
لم تكن الضربات الأمنية التي طالت جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا خلال العقد الأخير نهاية نفوذها، بل كانت بداية لمرحلة جديدة من التكيف الهادئ مع البيئة الغربية. فبعد أن اصطدمت سياسات التنظيم بواقع الرقابة الصارمة وحظر بعض الجمعيات في فرنسا وألمانيا والنمسا، لجأت الجماعة إلى تعديل أدواتها الخطابية والتنظيمية، محوّلة خطابها من “المواجهة الأيديولوجية” إلى “الاندماج الحقوقي”.
وقد بدا واضحًا أن الحركة قرأت المشهد الأوروبي بعمق، فقررت أن تغير اللغة لا الجوهر، وأن تمارس ما يمكن تسميته بـ«الجهاد الناعم» القائم على توظيف قيم الديمقراطية ذاتها لتحقيق أهدافها القديمة بأدوات جديدة.
هذا التحول لم يكن مجرد خيار اتصالي، بل كان مشروعًا استراتيجيًا أقرته قيادات التنظيم في أوروبا بعد إدراكهم أن العنف أو الخطاب الديني الصارم لم يعد يجد بيئة حاضنة داخل المجتمعات الغربية. فصارت لغة الدفاع عن “الحريات الدينية” و“الحقوق المدنية” هي الغطاء الذي يمر عبره مشروع التمكين في ثوب جديد، يقدّم الإسلام السياسي بوصفه حليفًا للحداثة وحقوق الإنسان، لا خصمًا لها.
هذا التغيير لم يكن اعتذارًا عن الماضي بل إعادة تموضع استراتيجي يسمح لهم بالبقاء في الفضاء العام دون الاصطدام بالقوانين
وهكذا، انتقلت الجماعة من خطاب تعبوي مباشر إلى خطاب ناعم يعتمد على الشرعية القانونية والمظلومية الرمزية، لتكسب مساحات نفوذ أوسع داخل مؤسسات المجتمع المدني.
ويكشف تتبّع مسار هذا التحول عن خريطة جديدة للنفوذ الإخواني في الغرب: مراكز أبحاث تنتج دراسات “معتدلة”، وجمعيات تعليمية تتحدث بلغة التنوّع الثقافي، ومنظمات خيرية تتبنى قيم التضامن الاجتماعي. لكنها في جوهرها تعمل ضمن شبكة منسقة ذات أهداف سياسية، تنقل مشروع التنظيم من “الدعوة إلى الدولة” إلى “الشرعية عبر المؤسسات”.
في هذا السياق، أصبح الجهاد الناعم مشروعًا متكاملًا لإعادة إنتاج التنظيم داخل النظام الأوروبي ذاته، مستخدمًا أدواته القانونية لتمكين رؤيته الأيديولوجية.
التحول من العنف إلى الشرعية الحقوقية
منذ خمسينيات القرن الماضي، ارتبط اسم الإخوان بالعنف السياسي والتنظيمي، لكن الضغوط الأمنية في العقدين الأخيرين دفعتهم إلى تبني لغة جديدة تتحدث عن “الاندماج” و“الاعتدال”.
هذا التغيير لم يكن اعتذارًا عن الماضي، بل إعادة تموضع استراتيجي يسمح لهم بالبقاء في الفضاء العام دون الاصطدام بالقوانين. فالجماعة أدركت أن الغرب لا يحارب الأفكار، بل يضبط الأفعال، ولذلك حولت خطابها نحو الدفاع عن “حرية التعبير” و“احترام التعددية الدينية” لتظهر كضحية لا كخطر.
هذا الخطاب الإخواني الجديد يستعير مفردات الديمقراطية الليبرالية ليصوغ منها هوية هجينة بين الإسلام السياسي وحقوق الإنسان. فبدلًا من “إقامة الدولة الإسلامية”، أصبح الشعار “حماية الأقليات المسلمة”، وبدلًا من “تطبيق الشريعة”، تحوّل الخطاب إلى “صون القيم الروحية من الذوبان الثقافي”.
هذا “التمويه الحقوقي” يخفي نواة فكرية ثابتة: مشروع التمكين التدريجي عبر أدوات الشرعية القانونية
ومع مرور الوقت، تماهى هذا الخطاب مع سياسات الإدماج الأوروبية، فصار يصعب تمييزه عن نشاط الجمعيات المدنية العادية. لكن هذا “التمويه الحقوقي” يخفي نواة فكرية ثابتة: مشروع التمكين التدريجي عبر أدوات الشرعية القانونية.
التقارير الاستخباراتية الأوروبية، خصوصًا في فرنسا وألمانيا، حذرت من هذا التحول الذي اعتبرته “أكثر خطورة من التطرف الصريح”، لأن الجماعة لم تتخلّ عن هدفها النهائي، بل استبدلت وسيلة المواجهة العنيفة بوسائل اختراق ناعمة.
إنها تحاول أن تصبح “الوسيط المعتمد” بين الحكومات والمجتمعات المسلمة، بما يضمن لها سلطة تمثيلية غير معلنة. هكذا تحولت من كيان سياسي إلى شبكة حقوقية واجتماعية تستثمر لغة القانون لتطبيع نفوذها في صميم المؤسسات الديمقراطية.
أدوات الاختراق الجديدة في الفضاء الأوروبي
إلى ذلك، أدرك الإخوان أن النفوذ في أوروبا لا يُكتسب عبر الصدام، بل عبر بناء شبكات ناعمة تتسلل إلى دوائر التأثير: الجامعات، المنظمات الحقوقية، وسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث. لذلك أنشأ التنظيم واجهات متعددة تخاطب كل فئة بلغة مختلفة.
فالمراكز الفكرية تتحدث عن “التنوع الثقافي” و“الحوار بين الأديان”، بينما الجمعيات التعليمية تروّج لبرامج “الهوية الإسلامية المتوازنة”، أما المنظمات الخيرية فتقدّم نفسها كجسر للتضامن مع اللاجئين والمهمشين. وبهذا التعدد المقنّع، استطاعت الجماعة أن تعيد بناء شبكتها التنظيمية داخل الفضاء الأوروبي بعد أن تفككت الهياكل القديمة.
وقد كشفت التقارير الصادرة عن أجهزة الأمن الفرنسية والبريطانية، بين عامي 2020 و2024، عن تمويلات مشبوهة مصدرها جمعيات قطرية وتركية تدعم أنشطة تعليمية وثقافية ترتبط بقيادات إخوانية في أوروبا.
هذه التمويلات لم تكن موجهة لبناء المساجد فقط، بل لخلق مؤسسات تفكر وتنتج خطابًا متصالحًا ظاهريًا مع القيم الغربية، لكنه يرسّخ سردية “المسلم المستهدف” ويغذي فكرة “الهوية الإسلامية المهددة”، بما يسمح للجماعة بالاحتفاظ بولاء ديني عابر للحدود.
وقد استُخدمت هذه المؤسسات لاحقًا لتدريب كوادر شبابية تتقن لغة القانون والإعلام وتُقدَّم كجيل جديد من “المدافعين عن الإسلام”.
وبمرور الوقت، تحولت هذه الشبكات إلى أدوات ضغط سياسي غير معلنة. فعبر لوبيات حقوقية تتواصل مع البرلمانات والمنظمات الأممية، بدأت الجماعة تؤثر في صياغة السياسات المتعلقة بالإسلام في أوروبا، سواء في قضايا الحجاب أو التمويل أو حرية التعليم الديني.
وهذا النشاط يُقدَّم باعتباره دفاعًا عن “الحقوق المدنية”، لكنه في جوهره عملية ممنهجة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المسلم على نحو يكرّس للإخوان دور الوسيط والممثل الشرعي. إنها استراتيجية اختراق هادئة، تقوم على التحكم في الخطاب قبل السيطرة على القرار.
