
بعد ستة أعوام على سقوط آخر معاقل تنظيم داعش الإرهابي في الباغوز عام 2019، ما تزال سوريا تمثل بؤرة قلق عالمي، ليس فقط بسبب الانقسام السياسي والعسكري، بل بسبب آلاف العناصر المحتجزين وعائلاتهم داخل مخيمات الشمال السوري. هذه المخيمات، بحسب دراسة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى "مجتمعات داعشية مصغّرة"، تُعيد إنتاج الفكر المتطرف وتنقل عدواه إلى جيل جديد من النساء والأطفال.
وفي ظل غياب رؤية دولية للتعامل مع هذا الملف، واستمرار رفض العديد من الدول استعادة مواطنيها، تبدو المخيمات أشبه بـ "قنبلة موقوتة" تهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
جذور الأزمة وبداية المخيمات
تشير دراسة مرصد الأزهر إلى أنّ جذور الأزمة تعود إلى عام 2014، مع إعلان أبو بكر البغدادي قيام ما سُمّي بـ "الخلافة الإسلامية". توسُّع التنظيم وسيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا دفع عشرات الآلاف من المدنيين للنزوح، والتحقت زوجات المقاتلين وأطفالهم بالمناطق الخاضعة لسيطرته.
وبعد هزيمة التنظيم عسكريًا، أُنشئت مخيمات ضخمة مثل الهول والروج، التي تؤوي اليوم أكثر من (80) ألف شخص، من بينهم نحو (42) ألف من الجنسيات الأجنبية. هذه التركيبة السكانية، بحسب الدراسة، خلقت بيئة معقدة يصعب السيطرة عليها، حيث يتداخل المدنيون بالعناصر الموالية للتنظيم، وهو ما يجعل من المستحيل فرز "البريء" من "المتورط".
الدول بين الاستعادة والإنكار
المعضلة الأساسية التي ترصدها الدراسة تتمثل في تباين مواقف الدول تجاه مواطنيها العالقين. بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا سلكت نهجاً متشدداً، أبرز مثال قضية شميمة بيجوم التي جُرّدت من جنسيتها رغم كونها ضحية تجنيد قسري.
على النقيض، تبنت دول مثل كوسوفو سياسة أكثر انفتاحاً، حيث أعادت (253) امرأة وطفلاً ونجحت في دمجهم عبر برامج تأهيل اجتماعي. أمّا العراق، فقد اختار مواجهة الملف بشجاعة، فأعاد آلاف المقاتلين والنساء والأطفال بعد إخضاعهم للمحاكمة أو التأهيل.
ووفقاً لمرصد الأزهر، يعكس هذا التباين إشكالية أخلاقية وقانونية في التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، بين المسؤولية الوطنية والخوف من عودة الخطر.
مخيمات تحت سيطرة "داعشيات"
بحسب دراسة مرصد الأزهر، فإنّ المخيمات تحولت تدريجياً إلى بيئات يحكمها منطق القوة والتطرف، حيث تسيطر "الحسبة النسائية" التابعة لداعش على الحياة اليومية. النساء المواليات للتنظيم يفرضن تشريعات متشددة، ويعاقبن من يخالفها بالضرب أو القتل أحياناً.
الأطفال من جانبهم يتعرضون لعمليات "غسيل دماغ" يومية، تُرسخ عقيدة التنظيم وتُربّي جيلاً جديداً من المقاتلين. الدراسة تصف هذه البيئة بأنّها "نسخة مصغّرة من دولة داعش"، تكرّس خطاب الكراهية وتعيد إنتاجه، وهو ما ينذر بخطورة استمرار هذه المخيمات دون تدخل جذري.
تهديدات خارج الحدود
لا تقف خطورة المخيمات عند حدود سوريا. مرصد الأزهر يُحذّر من أنّ الفكر المتطرف بات عابراً للقارات، مستشهداً بهجمات أوروبية وأمريكية نفذها أفراد تأثروا بداعش عن بُعد، مثل هجوم سان برناردينو في كاليفورنيا (2015) وتفجير مانشستر أرينا (2017).
ويقول: إن "استمرار المخيمات دون حلول جذرية يعني أنّ خطر "الذئاب المنفردة" سيظل قائماً، وأنّ شبكات داعش ستظل قادرة على استقطاب أفراد من مختلف أنحاء العالم عبر الفضاء الإلكتروني، مستفيدة من مظلومية "النساء والأطفال العالقين" كخطاب تعبوي.
داعش الجديد... من سوريا إلى أفريقيا
تؤكد دراسة مرصد الأزهر أنّ المخيمات قد تتحول إلى نقطة انطلاق نحو ولادة "داعش جديد"، خاصة مع استمرار نشاط فروع التنظيم في أفريقيا وآسيا. ففي الساحل الأفريقي تضاعفت أعداد مقاتلي "ولاية داعش" بين عامي 2018 و2025 من (425) إلى ما بين (2000) و(3000) عنصر.
هذا التمدد يعكس قدرة التنظيم على استغلال الفوضى، ويُثبت أنّ الخطر لم يعد محصوراً في الشرق الأوسط. المخيمات السورية، إذا استمر الإهمال الدولي لها، قد توفر رافداً بشرياً لهذه الفروع النشطة، سواء عبر التهريب أو التجنيد المباشر.
التحديات الداخلية في سوريا
إلى جانب البُعد الدولي، ترصد الدراسة التحديات الداخلية التي تُفاقم الأزمة، مثل هشاشة الوضع الأمني وتغير القيادة السياسية في كانون الأول (ديسمبر) 2024، واستمرار التوترات الطائفية في مناطق مثل السويداء.
هذا المناخ الداخلي، وفق مرصد الأزهر، يمثل بيئة خصبة لاستغلالها من قبل التنظيمات الإرهابية. ومع ضعف سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي تتحمل عبء إدارة المخيمات، فإنّ احتمالات الانفلات الأمني أو الهروب الجماعي تظل قائمة، بما يعيد سيناريو الباغوز من جديد.
الأبعاد الإنسانية
رغم الطابع الأمني المهيمن على النقاش، لا تغفل دراسة مرصد الأزهر الأبعاد الإنسانية الكارثية. فالأوضاع المعيشية في المخيمات متردية، مع نقص الغذاء والدواء والتعليم، وانتشار الأمراض والعنف الداخلي. النساء والأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، حيث يعانون من انعدام الأفق وضغط إيديولوجي يومي. هذه المعاناة الإنسانية لا تنفصل عن الخطر الأمني، لأنّ استمرارها يُسهم في تكريس خطاب المظلومية الذي يستثمره تنظيم داعش في دعايته، ويستقطب به عناصر جديدة من داخل المخيمات وخارجها.
وخلصت دراسة مرصد الأزهر إلى أنّ المخيمات السورية ليست مجرد تحدٍّ محلي، بل هي تهديد عالمي للأمن والسلم الدوليين. فهي تجمع بين ثلاثة عناصر خطيرة: بنية فكرية متطرفة، وجيل جديد من الأطفال القابل للتجنيد، وغياب خطة دولية لمعالجة الملف.
الدراسة توصي بضرورة:
ـ تحمّل الدول مسؤوليتها تجاه مواطنيها، بدلاً من تركهم في بيئة متطرفة.
ـ تطوير برامج تأهيل نفسي وفكري واجتماعي للنساء والأطفال، بدعم دولي ومراقبة أممية.
ـ تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول لمراقبة المخيمات ومنع عمليات التهريب والهروب.
ـ اعتبار المخيمات قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وليست مجرد ملف أمني.
وأخيراً، المخيمات في شمال سوريا، وفقاً لدراسة مرصد الأزهر، تمثل اليوم "قنبلة مؤجلة الانفجار". فالمجتمع الدولي الذي يحتفي بهزيمة داعش عسكرياً يغمض عينيه عن "المصانع المفتوحة" التي تُنتج جيلاً جديداً من المتطرفين في قلب هذه المخيمات.
ومع تصاعد نشاط التنظيم في أفريقيا، وضعف استقرار سوريا الداخلي، تبدو المخيمات مرشحة لتكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العنف، قد تتجاوز في خطورتها ما شهده العالم خلال العقد الماضي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)