
تُقدَّم المملكة الأردنية الهاشمية على نطاق واسع بوصفها واحة استقرار وسط منطقة تزدحم بالاضطرابات السياسية والأمنية. غير أنّ هذا الاستقرار ظل دومًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة مع وجود جماعة الإخوان المسلمين التي شكّلت منذ أربعينيات القرن الماضي أحد الفاعلين الأكثر نفوذًا في الساحة الأردنية، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو النقابي.
ورغم إعلان الحكومة الأردنية في نيسان (أبريل) 2025 حظر جميع أنشطة الجماعة، فإنّ تأثيرها ما زال حاضرًا بقوة، ممّا يعكس تعقيد المشهد وتداخل العوامل الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.
دراسة حديثة صادرة عن المركز العربي لدراسات التطرف تناولت هذا الملف بعمق، مؤكدة أنّ قرار الحظر الجديد لا يمكن قراءته في معزل عن التوازنات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة وضغوط الإدارة الأمريكية الجديدة، فضلًا عن هواجس النظام الأردني المتكررة من أيّ قوة سياسية قد تزعزع المعادلة القائمة.
جذور تاريخية مرتبطة بفلسطين
منذ نشأتها في مصر عام 1928 سعت جماعة الإخوان إلى مدّ نفوذها عبر المنطقة، وكان الأردن إحدى أهم ساحاتها. دخلت الحركة إلى البلاد عام 1945، لكنّها وجدت في القضية الفلسطينية مدخلًا استراتيجيًا لبناء قاعدة اجتماعية واسعة. فبعد نكبة 1948 وما تلاها من تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الأردن، ثم ضم الضفة الغربية عام 1950، أصبحت المخيمات الفلسطينية حاضنة طبيعية لخطاب الإخوان الذي يربط بين مقاومة إسرائيل والتصدي للإمبريالية الغربية.
هذا الارتباط الوثيق بالقضية الفلسطينية جعل من الجماعة لاعبًا يصعب تجاوزه في المعادلة السياسية الأردنية. وبينما كانت السلطة الهاشمية تسعى للحفاظ على شرعيتها عبر موازنة الداخل والخارج، استثمر الإخوان حضورهم الشعبي لتوسيع نفوذهم داخل النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
الولاء للنظام... بوابة النفوذ
تؤكد الدراسة أنّ العلاقة بين الإخوان والنظام الهاشمي مرّت بمراحل من التقارب والتباعد. ففي أعقاب هزيمة 1967 فضّلت الجماعة الابتعاد عن الفصائل الفلسطينية المسلحة التي هددت النظام مباشرة، وهو ما سمح لها بالحفاظ على وضع مميز مقابل بقية القوى المعارضة. هذا "الولاء للنظام" مكّنها من التغلغل في مؤسسات التعليم والنقابات المهنية، وأتاح لها لاحقًا دخول الحياة السياسية الرسمية عام 1989.
كان فوز الإخوان بـ (25%) من مقاعد البرلمان في أول انتخابات بمثابة إنذار للملك حسين، الذي سعى منذ ذلك الوقت إلى تقليص نفوذهم عبر تعديل القوانين الانتخابية. ومع توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994 دخلت العلاقة في طور جديد من المواجهة، حين رفض الإخوان المعاهدة، واستثمروا الموقف لزيادة حضورهم في الشارع.
من المعارضة إلى الانقسام
مع اعتلاء الملك عبد الله الثاني العرش عام 1999 اتبعت الدولة نهجًا أكثر صرامة تجاه الإخوان. ومع اندلاع أحداث "الربيع العربي" تعززت سياسة التضييق على الجماعة، في وقت شهدت فيه الحركة انقسامات داخلية عميقة بين تيار وطني يسعى للتركيز على الشأن المحلي، وآخر أكثر ارتباطًا بالقضية الفلسطينية. هذه الانقسامات بلغت ذروتها عام 2015 حين شجعت السلطات بروز أجنحة منشقة لإضعاف التنظيم الأم.
لكن رغم ذلك، تمكنت جبهة العمل الإسلامي ـ الذراع السياسية للجماعة ـ من العودة بقوة في انتخابات 2016 عبر تحالف "الإصلاح"، ثم في انتخابات 2024 حين استفادت من الغضب الشعبي تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، لتحقق فوزًا كبيرًا بحصولها على (31) مقعدًا من أصل (138). هذه النتائج، بحسب الدراسة، تؤكد أنّ الحظر القانوني لا يترجم بالضرورة إلى إضعاف الحضور السياسي على الأرض.
معضلة الحظر: الشكل القانوني والواقع الشعبي
توضح الدراسة أنّ الأردن سبق أن أصدر قرارًا بحل الجماعة عام 2020، لكنّ هذا الحل كان أقرب إلى إجراء رمزي لم ينجح في إنهاء نفوذها، خاصة مع استمرار عمل جبهة العمل الإسلامي بصورة قانونية. ومع قرار الحظر الجديد في 2025 تعود الأسئلة نفسها: هل الهدف تفكيك الجماعة بالفعل، أم توجيه رسالة سياسية للداخل والخارج بأنّ الأردن منخرط في الاصطفاف الإقليمي المعادي للإخوان؟
الإجابة تبدو معقدة؛ فمن جهة يسعى النظام إلى تأكيد سيطرته وإظهار حزمه في مواجهة أيّ تهديد داخلي، خصوصًا في ظل الحديث عن خلية مرتبطة بالإخوان كانت تُحضّر لهجمات إرهابية، ومن جهة أخرى لا يستطيع النظام تجاهل حقيقة أنّ الجماعة ما زالت تحظى بتأييد شريحة معتبرة من المواطنين، وأنّ أيّ محاولة لاستئصالها قد تعمّق الانقسام الداخلي.
القضية الفلسطينية والهاجس الأمني
تؤكد الدراسة أنّ الهاجس الأكبر للنظام الأردني يظل مرتبطًا بالقضية الفلسطينية. فذكريات "أيلول الأسود" عام 1970، حين دخلت القوات الأردنية في مواجهات دامية مع الفصائل الفلسطينية، ما تزال حاضرة في الذاكرة الرسمية. ومع تجدد الصراع في غزة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تخشى عمّان أن يتحول نشاط الإخوان ومظاهراتهم المؤيدة للفلسطينيين إلى مدخل لعدم الاستقرار أو لتدخلات إسرائيلية مباشرة.
هذا القلق تعززه التطورات الإقليمية، بما فيها صعود حماس وحزب الله كقوى فاعلة على حدود الأردن، والانهيار المفاجئ للنظام السوري نهاية 2024، الذي أوصل قوى إسلامية قريبة من الإخوان إلى السلطة. هذه المعطيات تجعل من أيّ نشاط للجماعة داخل الأردن تهديدًا محتملًا للأمن القومي في نظر السلطات.
الضغط الأمريكي ومعادلة المساعدات
لا يقتصر الأمر على البُعد الإقليمي، فالإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب أعادت فتح ملف "الوطن البديل" عبر ما يُعرف بخطة "ريفييرا"، التي اقترحت الأردن ومصر كملاذين للفلسطينيين النازحين. وقد رفض الملك عبد الله الثاني الخطة بشكل قاطع، لكنّ ترامب ربط المساعدات الأمريكية ـ التي تمثل شريان حياة للاقتصاد الأردني وتصل إلى ملياري دولار سنويًا ـ بقبول هذه الخطة.
توضح الدراسة أنّ توقيت قرار حظر الإخوان في نيسان (أبريل) 2025 يتزامن مع هذه الضغوط، وهو ما يوحي بأنّ عمّان تسعى لإرسال رسالة حُسن نية إلى واشنطن، مفادها أنّها ملتزمة بمسار إقليمي أكثر صرامة تجاه الحركات الإسلامية، حتى وإن رفضت خطط التوطين.
وتخلص الدراسة إلى أنّ معركة الأردن مع الإخوان لا يمكن حسمها بقرار إداري أو قضائي. فالجماعة، رغم كل ما تعرّضت له من تضييق وانقسامات، ما زالت حاضرة سياسيًا واجتماعيًا، بل قادرة على تحقيق انتصارات انتخابية. لكن في المقابل، فإنّ النظام الأردني، الذي يواجه تحديات اقتصادية وأمنية هائلة، لا يرى في وجود الإخوان سوى مصدر تهديد لاستقراره الداخلي وعلاقاته الإقليمية والدولية.
لذلك يبدو أنّ العلاقة بين الطرفين ستظل محكومة بالشدّ والجذب: حظر قانوني ورسائل سياسية من جهة، وحضور انتخابي واجتماعي من جهة أخرى. وهو ما يجعل الأردن يعيش معادلة معقدة بين حماية استقراره الداخلي والاستجابة للضغوط الإقليمية، في وقت لم تعد فيه الجماعة مجرد قضية داخلية، بل أصبحت جزءًا من خريطة الصراع الأوسع في الشرق الأوسط.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)