التناقض بين الخطاب والنية ومخاطر الجهاد الناعم
رغم هذا الاندماج الظاهري، تظل الهوة واسعة بين الخطاب العلني للجماعة وممارساتها الميدانية. فالإخوان ما زالوا يرفضون علنًا مراجعة فكر سيد قطب أو إعلان قطيعة فكرية مع خطاب “الحاكمية”، بل يحتفظون بخطاب مزدوج: علنيّ يغازل القيم الأوروبية، وسريّ يعيد إنتاج المشروع الأيديولوجي القديم في الدوائر الداخلية. هذا الانفصام جعل المؤسسات الأمنية تعتبر الجماعة “تيارًا ماكرًا” أكثر من كونها “خطرًا مباشرًا”، إذ تعمل تحت غطاء الشرعية القانونية لتكريس مشروع موازٍ للدولة المدنية.
عبر لوبيات حقوقية تتواصل مع البرلمانات والمنظمات الأممية،ط بدأت الجماعة تؤثر في صياغة السياسات المتعلقة بالإسلام في أوروبا
وتزداد خطورة هذا الجهاد الناعم حين ينجح في خلق نخبة فكرية أوروبية من أصول عربية ومسلمة تتبنى سردية الإخوان دون الانتماء التنظيمي المباشر.
هؤلاء المثقفون يشكلون اليوم واجهة إعلامية وسياسية قوية قادرة على تبرير مواقف الجماعة بلغة ليبرالية مقنعة، ما يمنحها عمقًا ثقافيًا يصعب تفكيكه.
بعضهم يشارك في ندوات برلمانية أو يكتب في صحف أوروبية كبرى، مروّجًا لخطاب “التعددية الدينية” بينما يعمل ضمن شبكة فكرية تُعيد إنتاج مفاهيم الإسلام السياسي في شكل “هوية ثقافية مقاومة”.
وفي مواجهة هذا التمدد غير المرئي، بدأت عدة دول أوروبية، أبرزها فرنسا والنمسا، اعتماد إستراتيجيات مضادة تقوم على الرقابة التمويلية والشفافية القانونية، حيث فُرضت قيود على التمويل الخارجي للمؤسسات الدينية وأُنشئت قواعد لمراقبة الجمعيات التي تتلقى أموالًا من دول خارج الاتحاد الأوروبي.
هذه الإجراءات، وإن حدّت جزئيًا من قدرة الجماعة على التحرك، إلا أن الإخوان أظهروا مرونة كبيرة في الالتفاف على القوانين عبر واجهات جديدة وأسماء مختلفة. لذلك تبدو المواجهة مع الجهاد الناعم معركة طويلة تتطلب وعيًا مؤسسيًا، وتعاونًا أوروبيًا متكاملًا يرصد المنظومات المالية والفكرية بدل الاكتفاء بالمظاهر الشكلية.
ويرى مراقبون أن ما تمارسه جماعة الإخوان في أوروبا اليوم ليس تراجعًا عن مشروعها بقدر ما هو إعادة إنتاج له بأدوات أكثر دهاءً، فقد أدركت أن السيطرة على الخطاب أهم من امتلاك السلاح، وأن النفوذ في العقول أخطر من النفوذ في الشوارع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_23_4_0_0.jpg.webp?itok=bPBOwBzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_4_3_0.jpg.webp?itok=Bj4HTJv3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%B1_0.jpg.webp?itok=0jG2IJns)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=dHKWt2qF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_4_0.jpg.webp?itok=-lCbCTcZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_1.png.webp?itok=GdF3CrIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD_1.png.webp?itok=JBSeA7zX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0.jpg.webp?itok=6HVSoHNj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_32_0_2_1.jpg.webp?itok=HaSySVg9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10.jpg.webp?itok=2kE147__)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_0_1.jpg.webp?itok=Ch9rKTwg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_128_0_0_1_1_0.jpg.webp?itok=7ZsQVkjn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_2_13.jpg.webp?itok=fnJS8BI3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GettyImages-1069812660.jpg.webp?itok=NgC245pF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Why-does-Iran-continue-targeting-Gulf-states.jpg.webp?itok=89J-PyZD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_18_0_0_1_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=I7n-nGbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)