محمد قطب حارس زنزانة الجاهلية

محمد قطب حارس زنزانة الجاهلية

محمد قطب حارس زنزانة الجاهلية


21/09/2025

 

أُعدم سيد قطب في يوم 29 آب (أغسطس) 1966، ولكنّ أفكاره لم تمت، فقد دوّنها ليس في صفحات كتبه، فكثير من الأفكار ماتت ودفنت واندثرت، رغم تدوينها في كتب فاخرة، لكنّ سيد اختار أن يدوّن أفكاره عبر مسارين: الأوّل شقيقه الأصغر وحارس زنزانة أفكاره، والثاني عناصر جماعة الإخوان، وبهذا ضمن استمرار توريث أفكاره عن جاهلية المجتمع وخروجهم عن الفهم الصحيح للإسلام، أمّا محمد قطب فقد ضمن باعتناقه أفكاره استمرار تدفقها عبر عشرات الكتب التي شرحت وفسرت ومررت أفكار سيد قطب التكفيرية، وأمّا جماعة الإخوان فقد ضمن بتدريسها كتبه، وعلى رأسها " خواطر في ظلال القرآن الكريم"، بقاء تلك الأفكار في عقول ووجدان أجيال الإخوان المتتابعة.

كوّن المساران مدرسة شديدة الولاء لأفكار "سيد"، وقد حافظت عليها طازجة وحيوية وقابلة للتطبيق، تلك المدرسة، هناك من آمن بأفكارها وتشرّبها حقّ التشرب وتخرج فيها، وانتقل إلى الجانب التطبيقي في جماعة حركية أخرى، حدث هذا مع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ومعظم قيادات تنظيم الجهاد، والكثير من قادة تنظيم الدولة "داعش" أو جبهة النصرة، حتى بعد أن تحولت إلى "هيئة تحرير الشام"، الجميع تخرّج في مدرسة الإخوان وسيد قطب، وأسهم في استمرار المدرسة وتخريجها لطلابها النابهين، وتلك المدرسة يقابلها غياب مدرسة تفكّك خطاب مدرسة التكفير والخروج عن المجتمع، وأوّل خطوة في نقد "مشروع قطب التكفيري" تبدأ بـ "محمد قطب".

محمد قطب يعيش في جلباب أخيه

لا يُنكر محمد قطب أنّه امتداد طبيعي لأخيه ولمشروعه، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ كل إنتاج محمد قطب لم يكن سوى شرح وتفسير لأفكار سيد قطب المتطرفة، سواء ما كان منها في كتابه الشهير في "ظلال القرآن" أو في كتاب "معالم في الطريق". يقول محمد عن تأثره بأفكار أخيه حسب ما صرّح به لمحمد المجذوب وسجله في كتابه "علماء ومفكرون" الجزء الثاني (ص 278): "لقد عايشت أفكار سيد ـ رحمه الله ـ بكلّ اتجاهاته منذ تفتح ذهني للوعي، ولمّا بلغت المرحلة الثانوية جعل يشركني في مجالات تفكيره، ويتيح لي فرصة المناقشة لمختلف الموضوعات، ولذلك امتزجت أفكارنا وأرواحنا امتزاجًا كبيرًا، بالإضافة إلى علاقة الأخوة والنشأة في الأسرة الواحدة".

وُلد محمد قطب في عام 1919، وهو أصغر من أخيه "سيد" بنحو (13) عامًا، لكنّه تربى في البيئة الاجتماعية نفسها التي تربى فيها شقيقه، وإن لم يعش في كنف أبيه كثيرًا. انتقل إلى القاهرة في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، وعاش أيضًا في كنف خاله أحمد الموشي وتشرّب منه ومن سيد قطب حُبّ الأدب والكتابة، وبعد وفاة خالهما؛ انتقل محمد للعيش مع "سيد" الذي استقدم باقي أسرته، أمّه وأخواته البنات إلى القاهرة.

