جذور العنف والإرهاب في فكر الإخوان بين مصر والسودان

جذور العنف والإرهاب في فكر الإخوان بين مصر والسودان

جذور العنف والإرهاب في فكر الإخوان بين مصر والسودان


15/09/2025

منذ تأسيسها قبل نحو قرن من الزمن مثّلت جماعة الإخوان المسلمين بنية سياسية وإيديولوجية قائمة على فكرة العنف المنظم والتغلغل السرّي في المجتمعات والدول، وهو ما انعكس بوضوح في تجارب مصر والسودان على وجه الخصوص. 

دراسة صادرة عن المركز العربي للدراسات والأبحاث للباحث محمد الأمين أبو زيد، تتبعت في جزأين جذور هذا العنف، مؤكدة أنّ التنظيم لم يكن يوماً مجرد حركة دعوية، بل هو مشروع سلطوي توسّلي وظّف الدين لتبرير استخدام القوة وخلق أجهزة أمنية موازية داخل الدول.

شعارات الجهاد وازدواجية الخطاب

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 على أنقاض سقوط الخلافة العثمانية وبموازاة إعادة تشكيل المنطقة وفق اتفاقية سايكس-بيكو، ومنذ البداية رفعت الحركة شعارها الشهير: "الله غايتنا، القرآن دستورنا، الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، وهو شعار يكشف مركزية فكرة الجهاد والموت في سبيل الهدف السياسي.

الدراسة تؤكد أنّ الخطاب الإخواني ظلّ يقوم على ازدواجية لافتة؛ خطاب علني مسالم يُوجَّه للإعلام والرأي العام، يقابله خطاب داخلي تعبوي يقوم على تكفير الأنظمة السياسية القائمة واعتبار العنف وسيلة مشروعة للتغيير. هذه الازدواجية مثّلت جوهر سياسة الحركة وأساس مشروعها الذي لم يعترف بمفاهيم الديمقراطية أو الدولة الوطنية الحديثة.

التنظيم الخاص: دولة ظل داخل الدولة

أخطر ما شهده تاريخ الإخوان في مصر تمثّل في إنشاء التنظيم الخاص أو "التنظيم السرّي" في ثلاثينيات القرن الماضي، على يد حسن البنا. هذا الجهاز لم يكن مجرد ذراع عسكرية لمحاربة الاستعمار البريطاني، بل تحول إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين والإعداد للسيطرة على الحكم.

وتذكر الدراسة أنّ التنظيم الخاص عمل كـ "دولة ظل"، له هياكل أمنية وخلايا مستقلة تتدرّب على السلاح، وتخضع لبيعة سرّية قائمة على السمع والطاعة العمياء. ومن أبرز عملياته: اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1946، واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عام 1948، وتفجيرات استهدفت أحياء يهودية بالقاهرة، ومحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادثة المنشية عام 1954.

بهذا المعنى، لم يكن العنف طارئاً على الإخوان، بل كان جزءاً بنيوياً في مسارهم التنظيمي، حيث جرى دمجه في منظومة الولاء والطاعة، وتمريره باعتباره "جهاداً مشروعاً".

سيد قطب ومنظّرو العنف

انتقال الحركة من مرحلة التنظيم الخاص إلى مرحلة التنظير الفكري للعنف جاء مع كتابات سيد قطب، الذي اعتبر أنّ المجتمعات الإسلامية تعيش "جاهلية جديدة"، ودعا إلى تكوين "طليعة مؤمنة" لإقامة حكم الله بالقوة. هذا الفكر شكّل المرجعية الأولى لتنظيمات مثل "الجهاد المصري" و"الجماعة الإسلامية" و"التكفير والهجرة"، وصولاً إلى القاعدة وداعش.

الدراسة تذهب أبعد من ذلك لتؤكد أنّ فكرة "الحاكمية" والولاء والبراء والبيعة السرّية، التي أسس لها الإخوان، هي الجذر الإيديولوجي الذي غذّى كافة الحركات المتطرفة في المنطقة. بمعنى آخر، لا يمكن فصل موجات الإرهاب في الثمانينيات والتسعينيات، بما فيها اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 واغتيال المفكر فرج فودة عام 1992، عن الإرث الفكري والتنظيمي للإخوان.

النسخة السودانية: من الدعوة إلى التمكين

في السودان، دخل الفكر الإخواني عبر الطلاب العائدين من مصر منذ أربعينيات القرن العشرين، ليتأسس أول فرع للجماعة في الخرطوم عام 1949. غير أنّ التحول الأبرز حدث مع صعود حسن الترابي في الستينيات، حين أعاد صياغة الحركة تحت مسمّيات متعددة، مثل "جبهة الميثاق الإسلامي" و"الحركة الإسلامية" و"المؤتمر الوطني"، قبل أن ينجح في السيطرة على الحكم بعد انقلاب 30 حزيران (يونيو) 1989.

وكما في مصر، لم يكن العنف في السودان هامشياً، بل كان جزءاً من البنية التنظيمية، فقد اعتمدت الحركة على جهاز سرّي هرمي يقوم على الخلايا المستقلة، هدفه التغلغل في الدولة، وتجنيد الأعضاء وفق ولاء عقائدي صارم، وصولاً إلى مرحلة التمكين الكامل بعد الانقلاب.

الأجهزة الأمنية الموازية: دولة الرعب

واحدة من أخطر سمات التجربة الإخوانية في السودان كانت بناء أجهزة أمنية موازية خارج إطار المؤسسة الرسمية، لضمان السيطرة على الحكم ومراقبة المجتمع. وتفصّل الدراسة أبرز هذه الأجهزة:

ـ جهاز الأمن والمخابرات الوطني: الذراع الأقوى التي مارست الاعتقال والتعذيب والتدخل في الاقتصاد.

ـ كتائب الظل: ميليشيات سرّية متهمة بارتكاب جرائم قتل في انتفاضات 2013 و2018.

ـ الدفاع الشعبي: ذراع عسكرية عقائدية خاضت حروب الجنوب ودارفور.

ـ الشرطة الشعبية والأمن الطلابي: أدوات تجسس وقمع داخل الأحياء والجامعات.

ـ قوات الدعم السريع: انطلقت كميليشيا جنجويد ثم تحولت إلى قوة سياسية واقتصادية ضاربة.

هذه البنية لم تقتصر على الداخل، بل امتدت إلى الخارج بمحاولات اغتيال ودعم جماعات متطرفة مثل (القاعدة)، وهو ما وضع السودان على قوائم الإرهاب الدولية لسنوات طويلة.

الاقتصاد تحت قبضة الأمن

توضح الدراسة أنّ الأجهزة الأمنية الإخوانية في السودان لم تكن أداة قمع سياسي فقط، بل تحولت إلى لاعب اقتصادي مافيوي. سيطرت على شركات الذهب والاتصالات والعقارات، وأدارت اقتصاداً موازياً خارج الموازنة العامة، ممّا خلق تشوهات خطيرة في سعر الصرف وأدى إلى تهريب الموارد.

وأدى تخصيص نحو 60% من الموازنة للأمن والدفاع إلى تدمير الزراعة والصناعة والبنية التحتية. وبهذا المعنى لم يقتصر إرث الحركة على العنف، بل امتد إلى تدمير الاقتصاد الوطني، وإرساء نموذج يقوم على النهب والتمكين بدل التنمية.

من الماضي إلى الحاضر: استمرار الحلقة المفرغة

خلاصة الدراسة أنّ البنية السرّية التي أسسها الإخوان في مصر والسودان تفسّر كثيراً من الأحداث الراهنة. فالحرب المشتعلة في السودان منذ نيسان (أبريل) 2023 ما زالت تحمل بصمات هذه الشبكات الأمنية والعسكرية التي أنشأها الإسلاميون، وتشارك حتى اليوم في جرائم القتل والاعتقال والاختفاء القسري.

الإخوان، سواء في مصر أو السودان، قدّموا نموذجاً واحداً متكرراً، هو: خطاب دعوي موجّه للعامة، وبنية سرّية عنيفة تدير التنظيم من الداخل، وتحالفات ظرفية مع قوى خارجية، مع استعداد دائم لتدمير مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لصالح مشروع "التمكين".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية