خريطة التواجد المالي والسياسي للإخوان المسلمين في سويسرا

خريطة التواجد المالي والسياسي للإخوان المسلمين في سويسرا

خريطة التواجد المالي والسياسي للإخوان المسلمين في سويسرا


09/09/2025

لطالما شكّلت سويسرا ملاذاً آمناً للحركات العابرة للحدود، بفضل بيئتها الليبرالية ونظامها القانوني المرن، فضلاً عن موقعها الجغرافي في قلب أوروبا، هذه الخصائص جعلت البلاد نقطة جذب لشبكات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي وجدت في الأراضي السويسرية مساحة مناسبة لتأسيس مراكز دينية وثقافية، وبناء شبكات مالية متشابكة مع مؤسسات مصرفية وخيرية، وفقاً لمراقبين. 

ومع تصاعد النقاشات السياسية في أوروبا بشأن الخطر الإيديولوجي للجماعة، بدأت "برن" تجد نفسها أمام تحديات متنامية تتعلق بمدى قدرة الدولة على ضبط نشاطات الإخوان دون المساس بتقاليدها الديمقراطية.

المركز الإسلامي في جنيف: الجذور الأولى

يُعتبر المركز الإسلامي في جنيف، الذي أسسه سعيد رمضان، صهر حسن البنا، عام 1961، نقطة الانطلاق الأبرز لانتشار الإخوان في أوروبا الغربية. فالمركز لم يكن مجرد مؤسسة دينية، بل تحوّل إلى قاعدة استراتيجية للتنظيم، تؤدي دوراً محورياً في جمع التبرعات، وإدارة الأنشطة الثقافية والإغاثية، والتأثير في الأوساط الأكاديمية والسياسية. 

وعلى مدى عقود ارتبط المركز بعلاقات مع منظمات إسلامية في الخارج، الأمر الذي عزز موقعه كحلقة وصل بين الشرق الأوسط وأوروبا، وكمختبر لتطوير خطاب الإخوان الموجّه إلى البيئة الغربية.

الجمعيات كواجهة للتغلغل

لا يعتمد الإخوان في سويسرا على مراكز دعوية صريحة فحسب، بل يتخذون من الجمعيات الثقافية والخيرية ستاراً لشرعنة حضورهم. كثير من هذه الجمعيات مسجَّل قانونياً، وتتمتع بإعفاءات ضريبية، وهو ما يتيح لها جمع الأموال من الجاليات المسلمة وتوجيهها إلى مشروعات مختلفة داخل سويسرا وخارجها.

هذه الجمعيات، التي ترفع شعارات الاندماج والاعتدال، تمثل في الواقع أحد الأذرع الرئيسة لبناء نفوذ اجتماعي طويل الأمد، وتتيح للجماعة الوصول إلى المدارس والمساجد ودوائر الشباب، حيث يسهل التأثير في العقول الناشئة.

التمويل... شبكة معقدة

التواجد المالي للإخوان في سويسرا يتسم بالمرونة والتشعب. فمن خلال الجمعيات الخيرية والشركات الصغيرة والمتوسطة يتم تدوير الأموال وربطها بمؤسسات مصرفية محلية ودولية. ويشير خبراء إلى أنّ سويسرا، بما تمتلكه من تقاليد مصرفية عريقة وسرّية مالية نسبية، شكّلت بيئة مثالية لإدارة الأموال وتوظيفها في مشروعات قانونية قد تخفي وراءها نشاطات سياسية أو إيديولوجية.

هذه الشبكات المالية لا تعمل بمعزل عن الخارج، بل ترتبط أحياناً بتمويلات قادمة من دول في الشرق الأوسط أو منظمات واجهة في أوروبا، ممّا يعزز الطبيعة العابرة للحدود لحركة الإخوان.

التعليم والشباب... ساحة النفوذ الأخطر

أحد أبرز ملامح الحضور السياسي-الاجتماعي للإخوان في سويسرا يتمثل في محاولاتهم المتكررة للنفاذ إلى قطاع التعليم. فقد كشفت تقارير برلمانية سويسرية عن قلق متزايد من محاولات الجماعة التأثير في المناهج، أو على الأقل توفير تعليم موازٍ في مدارس خاصة أو برامج خارجية تحمل خطاباً إسلاموياً.

التركيز على الشباب ليس أمراً عابراً؛ إذ يدرك الإخوان أنّ هذه الفئة تمثل المخزون المستقبلي لأيّ مشروع سياسي. وقد أظهرت وقائع عدة أنّ بعض الشباب المتأثر بهذا الخطاب انزلقوا نحو التطرف، وهو ما دفع السلطات إلى دقّ ناقوس الخطر بشأن التداخل بين نشاط الإخوان وخطر الراديكالية.

النشاط السياسي غير المباشر

رغم أنّ الإخوان لا يشاركون مباشرة في الحياة السياسية السويسرية عبر أحزاب أو قوائم انتخابية، إلا أنّهم يحاولون التأثير في المشهد من خلال أدوات غير مباشرة. الجمعيات الثقافية، والمراكز البحثية الصغيرة، وحملات العلاقات العامة مع وسائل الإعلام، كلها أدوات لإعادة إنتاج صورة الجماعة كحركة اجتماعية معتدلة. 

هذا النفوذ غير المباشر يظهر في محاولات الضغط على بعض البرلمانيين، أو التأثير في قرارات البلديات المحلية المتعلقة بالمساجد والأنشطة الدينية. الهدف الأبعد هو خلق بيئة سياسية وقانونية متساهلة تتيح استمرار عمل الشبكات دون عراقيل كبيرة.

الإعلام والدعاية الناعمة

جزء من خريطة التواجد يتمثل في الاستخدام الذكي للإعلام المحلي والدولي. وتحرص الشخصيات المرتبطة بالإخوان في سويسرا على الترويج لخطاب مزدوج: الاعتدال والانفتاح تجاه الرأي العام الغربي، مقابل خطاب تعبوي موجه للجاليات المسلمة. 

وتستغل هذه الشخصيات قضايا مثل الإسلاموفوبيا والتمييز الديني لتبرير وجودها والدفاع عن أنشطتها. هذا الاستخدام الإعلامي يشكّل رافعة سياسية، خاصة في بلد مثل سويسرا حيث يلعب الرأي العام دوراً محورياً في صنع السياسات من خلال الاستفتاءات الشعبية.

الارتباطات الدولية... من جنيف إلى العواصم الأوروبية

لا يمكن فهم التواجد الإخواني في سويسرا بمعزل عن الشبكة الأوروبية الأوسع. فالمركز الإسلامي في جنيف، والجمعيات الأخرى، على صلة وثيقة بمؤسسات في فرنسا وألمانيا وبلجيكا. كما أنّ التمويل والتدريب والكوادر يتنقلون باستمرار بين هذه الدول. هذا البُعد العابر للحدود يُعقّد مهمة السلطات السويسرية، ويجعلها بحاجة إلى تنسيق استخباراتي وسياسي أكبر مع شركائها الأوروبيين. ولعل المثال الأوضح هو تورط بعض الشباب السويسريين في أنشطة متطرفة مرتبطة بصراعات الشرق الأوسط، وهو ما يعكس تأثيراً غير مباشر للشبكات الإيديولوجية والمالية التي تديرها جماعة الإخوان.

التحدي الأمني والدستوري

التصدي لهذا الحضور المعقد يضع سويسرا أمام معضلة مزدوجة: من جهة، ثمّة خطر حقيقي يتمثل في توظيف الجمعيات والمساجد والتعليم كبيئة خصبة للتطرف. ومن جهة أخرى تواجه الحكومة تحدياً في فرض الرقابة دون المساس بحرية العبادة وحقوق الأقليات. 

وهذا التوازن الصعب يجعل من قضية الإخوان اختباراً لمدى قدرة الديمقراطية السويسرية على حماية نفسها من الداخل، دون الانزلاق إلى ممارسات تثير اتهامات بالتمييز أو الإسلاموفوبيا.

وتكشف خريطة التواجد المالي والسياسي للإخوان المسلمين في سويسرا عن استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على بناء شبكات اجتماعية وخيرية وثقافية تعمل كغطاء لأنشطة سياسية وإيديولوجية. ومع تزايد التحذيرات من شخصيات سياسية مثل جاكلين دي كواترو، يبرز السؤال حول ما إذا كانت سويسرا ستلجأ إلى اعتماد نموذج فرنسي يقوم على إعداد تقارير رسمية وإجراءات صارمة، أم أنّها ستظل رهينة تقاليدها الليبرالية التي قد تمنح الإخوان هامشاً واسعاً للمناورة.

 المؤكد أنّ السنوات المقبلة ستشهد تصاعداً في النقاشات الداخلية حول كيفية موازنة الحريات مع مقتضيات الأمن القومي، خاصة في بلد أدرك أنّ خطر الإخوان لم يعد مجرد شأن خارجي، بل قضية تمسّ استقراره الداخلي مباشرة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية