خدمية" و"دعوية" قادرة على تلبية احتياجات المواطنين الفقراء، من خلال المدارس الدينية، والإغاثة، والتعليم الأهلي، ممّا أكسبها غطاءً اجتماعياً يصعب تفكيكه.

وأشارت الدراسة إلى أنّ تراجع الاهتمام الغربي بمتابعة التنظيمات الإسلامية داخل أفريقيا بعد صعود أولويات جديدة مثل الهجرة غير الشرعية والمنافسة الاقتصادية، خلق فراغاً استغلته الجماعة لتعزيز وجودها بهدوء، مستخدمة التمويل القادم من مؤسسات وأفراد في تركيا وقطر وبعض الدول الخليجية.

خرائط النفوذ الإخواني في الأقاليم الأفريقية

أوضحت الدراسة أنّ الحضور الإخواني يختلف من إقليم إلى آخر تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية:

في شمال أفريقيا، ما تزال الجماعة تحتفظ بنفوذ فكري وسياسي من خلال أحزاب الإسلام السياسي، مثل النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب، بينما في ليبيا تعمل من خلال جمعيات خيرية وتعليمية تستغل غياب الدولة. أمّا في الجزائر، فقد قلّصت الضغوط الأمنية من مساحة الحركة لكنّها لم تنهِ وجودها.

في منطقة الساحل والصحراء، أكدت الدراسة أنّ الجماعة تحركت من خلال واجهات إنسانية في مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، حيث تعمل الجمعيات التابعة لها على تقديم التعليم الديني والخدمات الطبية، مستغلة ضعف الدولة في هذه المناطق، وتشير تقارير أممية إلى تشابك بعض هذه الجمعيات مع جماعات مسلحة محلية.

أمّا في القرن الأفريقي، فقد ذكرت الدراسة أنّ السودان يُعدّ "المركز التاريخي" للحضور الإخواني، بينما تسعى الجماعة إلى تعزيز وجودها في الصومال وإثيوبيا عبر التعليم والدعوة والمراكز الإسلامية التي ترفع شعار "الاعتدال والإصلاح".

أساليب العمل وآليات التمدد

قالت الدراسة: إنّ الإخوان في أفريقيا يعتمدون اليوم على نموذج لامركزي يمنح المكاتب المحلية حرية واسعة في التحرك ضمن إطار فكري موحّد، ممّا يقلل من مخاطر الملاحقة الأمنية.

وأضافت أنّ الجماعة تتخفّى خلف واجهات خيرية وتعليمية، إذ تؤسس جمعيات لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن، ومدارس خاصة تتولى غرس الأفكار الإخوانية في المناهج أو في النشاطات الدينية غير الرسمية. ويتم استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد الشباب ونشر المحتوى الدعوي بطريقة حديثة.

وأشارت الدراسة إلى أنّ التمويل الخارجي يُعدّ إحدى ركائز إعادة التمدد، حيث تمرّ الأموال عبر مؤسسات خيرية غير خاضعة لرقابة دقيقة، في حين تعتمد بعض الجمعيات الصغيرة على التبرعات المحلية أو على رجال أعمال متعاطفين مع الفكر الإخواني.

ولفتت إلى أنّ الجماعة تبني أيضًا تحالفات عابرة للحدود مع حركات إسلامية محلية أو شبابية تحمل توجهات إصلاحية أو دعوية، لتوسيع نطاق النفوذ وتخفيف حساسية الانتماء للتنظيم الأم.

العلاقة مع الجماعات المتشددة

أشارت الدراسة إلى أنّ العلاقة بين الإخوان والجماعات الإرهابية في أفريقيا ليست تنظيمية مباشرة، لكنّها علاقة تأثير فكري وتغذية متبادلة.

فالفكر الإخواني ـ بحسب الباحثة ـ كان المصدر الإيديولوجي الذي استلهمت منه حركات متشددة كثيرة مبادئها الأولى، خصوصاً في مفاهيم "الحاكمية" و"إقامة الدولة الإسلامية".

وبيّنت الدراسة أنّ الجماعة تسعى إلى النأي بنفسها عن التنظيمات المسلحة للحفاظ على صورتها كـ "فاعل مدني"، لكنّها في الوقت ذاته تستفيد من البيئة التي خلّفتها هذه الجماعات لملء الفراغ المجتمعي عبر مؤسساتها الدعوية.

وأوضحت أنّ شبكات التمويل والدعم اللوجستي تتقاطع أحيانًا، إذ تمرّ بعض الموارد عبر جمعيات خيرية يُشتبه في دعمها غير المباشر لعناصر متشددة في مناطق النزاع.

المخاطر والتداعيات الأمنية

قالت الدراسة: إنّ تمدد الإخوان في أفريقيا يفرض مخاطر مُركّبة، لأنّه يخلق بيئة خصبة لتغذية الفكر المتشدد من جهة، ويقوّض جهود بناء الدولة المدنية من جهة أخرى.

وحذّرت من أنّ الجماعة تعمل في "المنطقة الرمادية" بين الشرعية القانونية والنشاط السرّي، ممّا يجعل ملاحقتها أكثر صعوبة من التنظيمات المسلحة الصريحة.

وأضافت أنّ انتشارها داخل مؤسسات التعليم والجمعيات الأهلية يمنحها تأثيراً طويل المدى، حيث تزرع أفكارها ببطء داخل المجتمعات، وهو ما يجعل مواجهتها الفكرية أكثر أهمية من المواجهة الأمنية.

وخلصت الدراسة إلى أنّ مواجهة تمدد الإخوان في أفريقيا تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، وتشمل تعزيز التنمية والتعليم ومكافحة الفقر، باعتبارها الأدوات الأنجع لحرمان الجماعة من بيئة النفوذ.

ودعت إلى ضرورة مراقبة التمويلات الأجنبية الموجّهة للجمعيات الدينية والخيرية، وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية والعربية لتبادل المعلومات حول الأنشطة الدعوية العابرة للحدود.

وأكّدت على أهمية بناء مناعة فكرية داخل المجتمعات الأفريقية، عبر دعم المؤسسات الدينية الوسطية والتعليمية الوطنية، والتصدي للخطاب الدعوي الذي يستخدم مفاهيم العدالة الدينية غطاءً لمشاريع سياسية.

وفي الختام، شددت الباحثة على أنّ عودة الإخوان إلى أفريقيا ليست مجرد انتقال جغرافي، بل إعادة تموضع استراتيجية تستغل التناقضات الاجتماعية وضعف الدول، وأنّ مواجهتها لن تنجح إلّا بفهم أبعادها الفكرية والتنظيمية والاقتصادية معاً.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية