
لم تعد «الدعاية» في تنظيم داعش مجرّد أداة ترويجية، بل تحوّلت إلى عمود فقري في بنيته الفكرية والتنظيمية، فمنذ انهيار ما سُمّي بـ«الخلافة» في العراق وسوريا، ركّز التنظيم على توسيع حضوره الإعلامي بوصفه وسيلة لإعادة إنتاج ذاته وإدامة مشروعه العقائدي.
وقد تناولت دراسة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذه الظاهرة بعمق، مبيّنة أن الخطاب الإعلامي الداعشي انتقل من التبشير بالعنف إلى توظيفه كأداة للشرعنة والدعوة في آن واحد.
ومع تراجع القوة الميدانية للتنظيم، بات «الانتصار الرمزي» عبر الصورة والرسالة أكثر أهمية من السيطرة الجغرافية. فالمشهد الدامي في مقاطع الفيديو والبيانات الإعلامية لم يكن عشوائيًا، بل محسوبًا بدقة لإحداث أثر نفسي مركّب: إخافة العدو، واستفزاز الخصم، وجذب المتابع الباحث عن معنى أو هوية.
هكذا أصبح الإعلام لدى داعش سلاحًا لا يقل خطورة عن السيف، وخطابه الدعوي يستمد شرعيته من قدرته على الإبهار والترهيب في آن.
من تنظيم مسلح إلى منظومة دعاية متكاملة
تُظهر مراجعة المسار التاريخي لتنظيم الدولة الإسلامية أن انتقاله من جماعة محلية في العراق إلى كيان عالمي لم يكن ممكنًا دون الإعلام، فقد أدرك قادته مبكرًا أن السيطرة على الصورة تُوازي السيطرة على الأرض. ومنذ عام 2013، خصّص التنظيم مؤسسات إعلامية متعددة مثل «الفرقان» و«الحياة» و«الاعتصام»، التي تحوّلت إلى مصانع إنتاج رمزي تصوغ روايته الرسمية وتعيد تقديم ذاته للعالم.
ولم تقتصر الدعاية على الترويج للمعارك، بل اتسعت لتقدّم «حياة الخلافة» في قالبٍ مثالي، يَعرض الأسواق والمدارس والمحاكم كأنها نموذج إسلامي بديل عن الأنظمة «الكافرة».
بذلك، استثمر التنظيم الجانب الدعوي لتثبيت شرعيته وتجنيد عناصر جديدة، مقدّمًا صورة للدولة الإسلامية لا كواقع سياسي فحسب، بل كحلمٍ قابل للتحقق. ومع الوقت، صارت هذه المواد الدعائية بديلاً عن المؤسسات، إذ شكّلت الرابط الأساسي بين المركز والفروع والأنصار.
هذا التوظيف المكثّف للإعلام جعل داعش يتفوّق على كل التنظيمات السابقة من حيث الانتشار الرقمي، حتى أن دراسات غربية عدّته أول تنظيم «رقمي بالكامل». فقد دمج بذكاء بين الدعوة الدينية والدعاية السياسية، ليُنتج سردية واحدة تتحدث بلغة الدين وتتحرك بمنطق الحرب.
جوهر الدعاية الدعوية.. الدين كسلاح نفسي
إلى ذلك، تميز الخطاب الدعوي الداعشي بقدرته على توظيف المفاهيم الدينية في خدمة مشروع سياسي دموي. فمصطلحات مثل «الخلافة»، و«التمكين»، و«الولاء والبراء» استُخدمت لشرعنة العنف وتحويله إلى عبادة. وهكذا، لم يعد القتل فعلاً حربياً فحسب، بل أصبح «قربى إلى الله»، وهو ما منحه بُعدًا تعبويًا بالغ التأثير.
هذه الدعاية استندت إلى تلاعب لغوي مدروس، إذ تُقدَّم الآيات القرآنية خارج سياقها لتبرير أفعال التنظيم، بينما يُعاد تأطير مفهوم «العدو» ليشمل كل من يخالف فكرهم. ووفق دراسة المركز العربي، فإن خطاب داعش يقوم على جدلية مزدوجة: بث الخوف في العدو، وبث الأمل في «المؤمنين» بقرب النصر والتمكين. ومن هذا المنطلق، يصبح الخطاب الدعوي أداة تحفيزية لمن تبقّى من أتباع التنظيم أكثر مما هو وسيلة دعوة عامة.
كما اعتمد التنظيم على عناصر الإبهار والغرابة لجذب الانتباه؛ فالفيديوهات عالية الجودة التي تُظهر عمليات الإعدام ليست مجرد توثيق، بل مشهد مسرحي له غاية تربوية في نظرهم: «تطهير» الأرض من «المرتدين».
في كل ذلك، يمارس داعش «دعاية دموية» تتقمص ثوب الدعوة، وتُقدّم العنف على أنه واجب ديني لا خيار فيه.
الآليات والمنصات.. من الميدان إلى الفضاء الافتراضي
استطاع داعش بناء منظومة دعائية معقدة تتوزع بين وسائط متعددة، فإلى جانب قنواته الإعلامية الرسمية، اعتمد على جيش من المتطوعين الإلكترونيين، يُعيدون نشر المواد عبر حسابات مكررة ومنصات بديلة مثل تيليغرام وروكيت. هذه اللامركزية جعلت من الصعب القضاء على المحتوى أو حصر انتشاره.
كما طوّر التنظيم لغات متعددة لمخاطبة جمهوره، فالفيديوهات بالإنجليزية والفرنسية والروسية والعربية استهدفت شرائح مختلفة، مما منح حملاته طابعًا عالميًا. ولم تكن المنصات الرقمية مجرد وسيلة تواصل، بل فضاء للتجنيد والتمويل والتخطيط. ففي كل رسالة، تمتزج العقيدة بالتقنية، والخطاب الديني بالتسويق السياسي.
وقد أظهرت تقارير بحثية أن الخوارزميات على يوتيوب وتويتر سهّلت وصول محتوى متطرف لمستخدمين جدد، الأمر الذي استغله التنظيم لإعادة بناء شبكاته بعد كل عملية حظر. وبذلك تحولت الحرب الإعلامية إلى سباقٍ تقني بين المنصات الكبرى والتنظيم، حيث يحاول كل طرف السيطرة على تدفّق المعلومة.
خصائص الرسائل الدعوية – من الدم إلى الخلاص
الدعاية الداعشية ليست عشوائية في مضمونها، بل تتبع بناءً سرديًا متماسكًا. تبدأ الرسالة غالبًا بمشهد دموي يرسّخ فكرة القوة، يليه خطاب ديني يضفي عليه مشروعية، ثم نداء موجّه إلى الجمهور المستهدف. هذا التسلسل يخلق أثرًا نفسيًا مزدوجًا يجمع بين الترهيب والإغراء.
وتعتمد هذه الرسائل على تصوير العنف كضرورة «تطهيرية»، وتُقدّم التنظيم على أنه طليعة الأمة. لذلك، لا تُخاطب هذه الدعاية العقل بقدر ما تخاطب العاطفة، مستثمرة مشاعر الغضب والظلم والتهميش. ومن خلال ذلك، تعيد تشكيل هوية المتلقي وتمنحه شعورًا بالانتماء إلى كيان يتجاوز الجغرافيا.
ولأنها تدرك أهمية الصورة، حرصت مؤسساتها الإعلامية على احتراف الإخراج والمؤثرات البصرية، حتى بدا خطابها أشبه بإنتاج سينمائي ذي مضمون عقائدي. وهكذا تحوّل الدم إلى رمز للخلاص، والعنف إلى لغة تواصلٍ بين «أبناء الخلافة». إنها دعاية تتقن فن صناعة الأسطورة أكثر مما تبرع في بناء الدولة.
التأثير والمواجهة.. معركة الوعي المستمرة
وعلى الرغم من الضربات التي تلقّاها التنظيم، ما زالت دعايته تُنتج نتائج ملموسة في المجال الرقمي. فقد مكّنته حملاته من الحفاظ على قاعدة أنصار رقمية واسعة، وأتاح له تجنيد مقاتلين في آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر الإنترنت. ومن هنا تبرز خطورة هذا النمط من الدعاية: قدرتها على الاستمرار حتى في غياب الأرض والقيادة المركزية.
في الأثناء، تواجه الحكومات تحديات هائلة في التصدي لهذه الظاهرة، إذ إن حذف المحتوى لا يمنع تكراره، كما أن الرسائل غالبًا ما تُعيد إنتاج نفسها بأساليب مموّهة. الأخطر أن التنظيم لا يعتمد فقط على التقنية، بل على قضايا حقيقية: التهميش، الفقر، الفساد، والشعور بالظلم، ما يمنحه مصداقية زائفة لدى بعض الفئات. ولذلك فإن المواجهة الفعّالة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تتطلب استراتيجية فكرية وثقافية واقتصادية متكاملة.
الدراسة تدعو، في هذا السياق، إلى بناء سرديات بديلة قادرة على ملء الفراغ الرمزي الذي يستغله المتطرفون. فبدل الاكتفاء بخطاب ديني تقليدي، يجب إنتاج محتوى رقمي معاصر يخاطب الشباب بلغتهم ويُقدّم إسلامًا رحبًا يتسع للاختلاف. فالمعركة، في جوهرها، معركة على العقول، لا على الشاشات.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_1.png.webp?itok=GdF3CrIh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD_1.png.webp?itok=JBSeA7zX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_4_0.jpg.webp?itok=-lCbCTcZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_1_0_0.jpg.webp?itok=WVl1JxX7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=dHKWt2qF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_23_4_0_0.jpg.webp?itok=bPBOwBzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%B1_0.jpg.webp?itok=0jG2IJns)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0.jpg.webp?itok=6HVSoHNj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_4_3_0.jpg.webp?itok=Bj4HTJv3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GettyImages-1069812660.jpg.webp?itok=NgC245pF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_0_1.jpg.webp?itok=Ch9rKTwg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10.jpg.webp?itok=2kE147__)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_25_1_2_13.jpg.webp?itok=fnJS8BI3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_128_0_0_1_1_0.jpg.webp?itok=7ZsQVkjn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Why-does-Iran-continue-targeting-Gulf-states.jpg.webp?itok=89J-PyZD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_18_0_0_1_1_0_0_0_0.jpg.webp?itok=I7n-nGbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)