أوكلاهوما ساحة اختبار جديدة لتحول أمريكي أوسع نحو تفكيك شبكات الإخوان المسلمين

أوكلاهوما ساحة اختبار جديدة لتحول أمريكي أوسع نحو تفكيك شبكات الإخوان المسلمين

أوكلاهوما ساحة اختبار جديدة لتحول أمريكي أوسع نحو تفكيك شبكات الإخوان المسلمين


20/08/2026

يمكن القول إنّ الأمر التنفيذي الذي أصدره حاكم ولاية أوكلاهوما الأمريكية كيفن ستيت، بفتح تحقيق أمني واستخباراتي حول أنشطة جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" (CAIR)، هو خطوة تتجاوز حدود الجدل السياسي المعتاد حول الإسلام السياسي، إلى اختبار أمني رسمي تقوده أجهزة الولاية.

الأمر الذي دخل حيز التنفيذ فور صدوره في 12 آب (أغسطس) الجاري، دفع إدارة السلامة العامة في أوكلاهوما ومكتب الأمن الداخلي التابع لها إلى إجراء تقييم يستند إلى المعلومات الاستخباراتية، واتخاذ ما يسمح به القانون من إجراءات وقائية وتحقيقية إذا أسفرت النتائج عن معطيات تستدعي ذلك. كما وجّه مسؤولي الأمن في الولاية إلى الدفع باتجاه تحرك فيدرالي لتصنيف الإخوان المسلمين و"كير" منظمتين إرهابيتين أجنبيتين بموجب القانون الأمريكي.

ويعكس القرار مسارًا ذا شقين؛ الأوّل محلي يتعلق بالبحث في وجود نشاط أو أفراد أو كيانات قد يشكلون تهديدًا داخل أوكلاهوما، والثاني سياسي ـ اتحادي يهدف إلى حشد المؤسسات الفيدرالية لاتخاذ خطوة لا يملك حاكم الولاية سلطة اتخاذها بنفسه، وهي إدراج أيّ منظمة في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وهنا تكمن أهمية الأمر؛ فستيت لم يعلن تصنيفًا إرهابيًا، وإنّما أطلق عملية رسمية للبحث عن الأدلة التي يمكن أن تتحول، إذا توفرت، إلى توصيات وإجراءات قانونية لاحقة.

التعامل بجدية مع خطر الإخوان

برّر ستيت قراره بأنّ سكان الولاية يتوقعون من حكومتهم التعامل بجدية مع مخاطر الإرهاب ومنعها قبل أن تتحول إلى وقائع. وقال إنّ إدارته ستستخدم "كل الأدوات القانونية المتاحة لحماية السكان وضمان عدم استخدام الموارد العامة الممولة من دافعي الضرائب في دعم الإرهاب أو من يسهّلونه".

ويستند الأمر إلى مسؤوليات قائمة أصلًا بموجب قانون الأمن الداخلي وقانون مكافحة الإرهاب في أوكلاهوما، اللذين يمنحان مؤسسات الولاية دورًا في رصد التهديدات الإرهابية والاستعداد لمواجهتها. غير أنّ الجديد في قرار ستيت هو توجيه هذه الصلاحيات تحديدًا نحو الإخوان المسلمين و"كير" والأشخاص والجهات التي قد تعمل نيابة عنهما.

وأشار حاكم الولاية إلى وجود منظمات وشبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين، عملت داخل الولايات المتحدة وجمعت أموالًا لدعم أنشطة مرتبطة بالإرهاب في الشرق الأوسط.

وضع هذا القرار مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" في واحدة من أكثر المواجهات القانونية والسياسية حساسية في الولايات المتحدة. فالمجلس يعرّف نفسه منظمة للحقوق المدنية والدفاع عن المسلمين الأمريكيين، ولم يكن، وقت صدور أمر أوكلاهوما، مصنفًا على المستوى الفيدرالي الأمريكي منظمة إرهابية أجنبية. ويستند جانب من الجدل حول "كير" إلى ملف قضية مؤسسة الأرض المقدسة الخيرية، وهي قضية تمويل إرهاب كبرى في الولايات المتحدة. فقد ظهر اسم "كير"، إلى جانب أكثر من مئتي جهة أخرى، في وثائق القضية ضمن قائمة متآمرين غير متهمين، على خلفية سجلات ومعاملات مرتبطة بالمؤسسة، لكنّ المجلس لم يُتهم جنائيًا في القضية.

ولا يأتي تحرك أوكلاهوما من فراغ، فهو مرتبط بتحول أوسع في المقاربة الأمريكية تجاه بعض فروع الإخوان المسلمين، بعد إجراءات فيدرالية سابقة استهدفت فروعًا بعينها، لا التنظيم العالمي بوصفه كيانًا واحدًا متجانسًا قانونيًا.

وكانت الإدارة الأمريكية قد اتخذت خطوات تجاه فروع محددة من الجماعة على خلفية علاقاتها أو أنشطتها خارج الولايات المتحدة. وتشير المعطيات الواردة في السياق الأمريكي الأخير إلى أنّ فروعًا في لبنان والسودان والأردن ومصر تعرضت لتصنيفات إرهابية. وهذا التطور يوضح الفارق بين المقاربة الفيدرالية الحالية وبين ما يطلبه حاكم أوكلاهوما؛ إذ إنّ واشنطن تعاملت مع فروع وجماعات محددة وفق ملفات وأفعال معينة، بينما يدفع ستيت نحو فحص أوسع للامتدادات والشبكات التي قد تعمل داخل الولايات المتحدة أو تتصل بهذه البنية الفكرية والتنظيمية.

قرار ستيت ليس حالة منفردة بين الحكام الجمهوريين. فقد سبقته تحركات في ولايتي تكساس وفلوريدا استهدفت "كير" والإخوان المسلمين بإجراءات وتصنيفات على مستوى الولاية. وبذلك أصبحت أوكلاهوما جزءًا من اتجاه سياسي وأمني أوسع داخل الولايات الجمهورية، يقوم على نقل ملف الإسلام السياسي من النقاش الفكري والانتخابي إلى المؤسسات الأمنية والقانونية المحلية، مع ممارسة ضغط متزايد على الحكومة الفيدرالية لاتخاذ قرارات على مستوى الولايات المتحدة كلها.

غير أنّ سلطة التصنيف الفيدرالي تبقى خارج اختصاص حكام الولايات. ولذلك فإنّ القيمة العملية لأمر أوكلاهوما ستتوقف على ما ستصل إليه أجهزة السلامة العامة والأمن الداخلي من معلومات، وما إذا كانت ستظهر أدلة يمكن تقديمها إلى السلطات الفيدرالية لمنع خطر تغلغل الإخوان.

الإخوان تحت المجهر

في جوهره، يفتح أمر أوكلاهوما معركة على مستويين متوازيين: الأوّل يتعلق بالسؤال الأمني حول وجود شبكات أو أفراد أو تدفقات مالية أو علاقات تنظيمية يمكن أن تربط جهات تعمل داخل الولاية بمنظمات إرهابية. والثاني يتعلق بالحدود الفاصلة بين التحقيق المشروع في التهديدات وبين تحويل الانتماء الديني أو النشاط المدني إلى موضع اشتباه جماعي. وهو ما تحاول "كير" الدفع تجاهه لتحويل الأمر إلى مسألة دينية، وتصنيف القرار ضمن هوس الإسلاموفوبيا، من أجل الإفلات من الإدانة.

الحاكم ستيت اختار أن يضع الإخوان و"كير" تحت مجهر أجهزة الأمن، مستندًا إلى تاريخ العلاقات بين منظمات العنف وبعض تيارات الإخوان، وإلى سجالات وملفات قانونية سابقة داخل الولايات المتحدة. لذلك فإنّ المعركة الحقيقية لن تُحسم بالأمر التنفيذي نفسه، بل بما ستنتجه التحقيقات. فإذا كشفت أجهزة أوكلاهوما عن أدلة موثقة على تمويل أو دعم أو تنسيق مع تنظيمات إرهابية، فسيكون القرار قد فتح مسارًا نحو قضية أمنية ذات أبعاد اتحادية. أمّا إذا انتهى الفحص من دون نتائج جوهرية، فسيبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان التحقيق جزءًا من استراتيجية أمنية وقائية أم ورقة سياسية في مرحلة تتقاطع فيها انتخابات داخلية، وحرب خارجية، وتصاعد المخاوف الأمريكية حول الإخوان المسلمين والإسلام السياسي.

وبين الاحتمالين، تمثل أوكلاهوما الآن ساحة اختبار جديدة لتحول أوسع في الولايات المتحدة، من أجل الانتقال من مراقبة بعض فروع الإخوان في الخارج إلى محاولة تفكيك ورصد امتدادات الجماعة وشبكاتها داخل المجتمع الأمريكي، وهي معركة لن يكون معيارها الحاسم الخطاب السياسي، بل قدرة السلطات على تقديم أدلة قانونية تثبت مدى تورط الإخوان في خلق مجتمعات منعزلة، والترويج لخطاب العنف والإقصاء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية