التدين على طريقة الإخوان.. حين يتحول الاستعراض الديني إلى أداة للنفوذ

التدين على طريقة الإخوان.. حين يتحول الاستعراض الديني إلى أداة للنفوذ

التدين على طريقة الإخوان.. حين يتحول الاستعراض الديني إلى أداة للنفوذ


20/08/2026

لم يكن حضور جماعة الإخوان في المجتمع قائمًا على النشاط السياسي والتنظيمي وحده، بل ارتبط منذ مراحلها الأولى ببناء صورة دينية خاصة لأعضائها، تقوم على إظهار الالتزام والتميز في السلوك والمظهر والممارسة العامة. 

وفي قراءة حديثة لهذا المسار، وصف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة طارق أبو السعد ما سماه «التدين الاستعراضي»، معتبرًا، في تصريح لموقع "اليوم السابع"، أن الجماعة نقلت العبادة في بعض ممارساتها من كونها علاقة روحية وأخلاقية إلى مساحة للظهور وإثبات الحضور داخل المجال العام.

وتقوم فكرة التدين الاستعراضي، وفق ما طرحه أبو السعد، على إعطاء الشكل مساحة أكبر من المضمون، بحيث تصبح مظاهر الالتزام الديني قابلة للعرض أمام المجتمع، ويصبح التميز في الهيئة والخطاب والممارسة العلنية جزءًا من هوية العضو داخل الجماعة. 

وينقل الباحث عن الكاتب والمفكر ثروت الخرباوي وصفه لهذا النمط بـ«التدين الاستعراضي»، فيما يشير إلى أن الجماعة سعت إلى صناعة هوية دينية لأعضائها تمنحهم حضورًا خاصًا وتفصلهم رمزيًا عن محيطهم الاجتماعي. 

 وتتجاوز القضية حدود الشكل الخارجي لتصل إلى طريقة استخدام الرموز والممارسات الدينية في بناء النفوذ، خصوصًا عندما يصبح الدفاع عن ممارسة أو رمز ديني بمثابة دفاع عن الجماعة نفسها، وعندما يُقدَّم الانتصار التنظيمي في قضية محدودة باعتباره انتصارًا للدين.

المظهر الديني.. هوية تنظيمية قبل أن يكون سلوكًا فرديًا

ويرى أبو السعد أن الجماعة عملت منذ تأسيسها على إيجاد مساحة واسعة داخل المجتمع، وأن بناء المساجد كان أحد المجالات التي تحركت فيها باعتبار المسجد رمزًا للعبادة والحضور الديني. 

لكن الباحث يضع الفارق في طريقة توظيف هذا الحضور، إذ يرى أن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الدين من مضمون يُعاش إلى صورة تُعرض، ومن قيمة تهذب السلوك إلى علامة تميز جماعة بعينها عن محيطها. ووفق هذا الطرح، تصبح الممارسة الدينية العلنية جزءًا من صناعة هوية الجماعة، وليس مجرد ممارسة يؤديها أفرادها كما يؤديها سائر أفراد المجتمع. 

وتتسع دائرة هذه الهوية لتشمل مجموعة من العلامات التي يمكن ملاحظتها بسهولة، من المظهر الخارجي إلى طريقة الحديث واستخدام المصطلحات الدينية والحرص على إبراز الالتزام أمام الآخرين. ويشير أبو السعد إلى مظاهر مثل اللحية والنقاب والكتاب الإسلامي والمخيمات والمعسكرات الإسلامية في المدن الجامعية باعتبارها صورًا ظهرت في مراحل لاحقة من إعادة تأسيس الجماعة خلال سبعينيات القرن الماضي. 

وهذه المظاهر لا تصبح بذاتها دليلًا على انتماء تنظيمي، لكن توظيفها داخل منظومة متكاملة للهوية يجعلها جزءًا 

وتمنح الصورة الدينية صاحبها في المجال العام رصيدًا رمزيًا مختلفًا عن الرصيد الذي يمكن أن يحصل عليه السياسي التقليدي؛ فالشخص الذي يظهر في صورة المتدين الورع لا يدخل إلى المجال الاجتماعي من بوابة السياسة وحدها، وإنما يقدم نفسه من خلال منظومة قيم دينية تحظى بمكانة كبيرة لدى الجمهور. 

وهنا يصبح المظهر مقدمة للخطاب، وتصبح الصورة السابقة على الكلام عنصرًا مؤثرًا في استقبال ما يقوله صاحبه لاحقًا، خصوصًا عندما يرتبط الخطاب بالمواعظ أو الآيات أو الأحاديث أو القضايا الدينية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أهمية صناعة صورة العضو داخل التنظيم؛ فالعضو لا يظهر باعتباره ناشطًا سياسيًا فقط، وإنما باعتباره شخصًا يحمل نموذجًا دينيًا وأخلاقيًا مختلفًا. وهذه الصورة تمنح التنظيم قدرة على الاقتراب من المجتمع عبر مساحة أكثر حساسية من السياسة المباشرة، لأن الرسالة لا تقدم نفسها باعتبارها موقفًا حزبيًا قابلًا للنقاش، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن الالتزام بالدين والقيم.

ويصبح الخطر في هذه الحالة مرتبطًا بالخلط بين الانتماء الديني والانتماء التنظيمي. فعندما تتداخل صورة المتدين مع صورة عضو الجماعة، يصبح نقد الجماعة قابلًا للتقديم على أنه نقد للدين أو لمظاهر الالتزام، بينما يكون موضوع النقد في الحقيقة هو التنظيم أو طريقة استخدامه للرموز الدينية. 

وهنا تتحول الهوية الدينية من مساحة شخصية ومجتمعية مشتركة إلى أداة للتمايز التنظيمي وإنتاج النفوذ الرمزي.

من العبادة إلى المعركة.. توظيف القضايا الدينية لصناعة الحضور

هذا ويقدم ملف صلاة العيد في الخلاء الذي أورده أبو السعد، مستندًا إلى مذكرات حسن البنا، نموذجًا واضحًا على الطريقة التي يمكن أن تتحول بها مسألة دينية فرعية إلى قضية ذات صدى اجتماعي واسع. 

فبحسب الرواية، طرح البنا في الإسماعيلية قضية أداء صلاة العيد في الخلاء بدلًا من المساجد، باعتبارها سنة مهجورة ينبغي إحياؤها، لتدخل المدينة في حالة من الجدل حول المسألة. 

ويشدد أبو السعد على أن القضية في أصلها خلاف فقهي حول مكان الصلاة، لكن تحويلها إلى مواجهة اجتماعية واسعة هو موضع الدلالة في قراءته. 

وتكشف الرواية نفسها عن مفارقة لافتة؛ فبحسب ما أورده أبو السعد، وبعد الجدل الذي صاحب القضية، لم يؤد البنا صلاة العيد مع الناس في الخلاء، وإنما عاد إلى القاهرة وصلى في مسجد القماري بالدرب الأحمر. 

وفي المقابل، تعرض رواية منشورة على موقع تابع للجماعة صورة مختلفة تؤكد حضور البنا في المناسبات الدينية واهتمامه بصلاة العيد وخطبة الجمعة والتراويح ومشاركة الإخوان مناسباتهم الاجتماعية. 

وهذا الاختلاف بين الروايات يجعل من الضروري التعامل مع الواقعة باعتبارها مادة تاريخية تحتاج إلى قراءة مصادرها، لا باعتبارها حكمًا فقهيًا على الصلاة في الخلاء أو المساجد. 

وتكمن أهمية الواقعة في الطريقة التي تتحول بها قضية محدودة إلى مساحة لإثبات الحضور؛ فالقضية الدينية تصبح محركًا للجدل، والجدل بدوره يمنح الجماعة مساحة أكبر للظهور، ثم يتحول الظهور إلى صورة عن جماعة تحمل راية الالتزام وتدافع عن السنة. 

ووفق قراءة أبو السعد، كان هذا النوع من الصخب حول الفرعيات إحدى الوسائل التي ساعدت الجماعة على تحويل القضايا الدينية إلى أدوات لإثبات التفوق التنظيمي وفرض الحضور في المجال العام. 

ويتكرر النموذج، بحسب المصدر نفسه، في نشاط طلبة الإخوان داخل الجامعة المصرية عام 1938، حيث يستند أبو السعد إلى ما أورده عبد الحليم محمود في كتابه «الإخوان: أحداث صنعت التاريخ» عن رغبة الطلاب في تنفيذ أعمال «مدوية» ذات صدى واسع، مع وضع المساجد في قلب هذا النشاط باعتبارها رمزًا للإسلام. وبذلك لا تصبح القضية مجرد توفير مكان لأداء الصلاة، بل تتحول إلى مساحة لإنتاج حدث يلفت الأنظار ويمنح الجماعة حضورًا يتجاوز عدد المشاركين فيها. 

وتكشف هذه الوقائع عن جوهر الفكرة التي يقوم عليها التقرير: الاستعراض لا يبدأ من العبادة نفسها، وإنما من تحويل العبادة إلى حدث اجتماعي قابل للاستثمار التنظيمي. فعندما يصبح الصراع حول مكان الصلاة أو بناء مسجد أو إظهار ممارسة دينية أكثر أهمية من أثر العبادة في سلوك الإنسان، تنتقل القضية من المجال الروحي إلى المجال الرمزي، ويصبح الهدف العملي هو الحضور والتأثير وصناعة الصورة.

التدين الاستعراضي.. صناعة التفوق الأخلاقي والرمزي

يمثل الاستعراض الديني أداة فعالة لصناعة ما يمكن تسميته بالتفوق الأخلاقي في المجال العام؛ فالجماعة التي تقدم نفسها باعتبارها الأكثر التزامًا تستطيع أن تجعل مواقفها السياسية والاجتماعية تبدو امتدادًا طبيعيًا لهذا الالتزام. 

ويصبح العضو في هذه الصورة حاملًا لصفة دينية تسبق صفته التنظيمية، بما يمنحه قدرة على التأثير في قطاعات من الجمهور تتعامل مع المظهر الديني بوصفه مؤشرًا على الاستقامة والأمانة والجدية.

وتزداد قوة هذه الآلية عندما تُربط القضايا التنظيمية بمفردات دينية كبيرة. فالموقف الذي يمكن مناقشته سياسيًا يصبح أكثر صعوبة في النقاش عندما يقدم باعتباره دفاعًا عن الإسلام، والاعتراض على الجماعة يمكن أن يُصوَّر باعتباره اعتراضًا على الدين نفسه.

 وقد أشار أبو السعد صراحة إلى هذه الآلية، موضحًا أن الجماعة، وفق قراءته، استطاعت في بعض الحالات تقديم الانتصار التنظيمي في قضية محدودة باعتباره انتصارًا للدين، وتحويل الاعتراض عليها إلى صورة من صور الاعتراض على الإسلام. 

وهنا تتضح وظيفة الاستعراض بصورة أكبر؛ فالمظهر لا يكتفي بجذب الانتباه، وإنما يساعد في تحديد موقع صاحبه داخل المجتمع. ومن يظهر بصورة المتدين الملتزم يستطيع أن يتحرك من موقع مختلف عن الناشط السياسي العادي، لأن الجمهور يتلقى رسالته عبر طبقة إضافية من الرمزية الدينية. 

وإذا ارتبطت هذه الصورة بممارسات تنظيمية مستمرة، فإنها تصبح جزءًا من عملية بناء الثقة واستقطاب المتعاطفين وتوسيع مساحة الجماعة الاجتماعية.

كما أن التركيز على الشكليات يسهل عملية التمييز بين «نحن» و«هم». فالمجموعة التي تعتمد علامات دينية محددة تستطيع أن تنتج لنفسها حدودًا رمزية، تجعل أعضاءها يشعرون بأنهم ينتمون إلى نموذج أكثر التزامًا، بينما يبدو المختلفون عنها أقل قربًا من الصورة الدينية التي تقدمها الجماعة. ويصبح هذا التمييز أكثر وضوحًا عندما تُستخدم المظاهر الدينية في تقييم الآخرين أو تصنيفهم، بدل أن تبقى مجرد تعبير عن قناعة شخصية.

ومن هنا يتحول التدين الاستعراضي إلى أداة نفوذ؛ لأنه يجمع بين ثلاث وظائف في وقت واحد: صناعة صورة إيجابية للعضو، بناء هوية مميزة للجماعة، ومنح الخطاب التنظيمي غطاءً دينيًا. 

وهذه الوظائف تجعل المظهر جزءًا من منظومة التأثير، وليس مجرد عنصر ثانوي في النشاط الإخواني. ولذلك فإن تفكيك هذه الظاهرة يحتاج إلى التمييز باستمرار بين التدين باعتباره ممارسة دينية مشروعة، وبين استخدام صورته لإنتاج سلطة اجتماعية أو تنظيمية.

من اللحية والنقاب إلى الكتاب والمعسكرات.. تطور أدوات الاستعراض

لم تتوقف مظاهر التدين الاستعراضي عند القضايا المرتبطة بالمساجد والعبادات، إذ يشير أبو السعد إلى أن إعادة تأسيس الجماعة في سبعينيات القرن العشرين شهدت بروز صور جديدة للتدين الظاهر، بينها اللحية والنقاب والكتاب الإسلامي والمخيمات والمعسكرات في المدن الجامعية. وهذه المظاهر تعكس انتقال الاستعراض من قضية دينية محددة إلى منظومة أوسع من الرموز التي يمكن من خلالها التعرف على الجماعة وأعضائها داخل المجتمع. 

ويمنح الرمز الديني الجماعة قدرة على التواصل السريع مع الجمهور؛ فالكتاب أو الزي أو المظهر أو المصطلح الديني يمكن أن يحمل رسالة مختصرة عن هوية صاحبه دون الحاجة إلى شرح طويل. 

وعندما تتكرر هذه الرموز داخل مساحة اجتماعية واحدة، فإنها تنتج صورة جماعية متماسكة، تجعل التنظيم حاضرًا بصريًا وسلوكيًا حتى قبل أن يتحدث أعضاؤه عن مشروعه السياسي.

وتعمل المعسكرات والأنشطة الجماعية بدورها على تعزيز هذه الهوية؛ فالممارسة المشتركة لا تؤدي وظيفة تربوية وتنظيمية فحسب، وإنما تنتج أيضًا مشهدًا جماعيًا يمكن أن يظهر فيه الأعضاء باعتبارهم كتلة متماسكة ذات نمط حياة خاص، ليصبح الاستعراض جزءًا من بناء الجماعة نفسها، لأن الصورة الخارجية تعكس درجة الانضباط الداخلي، وتمنح العضو شعورًا بأنه ينتمي إلى مجموعة مختلفة عن محيطها.

وتتصل هذه العملية كذلك بفكرة «القدوة» التي تقوم على تقديم العضو المتدين بوصفه نموذجًا يحتذى. وفي هذه الحالة، لا يكتفي العضو بممارسة ما يراه التزامًا دينيًا، وإنما يصبح مطالبًا بالحفاظ على صورة تتطابق مع النموذج الذي تقدمه الجماعة. 

وكلما ارتفعت قيمة الصورة داخل التنظيم، زاد الضغط للحفاظ عليها، وتحولت المظاهر إلى مؤشرات على الانتماء والالتزام والانضباط.

وبذلك يصبح تطور أدوات الاستعراض انعكاسًا لتطور أدوات الجماعة في بناء حضورها؛ من المسجد والمعركة حول الفرعيات، إلى المظهر الشخصي والكتاب والمعسكرات، ثم إلى المجال الإعلامي والرقمي في مراحل لاحقة. 

ولا يعني ذلك أن كل شخص يرتدي زيًا دينيًا أو يطلق لحيته أو يشارك في نشاط ديني ينتمي إلى الإخوان، وإنما يتعلق الأمر بالبنية التي تجمع هذه العلامات داخل مشروع تنظيمي يسعى إلى إنتاج هوية مميزة وحضور اجتماعي واسع.

الدين في الواجهة.. الاستعراض كغطاء للمشروع التنظيمي

تكمن إحدى أهم نتائج التدين الاستعراضي في قدرته على نقل التنظيم من مساحة السياسة المباشرة إلى مساحة أكثر تأثيرًا في الوعي الجمعي. فعندما تقدم الجماعة نفسها باعتبارها حامية للدين أو مدافعة عن السنة أو ممثلة للقيم الإسلامية، فإنها لا تخوض المنافسة السياسية بالوسائل السياسية وحدها، وإنما تضيف إليها سلطة رمزية مصدرها الدين. وهذا ما يجعل الفصل بين الخطاب الديني والمشروع التنظيمي مسألة أساسية في فهم تجربتها.

ويؤدي هذا التداخل إلى إعادة تعريف الخصومة؛ فبدل أن تكون مواجهة بين مشروعين سياسيين أو تنظيمين، يمكن أن تتحول إلى مواجهة بين «التدين» و«معارضيه». 

وهذه الصورة تمنح الجماعة أفضلية رمزية، لأنها تدفع الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه أمام اتهام ضمني بالابتعاد عن الدين، بينما لا تضطر الجماعة بالقدر نفسه إلى تقديم مشروعها التنظيمي باعتباره موضوع النقاش الأساسي.

ومن هنا يمكن فهم ما قصده أبو السعد عندما تحدث عن انتقال العبادة من مضمونها إلى صورتها، وعن تحويل بعض القضايا الدينية إلى معارك شكلية بهدف التمدد التنظيمي وفرض الحضور في المجال العام. فالمعيار يصبح أحيانًا هو حجم الصدى الذي أحدثته القضية، ومدى قدرتها على تقديم الجماعة بوصفها طرفًا يدافع عن الدين، بدلًا من قياس أثر العبادة في تهذيب السلوك وترسيخ الرحمة والعدل والأمانة. 

وتكشف متابعة تاريخية لهذه الممارسات عن مسار متدرج: تبدأ العملية بإظهار الالتزام، ثم تتحول المظاهر إلى هوية جماعية، ثم تصبح الهوية وسيلة للتمايز، وبعد ذلك يمكن توظيف التمايز في إنتاج النفوذ.

 وفي هذه المرحلة لا يعود المظهر مجرد انعكاس للانتماء، وإنما يصبح أحد أدوات إنتاج الانتماء نفسه، لأن الفرد يتعلم أن الظهور بصورة معينة جزء من اندماجه داخل الجماعة ومن صورته أمام الآخرين.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية