الإخوان والقضية الفلسطينية... بين الدافع الإيديولوجي والتوظيف السياسي

الإخوان والقضية الفلسطينية... بين الدافع الإيديولوجي والتوظيف السياسي

الإخوان والقضية الفلسطينية... بين الدافع الإيديولوجي والتوظيف السياسي


07/09/2025

تحتل القضية الفلسطينية موقعًا مركزيًا في فكر جماعة الإخوان، يتجلى هذا بوضوح في أدبياتها وأنشطتها التي تقوم بها في مناسبات وأوقات مختلفة دعمًا للقضية، سواءً قبل ثورة كانون الثاني (يناير) أو بعدها، ويظهر ذلك أيضًا في مناهج الجماعة التربوية التي تشكّل من خلالها شخصية أعضائها، حيث يتم تناول القضية بأشكال مختلفة وحث الأفراد على الاهتمام بها كقضية محورية، ولا يخفى أنّ البُعد الديني يمثل الدافع الأساسي وراء هذا الاهتمام، لكن على الجانب الآخر تقوم الجماعة بتوظيف القضية الفلسطينية من أجل تحقيق أهداف تنظيمية وسياسية.

الدافع الإيديولوجي 

يأتي الاهتمام الكبير لجماعة الإخوان بالقضية الفسلطينية منذ نشأة الجماعة، حيث كانت تخضع فلسطين للاحتلال البريطاني، من كونها تحمل رمزية دينية، وتضم أماكن مقدسة أبرزها وأهمها المسجد الأقصى الذي يحتل بالنسبة إلى المسلمين مكانة كبيرة، لأنّه أولى القبلتين وثالث الحرمين والمكان الذي أُسري فيه بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما تأتي أهميته انطلاقًا من طبيعة المشروع الإخواني وتصورهم عن الدولة الإسلامية، حيث يسعى الإخوان إلى إقامة دولة تضم كل الدول الإسلامية تحت مُسمّى "الخلافة"، وهو ما يجعل تحرير فلسطين جزءًا لا يتجزأ من ذلك المشروع. 

وقد ازداد هذا الاهتمام بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في العام 1948م، حيث يمثل اليهود العدو التاريخي للمسلمين، استنادًا إلى التجربة التاريخية وإلى النصوص الدينية التي تتحدث عن عداوتهم للأنبياء وحتمية الصراع معهم حتى آخر الزمان، ويعزز من ذلك أنّ الاحتلال الإسرائيلي كذلك نابع من منطلقات دينية، وفي هذا السياق يذكر الدكتور إبراهيم البيومي غانم في كتابه "الفكر السياسي للإمام حسن البنا" الدوافع الإيديولوجية للبنا والإخوان في الاهتمام بفلسطين، ويقول: إنّ "كلًا من مفهوم الوطن الإسلامي الذي شرحه البنا مرارًا وتكرارًا ومفهوم الأخوة الإسلامية بوصفه آصرة سياسية تجمع المسلمين في مختلف الأقطار برباط العقيدة الواحدة، هما الركيزتان الأساسيتان اللتان استندت إليهما جهود الإخوان في التعريف بقضية فلسطين".

يأتي الاهتمام الكبير لجماعة الإخوان بالقضية الفسلطينية منذ نشأة الجماعة، حيث كانت تخضع فلسطين للاحتلال البريطاني، من كونها تحمل رمزية دينية، وتضم أماكن مقدسة أبرزها وأهمها المسجد الأقصى الذي يحتل بالنسبة إلى المسلمين مكانة كبيرة.

ويذكر البيومي دافعًا آخر وهو إدراك البنا للخطر الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي على الدول العربية باعتباره حلقة من حلقات سلسلة العدوان الاستعماري الظالم على الوطن العربي، وضرورة الانتباه لما تمثله الصهيوينة العالمية من فكرة هدامة شديدة الخطورة على الأوطان العربية.  

أيضًا من المظاهر الإيديولوجية التي تقف خلف الاهتمام بالقضية الفلسطينية أنّ هذا الاهتمام يأتي كضرورة لحركة بحجم جماعة الإخوان تقدّم نفسها على أنّها المعادل الموضوعي للإسلام وأنّها هي التي تحمل هم المشروع الإسلامي الذي يهدف إلى إقامة الدولة وتطبيق الشريعة واستعادة مجد الحضارة الإسلامية، ومن ثم عليها أن تهتم بالقضية التي تشغل المسلمين جميعًا وتبالغ في ذلك الاهتمام، وتقيم الفعاليات المختلفة وتطلق الشعارات الرنانة التي تطالب بفتح الحدود لتحرير فلسطين، وتجعلها قضية محورية تثبت بها أمام الناس أنّها تحمل همّ المسلمين وتدافع عن قضاياهم الكبرى، وأنّها تستحق أن تتصدر العمل الإسلامي باعتبارها كبرى الحركات ورائدة هذا العمل.

التوظيف السياسي 

لكن، إلى جانب هذا البُعد الإيديولوجي، ونتيجة للطبيعة البراغماتية للجماعة؛ فإنّها تعمل على الاستفادة من قضية فلسطين من خلال توظيفها لتحقيق مكتسبات سياسية وتنظيمية، حيث تلعب على وتر العاطفة الدينية الموجود في المجتمع المصري وعلى كون القضية الفلسطينية تمثل قضية شعبية بسبب بُعدها الديني، وبالتالي استمرار حضور القضية في خطابها وفي ممارساتها وأنشطتها المختلفة يُسهم في اكتسابها التعاطف الشعبي، وهذا يزيد من حجم القاعدة الشعبية للجماعة، التي تستفيد منها سياسيًا بشكل كبير. 

الأمر الآخر أنّ توظيفها للقضية يُعدّ عامل جذب تستطيع من خلاله استقطاب الأفراد الذين لديهم رغبة في العمل العام ذي الطابع الديني، والذين يرغبون في تفريغ شحنة الغضب المكبوتة لديهم تجاه ممارسات الاحتلال في فلسطين أو تجاه ما يتعرّض له التيار الإسلامي بشكل عام في الدول المختلفة، أيضًا تقوم الجماعة بتوظيف القضية الفلسطينية في إطار صراعها مع الأنظمة الحاكمة التي تتهمها الجماعة دومًا بأنّها مقصرة في حق القضية ولا تقوم بواجبها المطلوب تجاهها، أو بأنّها عميلة تخدم المصالح الإسرائيلية وتُسهم في قمع وحصار الفلسطينيين، فتظهر الجماعة أمام الرأي العام بأنّها التي تدافع عن قضايا الأمة وتقف ضد الظلم، وبالتالي تقدّم نفسها كبديل لتلك الأنظمة وفق ثنائية الحق/ الباطل التي تصنف على أساسها الجماعة نفسها والآخرين، وتصبح القضية الفلسطينية هنا أداة للمزايدة وتوسيع حالة الغضب والمعارضة ضد الحكومات.

وقد ظهر هذا بوضوح في الحملة الأخيرة التي تقوم بها الجماعة ضد الدولة المصرية، والتي من خلالها تمارس العديد من الأنشطة والممارسات التي تهدف إلى تشويه صورة الدولة وترسيخ صورة ذهنية داخليًا وخارجيًا تفيد بأنّ مصر مشاركة في الحصار والتجويع والموت، مع إهمال الأطراف الرئيسية في الحرب والجرائم التي تُرتكب في إطارها، سواء إسرائيل نفسها أو الدول الغربية الداعمة لها، وتقوم الجماعة بذلك ليس من أجل القضية وإنّما من أجل خدمة صراعها مع الدولة المصرية، حيث توظف الأحداث من أجل الضغط على الدولة وزيادة وتعميق حالة الغضب في الشارع المصري بهدف دفع الناس للثورة والتغيير حتى تعود الجماعة مرة أخرى إلى المشهد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية