
حين أطلق حسن البنا مشروعه التنظيمي عبر تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية عام 1928، لم يكن نظره منصرفًا إلى حدود الوعظ الديني أو العمل الخيري، بل كان يدرك برؤية نفعية أنّ أيّ مشروع إيديولوجي لن يملك مقومات البقاء ما لم يتمدد في الحيز الثقافي والاجتماعي. ومن هنا برزت نزعة انتهازية في حراكه، إذ لم يتعامل مع الثقافة والفنون بوصفها مجالات مستقلة أو محايدة، وإنّما كأدوات يمكن استثمارها لإعادة تشكيل وعي الجماهير واحتوائه في بنية الجماعة. فالمسرح الذي كان يُعدّ عند بعض الإسلاميين مجالًا "دنيويًا" أو "مضللاً"، تحوّل عند البنا إلى جسر وظيفي يخدم غاية التنظيم، وليس قيمة جمالية أو إبداعية قائمة بذاتها.
لقد كان المشهد المسرحي المصري في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي في ذروة ازدهاره، واستقطب كبار النجوم، أمثال يوسف وهبي ونجيب الريحاني وعلي الكسار، جماهير عريضة من مختلف الطبقات الاجتماعية. هذا الحضور الطاغي للفن المسرحي لم يكن غائبًا عن إدراك البنا، بل مثّل تحديًا وجوديًا أمام مشروعه، فطرح على نفسه سؤالًا استراتيجيًا: كيف يمكن مواجهة هذا النفوذ الثقافي الذي يملك سلطة على المخيال الجمعي؟ وكان جوابه محكومًا بعقلية نفعية: ليس بمحاربة المسرح من الخارج، بل بخلق مسرح بديل يحمل خطابًا دينيًا وأخلاقيًا، متدثرًا بغطاء الترفيه.
ومنذ البدايات الأولى للجماعة أنشأت بعض "الشُعب" فرقًا مسرحية محلية تُقدّم عروضها القصيرة أمام جمهور محدود في القرى والمدن. هذه العروض التي بدت في ظاهرها تسلية بريئة، كانت في حقيقتها خطابًا إيديولوجيًا موجّهًا بعناية. فالمسرحية قد تبدأ بمشهد اجتماعي بسيط عن شاب ضلّ طريقه بسبب إدمانه السينما أو الخمر، لكنّها تنتهي دومًا بالخلاص عبر العودة إلى "طريق الإسلام"، والانخراط في خطاب الجماعة. أو تُعرض مأساة عائلة مسحوقة بالفقر، ثم يُقدَّم الحل في الالتزام بالشريعة وتوجيه التبرعات لصالح الجماعة.
بهذه الكيفية تحوّل المسرح في يد حسن البنا إلى أداة وظيفية مزدوجة: فهو منبر تربوي وتنظيمي في آنٍ واحد، يُقدَّم للجمهور العريض بلغة سهلة وقريبة، متحررة من جفاف الخطاب الوعظي التقليدي، لكنّه في جوهره يعيد تشكيل البنية الرمزية للمجتمع بما يخدم مصلحة الجماعة ويكرّس هيمنتها. وهكذا يتبدى المسرح في مشروع البنا لا بوصفه فنًّا مستقلًا، بل كأداة في خدمة استراتيجية انتهازية تستثمر أدوات الحداثة الثقافية نفسها التي كان يزعم معارضتها.
البنا وإعادة صياغة مفهوم الفن
في إحدى رسائله، عبّر حسن البنا عن موقفه من الفنون قائلًا: "الفن وسيلة من وسائل التعبير، إن لم يُضبط بالشرع انحرف، وإن استُخدم في الدعوة كان سلاحًا مؤثرًا". هذه العبارة ليست مجرد توصيف عابر، بل هي تكثيف دقيق لمجمل مشروعه تجاه الفنون عامةً والمسرح خاصةً. فالبنا لم يكن خصمًا للفن من حيث وجوده، لكنّه رفض استقلاليته كحقل جمالي قائم بذاته، وأراد أن يخضعه لسلطة معيارية يحددها الدين وفق تأويله، بحيث يتحول الفن من قيمة إبداعية إلى أداة وظيفية في خدمة الدعوة والتنظيم.
منذ البدايات الأولى للجماعة أنشأت بعض "الشُعب" فرقًا مسرحية محلية تُقدّم عروضها القصيرة أمام جمهور محدود في القرى والمدن
هذه الرؤية لم تنحصر في المسرح وحده، بل انسحبت على الأدب والموسيقى والسينما، لكنّها وجدت في المسرح وسيلتها الأبرز، بالنظر إلى طبيعته المركبة التي تجمع بين الكلمة والصورة والأداء الحي أمام الجمهور. وبذلك أصبح المسرح في تصوّر البنا منبرًا تعبويًا بامتياز، قادرًا على التأثير المباشر في وعي الجماهير وإعادة صياغة منظوماتهم الرمزية.
واللافت أنّ المسرحيات الإخوانية لم تُطرح بوصفها امتدادًا للمسرح السائد، بل كضد نوعي له، إذ وُضعت في مواجهة المسرح التجاري الذي كان في أوج ازدهاره آنذاك. ففي حين قدّم يوسف وهبي عروضًا جريئة تتناول الخيانة والفساد والطبقية، قدّم الإخوان مسرحيات تربوية تدعو إلى الفضيلة والانضباط الأخلاقي. وفي الوقت الذي استخدم فيه نجيب الريحاني الكوميديا الساخرة لتفكيك السياسيين والنخب، وظّف الإخوان المسرح لإبراز فساد هذه النخب نفسها ولكن من منظور دعوي، مقدّمين خطابًا بديلًا يوجّه نحو ما سمّوه بـ "المجتمع الإسلامي البديل".
بعبارة أخرى، كان المسرح الإخواني مشروعًا إيديولوجيًا يستعير البنية الشكلية للمسرح السائد، لكنّه يقلب رسالته على نحو يعكس موقعه الإيديولوجي. فبدلًا من السخرية من رجال الدين والتقاليد، كانت موضوعات السخرية تتجه إلى "المتحررين" و"العلمانيين". لقد أراد البنا أن يحتكر لغة المسرح، فيحوّله من فضاء نقدي حر إلى جهاز إيديولوجي يُعيد إنتاج قيم الجماعة ورؤيتها، الأمر الذي يعكس طابعًا نفعيًا وانتهازيًا في علاقته بالثقافة والفن، إذ لم يكن الهدف تطوير تجربة جمالية، بل تأسيس جهاز تعبوي يخدم مشروعه السياسي والديني.
المسرح أداة للتنظيم الداخلي
لم يكن المسرح في تجربة جماعة الإخوان المسلمين موجهًا إلى الجمهور الخارجي وحسب، بل شُكِّل كذلك كأداة داخلية لإعادة إنتاج الذات التنظيمية وتكوين الهوية الجماعية. فقد تحوّل إعداد المسرحيات وتمثيلها إلى نشاط تربوي ذي طابع مزدوج: من جهة يوفّر وسيلة للتأثير الجماهيري، ومن جهة أخرى يرسّخ لدى الشباب داخل الجماعة قيم الانضباط والعمل الجماعي والتعبئة الإيديولوجية. إنّ المشاركة في مسرحية إخوانية لم تكن مجرد تجربة جمالية أو للتدريب على التمثيل، بل كانت تمرينًا عمليًا على ربط الموهبة الفردية بالمشروع الكلي للجماعة، بحيث ينصهر الإبداع في منظومة الدعوة والتنظيم.
وبهذا المعنى غدا المسرح الإخواني جزءًا من العملية التنظيمية ذاتها، لا مجرد وسيلة دعوية ثانوية. فالمسرحيات كانت بمثابة مختبر عملي يدرّب الشباب على الخطابة، والظهور أمام الجمهور، وتقمّص الأدوار بما يعزز القدرة على التعبير والجدال والإقناع، وهي مهارات وظّفتها الجماعة في استراتيجياتها الأوسع لبناء كوادرها الدعوية والسياسية.
حسن البنا: "الفن وسيلة من وسائل التعبير، إن لم يُضبط بالشرع انحرف، وإن استُخدم في الدعوة كان سلاحًا مؤثرًا"
وبعد اغتيال حسن البنا عام 1949 لم تنقطع الفكرة، بل بقيت كامنة في ذاكرة الجماعة لتعود بقوة مع صعود الإخوان في الجامعات المصرية خلال سبعينيات القرن العشرين. هنا ظهر ما سُمّي بـ "المسرح الإسلامي" داخل الحرم الجامعي، باعتباره الامتداد الطبيعي لرؤية البنا. فقد استثمرت الجماعة المجال الجامعي لإنتاج مسرحيات قصيرة، تتخذ من نقد التغريب والانحلال موضوعًا مركزيًا، وتعيد توجيه الطلاب نحو ما سُمّي آنذاك بـ "الصحوة الإسلامية".
وقد وثّقت الصحف المصرية في تلك الحقبة هذا الحضور المسرحي داخل الجامعات، مشيرةً إلى أنّ تلك العروض لم تكن تخاطب الوعي الطلابي بلغة وعظية مباشرة، وإنّما في صورة درامية مشوّقة، ممّا جعلها أكثر جاذبيةً وتأثيرًا. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ المسرح الإخواني مثّل شكلًا من الدراما الإيديولوجية، حيث أُعيدت صياغة القضايا الدينية والسياسية في بنية فنية، لكنّها مشروطة بمقتضيات المشروع الإخواني كما صاغته الجماعة.
شهادات ومواقف ناقدة
عدد من النقاد والباحثين أشاروا إلى خطورة هذه الاستراتيجية. فالمسرح عند الإخوان، كما كتب الباحث رفعت السعيد، لم يكن فنًا بريئًا، بل أداة لبناء "ثقافة موازية" تُضعف من دور الثقافة الوطنية. وذهب البعض إلى أنّ الجماعة استخدمت المسرح بمنطقها نفسه في استخدام التعليم والجمعيات الخيرية: أداة لاختراق المجتمع وتغيير وعيه تدريجيًا.
وفي المقابل، زعم الإخوان أنّ المسرح "النظيف" أو "الإسلامي" هو البديل الأخلاقي لمسرح "الانحلال"، وأنّ حسن البنا كان رائدًا في استغلال الفنون لخدمة الدعوة.
التحليل يكشف أنّ تجربة البنا مع المسرح كانت جزءًا من مشروع أكبر، هو تحويل كل أداة ثقافية إلى وسيلة للسيطرة الإيديولوجية. فالمسرح بطبيعته فن حرّ، يقوم على الخيال والتجريب والجدل، لكنّه في يد الإخوان تحوّل إلى أداة تعليمية مغلقة، تسعى إلى تثبيت أفكار محددة بدلًا من فتح أفق للنقاش، فالمسرح الذي أراده البنا لم يكن مسرحًا حرًّا، بل كان مسرحًا إيديولوجيًّا مشبعًا بالدعوة.
ويمكن القول إنّ حسن البنا كان من أوائل من التقطوا مبكرًا الطاقة الرمزية الكامنة في الفنون، ولا سيّما المسرح، فأعاد تعريفه لا باعتباره مجالًا للإبداع الحر أو أفقًا للخيال الجمالي، بل كسلاح دعوي وأداة للتوسع الإيديولوجي. فالمسرح في رؤيته لم يكن غاية في ذاته، وإنّما وسيلة نفعية تُستثمر لتطويع الوعي وتوجيه المخيلة الجمعية نحو أهداف الجماعة. ومن خلال عروض بسيطة قُدّمت في مقار الإخوان أو لاحقًا في ساحات الجامعات، نجحت الجماعة في صياغة ثقافة بديلة تنافس الثقافة السائدة، لكنّها ثقافة قائمة على التوجيه والضبط لا على الحرية والانفتاح.
غير أنّ هذا التوظيف لم يخلُ من أثر مزدوج؛ فمن ناحية، كشف عن براعة الإسلاميين في توظيف الأدوات الحديثة، بما فيها الفنون، لتحقيق مكاسب سياسية وتنظيمية، وهو ما يعكس عمق الانتهازية الإيديولوجية التي ميّزت مشروع البنا، ومن ناحية أخرى أسهم هذا الاستخدام النفعي للفن في إفقار المجال الفني نفسه، إذ جرى تحويل المسرح من فضاء للجدل الجمالي والحرية الإبداعية إلى مجرد أداة عقائدية.
وبذلك ظلّ المسرح الإخواني شاهدًا على معركة أوسع بين الخيال الحر والأدلجة المغلقة؛ وهي معركة لم تُحسم بعد في تاريخ الثقافة العربية، في ظل سطوة الإيديولوجيا التي ترفض استقلال الفن، وفي ظل مشروع إخواني شمولي يسعى حتمًا إلى إخضاع الفنون وإفراغها من طابعها الإبداعي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)