انتقل محمد من مربع إلى آخر، تبعًا لأخيه وتقلباته الفكرية، ففي البداية كان محبًّا للعقاد، لأنّ سيد كان مفتتنًا به، فلما انصرف عنه "سيد" انصرف عنه محمد، وأعلن إعجابه بـ "المازني"، ولما كان سيد منفتحًا ومقتنعًا بالنظريات العلمية السائدة وقتها، مثل نظرية التطور لدارون والتحليل النفسي لفرويد، وغيرها من الفلسفات الحديثة، التي كان القرن العشرون يموج بها، أُعجب بها محمد وكتب عنها، ولمّا تحول سيد إلى الفكر الإسلاموي الماضوي تبعه محمد، وبدأ يرفض هذه النظريات ويحتقرها، وقد دوّن هذا في مقدمة كتابه "الإنسان بين المادية والإسلام".

كان محمد قطب يتبع شقيقه الأكبر كأنّه يردّ له دينًا ما، ففي مقدمة أول إنتاجه الأدبي "سخريات صغيرة"، وهو كتاب يحتوي قصصًا قصيرةً اختارها محمد قطب وترجمها، كتب إهداءً لسيد يؤكد أنّه مدين له بحياته، فكتب: إلى أخي الذي علّمني كيف أقرأ وكيف أكتب وشملني برعايته منذ طفولتي، فكان لي والدًا وأخًا وصديقًا، إليه أهدي هذا الكتاب، لعلي أستطيع أن أفي بشيء من الدين العظيم".

زنزانة محمد قطب التي سجنه فيها سيد

لا نعلم إن كان "سيد" صنعه ليكون امتدادًا له، أو إن كان محمد هو من اختار أن يكون ظلًا لشقيقه، لكنّ تقديم "سيد قطب لـ "سخريات صغيرة " يوضح ماذا كان يريد من أخيه بقوله: "في مرحلة مبكرة ألقت الأقدار على كاهلي أن أكون أداتها في صنع مستقبل هذا الشاب "محمد قطب"، فحين وقف على عتبه التعليم العالي بعد شهادة الدراسة الثانوية كان ما يزال فتى صغيرًا يناهز الـ (16)، وكان عليّ أن أختار له المستقبل".

وبالفعل اختار له سيد المستقبل، فاختار له أن يدرس اللغة الإنجليزية رغم شغفه باللغة العربية، واختار له أن يرث فكره، وأن يكون امتداده وحارس أفكاره، وقد اختتم مقدمته بكلمة ذات دلالة فكتب: "أنت عزائي في حياة قصيرة، وامتدادي في الحياة وخالفي".

واستمر محمد قطب يسدد هذا الدين عمره كله، وعاش في ثوب أفكار أخيه ولم يغادرها حتى وفاته، وظل امتدادًا له، بل بديله في أوقات كثيرة. تروي زينب الغزالي في كتاب "أيام من حياتي" أنّهم، بإذن من المرشد الهضيبي، تدارسوا كتاب "معالم في الطريق"، وأنّهم كانوا في سبيل الإعداد لفترة تربوية طويلة لعناصر الإخوان تصل إلى (13) عامًا يتم فيها تربيتهم تربية إسلامية صحيحة، وفي (ص54) تصف علاقة محمد قطب بتنظيم الإخوان في ذلك الوقت أنّ محمد قطب كان يأتي بشكل دوري إلى بيتها في مصر الجديدة، ليوضح للشباب ما غمض عليهم فهمه، وكان الشباب يستوضحونه ويسألونه أسئلة كثيرة يجيب عنها، ممّا يعني أنّه لم يكن تابعًا لسيد في الفكر فقط، بل بديلًا له ونائبًا عنه في الوظيفة والمهمة داخل تنظيم الإخوان المسلمين.

الجاهلية في فكر الأخوين قطب

 تاريخيًّا يمكننا اعتبار أنّ أبا الأعلى المودودي هو أول من وسم المسلمين المعاصرين له بأنّهم في جاهلية بشكل واضح، لكنّ "الأخوين قطب" هما من نشرا الفكرة وبثاها في نفوس أعضاء الحركات الإسلاموية، بدأها سيد في "الظلال" و"معالم في الطريق"، واستكملها أخوه محمد في كتبه التالية، وأشهرها كتاب "جاهلية القرن العشرين"، الذي كتبه محمد قطب في نهاية السبعينات، واستمرت طباعته حتى نهاية التسعينات، وهو ما يعني أنّ عشرات الطبعات ومئات الألوف من النسخ تلقفها شباب تلك الفترة، وشكلت وعيهم ورسمت اتجاهاتهم نحو مجتمعاتهم وأوطانهم وفق ما جاء في الكتاب.

جاهلية البشرية جمعاء

في هذا الكتاب يقرر محمد قطب في (ص9) "أنّ جاهلية القرن العشرين في الواقع أبشع جاهلية في تاريخ البشرية على ظهر الأرض، وفي (ص 17) يقرر أنّ البشرية جمعاء أمام وضعين لا ثالث لهما؛ "إمّا الهُدى، وإمّا الضلال، أو بمعنى آخر؛ "إمّا الإسلام، وإمّا الجاهلية"، ثم يحكم على البشرية جمعاء أنّها تعيش في جاهلية شاملة، فكتب: "الطاغوت الحاكم في الأرض وصل إلى حد حاسم، وانقلب الخير حسيرًا لا يملك أمرًا في ظل الطاغوت". ويقول في (ص 14): لن يصدّق الناس في بادئ الأمر أنّ ما هُم فيه اليوم من اضطراب يشمل وجه الأرض قد نشأ من بُعدهم عن الله"، هذا الاستسهال في توصيف مشكلة البشرية أدى إلى الاستسهال في رصد مظاهر الجاهلية أو الضلال.

ينتقل محمد قطب مفصلًا الحديث عن حال المجتمعات الإسلامية: "تلك الجاهليات التي تقول إنّها تعرف الله، وتظنّ أنّها تؤدي العبادة الحقة لله...، كل هذه الجاهليات تجادل في الأمر وتظن أنّها على حق، لكن كيف يعقل، وكيف يعبدون الله - في زعمهم - وهم يأخذون نظام حياتهم من غير الله؟". فنجده يقرر أنّ مظاهر الجاهلية الحديثة تشمل (أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية، ومجتمعات ومناهج تربوية ومؤسسات الدولة... إلخ)، والبرلمان والانتخابات وتشريع القوانين، نظرًا لأنّ الإنسان هو من يقوم بتشريعها، ويرفض الديمقراطية ويرفض اعتبارها علاجًا للديكتاتوريات وللظلم الاجتماعي، ويصل قطب الأصغر في كتابه جاهلية القرن العشرين (ص61) إلى "أنّ الدولة وقوانينها هي الإله الثالث الذي تعبده الجماهير راضية أو مكرهة، وتخضع لسلطانها خضوعها لله"، و"أنّ أول خطوة للخروج من الجاهلية العودة إلى الإسلام، والعودة إلى منهج الله، والحكم بما أنزل الله، أو فيما سيُعرف بـ "الحاكمية".

الجاهلية بداية تكفير المجتمعات

يُفصّل محمد قطب الحديث أكثر عن واقع "الأمّة المسلمة"، مبينًا أنّها انحرفت كثيرًا، في اطراد وتوافق تام مع أفكار أخيه سيد، ويرى أنّ الأمّة الإسلامية لا تُعدّ أمّة مسلمة، حتى وإن كانت ما تزال تتسمّى بأبناء المسلمين وتصلي أحيانًا وتصوم".

هذا الموقف من المجتمعات الإسلامية وجد فيه نفسه مضطرًا لطرح هذا التساؤل والإجابة عنه، وظل يردده محمد قطب في كل كتبه، وحمل فيه رسائل إلى شباب الحركات الإسلاموية تحت فصل بعنوان "قضية الحكم على الناس"، فكتب يقول: "أولئك الناس الذين لم ينضموا إلى صفوف الحركة، ولم يصبحوا من أفراد القاعدة الصلبة التي تتلقى الإعداد والتربية، هل نحكم عليهم بأنّهم مسلمون أم كفار؟ ويصل في النهاية إلى أنّ من وصلته دعوة الحركة الإسلامية فأبى وأصرّ - بعد البيان والتعليم - فهو الكافر بلا شبهة، وأمّا من أجاب الدعوة، فهو المسلم بلا شبهة.

أفكار كثيرة متطرفة تمثل بذور التكفير والإرهاب، تحتفظ بها تلك المدرسة وتنتظر الفرصة لإعادة غرسها ورعايتها حتى تجني ثمارها، ونحن الآن في أمسّ الحاجة لتفكيك أفكار تلك المدرسة، ولا يكفي تقرير هنا أو هناك أو موقف لكاتب أو مجموعة كُتّاب، بل يجب أن يحمل المجتمع مشروعًا فكريًا يقابل مشروع قطب والإخوان، وإذا تباطأنا، فالطوفان قادم.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية