
في خطوة مثيرة للانتباه تعكس تحوّلاً متدرجاً في نظرة الولايات المتحدة إلى جماعة الإخوان المسلمين، كشفت صحيفة (العربي الجديد)، نقلاً عن مصدر في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أنّ الأخيرة أصدرت توجيهات داخلية تسمح لمكاتب الهجرة واللجوء بالتعامل مع الإخوان كـ "جماعة إرهابية" عند دراسة ملفات طالبي اللجوء.
ووفق هذه التوجيهات، فإنّ أيّ شخص يصرّح بانتمائه إلى التنظيم أو يدّعي أنّه مضطهد بسبب عضويته فيه، سيواجه رفضاً فورياً لطلبه، حتى إذا كان قد تقدّم قبل سنوات وما يزال ملفه قيد الانتظار.
ورغم أنّ هذه التعليمات لم تُعلن رسمياً، ولم يُدرج اسم الجماعة بعد على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، إلا أنّ التسريب يعكس اتجاهاً عملياً يضيّق الخناق على التنظيم، ويجعل الحصول على ملاذ آمن في الولايات المتحدة أكثر صعوبةً من أيّ وقت مضى.
إرشادات غير معلنة... ولكنّها مؤثرة
الأهمية الكبرى لهذه الخطوة تكمن في أنّها تفعّل آلية قانونية قائمة في نظام الهجرة الأمريكي تُعرف باسم "موانع الإرهاب" (Terrorism-Related Inadmissibility Grounds ـTRIG). وبموجب هذه الموانع، يمكن اعتبار أيّ منظمة إرهابية من المستوى الثالث، حتى إن لم تكن مدرجة على اللائحة الرسمية، إذا توافرت أدلة على تورطها في دعم العنف أو التطرف.
وهذا يفتح الباب واسعاً أمام السلطات الأمريكية للتعامل مع الانتماء إلى الإخوان أو دعمهم المادي كسبب مشروع للرفض أو الترحيل.
بهذا المعنى، لا يحتاج مكتب الهجرة إلى قرار فيدرالي صريح لتصنيف الجماعة، بل يكفي أن يستند إلى هذه الموانع كي يبرّر رفض أيّ طلب. وهذا ما يفسر لجوء بعض المحاكم الأمريكية خلال السنوات الماضية إلى استخدام الصلة بالإخوان كذريعة لحرمان أشخاص من اللجوء، رغم أنّ الجماعة ليست على اللائحة الرسمية.
سياق أوسع من التشدد في اللجوء
التوجيه المسرّب يأتي متزامناً مع اتجاه أشمل لتشديد سياسات الهجرة واللجوء داخل الولايات المتحدة. ففي تموز (يوليو) الماضي أصدرت وزارة العدل (EOIR) مذكرة جديدة تُمكّن قضاة الهجرة من رفض طلبات اللجوء دون جلسة استماع، إذا كان العيب قانونياً محضاً. وأفادت منظمات قانونية بأنّ وكالة خدمات الهجرة (USCIS) بدأت منذ أيار (مايو) في إغلاق بعض الطلبات قبل المقابلات، وهو إجراء لم يكن شائعاً من قبل.
هذا التشدد يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تقليص مساحات المناورة القانونية التي استخدمتها أطراف عديدة، وفي مقدمتها عناصر وقيادات إخوانية، لتبرير وجودهم في الولايات المتحدة عبر خطاب المظلومية والادعاء بالتعرّض للاضطهاد السياسي في بلدانهم الأصلية.
ومن هنا، فإنّ التسريب حول اعتبار الإخوان جماعة إرهابية ليس مجرد قرار إجرائي محدود، بل يندرج ضمن سياسة أشمل لإعادة ضبط ملف اللجوء بما يخدم الاعتبارات الأمنية.
غموض الموقف الرسمي
رغم ما سبق، ما يزال الموقف الرسمي الأمريكي متردداً. ففي 31 تموز (يوليو) الماضي صرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأنّ تصنيف الإخوان منظمة إرهابية يبدو ممّا قد تدعمه الإدارة، لكنّها امتنعت عن تأكيد القرار، مشيرة إلى أنّ الملف بيد مجلس الأمن القومي. هذا الغموض قد يكون مقصوداً، إذ تسعى الإدارة إلى اختبار ردود الفعل الداخلية والدولية قبل الإقدام على خطوة أكثر حسماً.
لكن من الواضح أنّ دوائر صنع القرار الأمنية والاستخبارية باتت أكثر اقتناعاً بأنّ الجماعة تمثل تهديداً غير مباشر، عبر قدرتها على اختراق المجتمعات الغربية، وتوفير بيئة حاضنة للتطرف العنيف. ولعلّ التوجيهات الجديدة لمكاتب الهجرة تعكس هذا التحول الصامت داخل أجهزة الدولة العميقة.
ضغط من الكونغرس
في الوقت ذاته يتحرك الكونغرس بخطوات متقدمة أكثر وضوحاً. فقد أعاد عدد من النواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي طرح مشروع قانون (H.R.4397) يطالب الإدارة الأمريكية بإدراج الإخوان على لائحة الإرهاب.
ويستند المشروع إلى سجل طويل من ارتباط الجماعة بالعنف والفكر المتطرف، سواء عبر أذرعها التنظيمية في الشرق الأوسط أو من خلال جماعات انبثقت عنها لاحقاً مثل "حماس" و"القاعدة".
ورغم أنّ المشروع لم يصبح قانوناً نافذاً بعد، إلا أنّ مجرد طرحه يفرض ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية، ويمنح التوجيهات الإدارية الأخيرة زخماً إضافياً، وهو ما يجعل الطريق نحو تصنيف رسمي للجماعة أقرب من أيّ وقت مضى.
أثر مباشر على نشاط الإخوان في الغرب
إذا ما طُبقت هذه التوجيهات على نطاق واسع، فإنّ آلاف الملفات المُعلّقة ستواجه الرفض المباشر، وهو ما يعني توجيه ضربة قوية لشبكات الإخوان في الخارج. فمنذ عقود اعتمدت الجماعة على استغلال ملف اللجوء لتأمين ملاذات آمنة لقياداتها وأعضائها، خصوصاً بعد سقوطها سياسياً في مصر وعدد من الدول العربية.
لقد شكلت الولايات المتحدة وأوروبا محطة أساسية لإعادة تموضع الإخوان، عبر إنشاء جمعيات ومراكز إسلامية وجمعيات حقوقية استخدموها كمنصات لنشر خطابهم السياسي والدعوي. لكن مع تشديد سياسات اللجوء والهجرة، يصبح من الصعب على الجماعة الاستمرار في هذه الاستراتيجية، ممّا يهدد أحد أهم خطوط دفاعها في الغرب.
استراتيجية المظلومية أمام مأزق جديد
منذ تأسيسهااعتمدت جماعة الإخوان خطاب المظلومية لتبرير وجودها وكسب التعاطف الدولي. ففي الغرب حرصت على تقديم نفسها كحركة سياسية معتدلة تسعى للإصلاح، بينما مارست في الشرق الأوسط سياسات تقوم على استغلال الدين لتحقيق النفوذ والسلطة، وغالباً عبر العنف والتحريض.
لكن مع إدراك المؤسسات الغربية أنّ هذا الخطاب المزدوج مجرّد وسيلة للتغلغل، باتت الجماعة تواجه عزلة متزايدة. الخطوة الأخيرة في الولايات المتحدة تمثل مؤشراً واضحاً على أنّ لعبة المظلومية لم تعد مجدية، وأنّ الغرب بدأ ينظر إلى الإخوان باعتبارهم جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل.
تداعيات مستقبلية
القرار الأمريكي، حتى لو ظلّ في حدود التوجيهات الداخلية، ستكون له تداعيات بعيدة المدى. فمن جهة سيقيد حركة قيادات الإخوان ويضعف قدرتهم على المناورة بين العواصم الغربية، ومن جهة أخرى قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على تبنّي سياسات مشابهة، خصوصاً تلك التي تعاني من تصاعد التطرف والعنف باسم الدين.
كما أنّ هذا التوجه ينسجم مع استراتيجية أوسع لواشنطن تقوم على تقليص المخاطر الأمنية القادمة من الخارج، في وقت تتنامى فيه التهديدات الداخلية. ومن ثمّ يمكن القول إنّ الإخوان مقبلون على مرحلة جديدة من العزلة، تتزامن مع تراجع نفوذهم الإقليمي وتزايد الضغوط عليهم داخل بلدانهم الأصلية.
خلاصة
ليس صحيحاً أنّ الولايات المتحدة صنفت جماعة الإخوان رسمياً منظمة إرهابية حتى الآن، لكن الصحيح أنّ خطوات عملية بدأت لتجعل وجود عناصرها في الأراضي الأمريكية شبه مستحيل. وبين ضغوط الكونغرس، وغموض البيت الأبيض، وتشدد المحاكم والوكالات الفيدرالية، يبدو أنّ الجماعة تسير نحو فقدان أحد أهم مكاسبها التاريخية: الحماية الغربية.
لقد راهن الإخوان لعقود على الغرب كملاذ آمن ورافعة سياسية في صراعاتهم مع الأنظمة العربية. أمّا اليوم، فإنّ هذا الملاذ ينهار تدريجياً، في مؤشر إلى أنّ الجماعة قد تجد نفسها قريباً أمام عزلة غير مسبوقة، لا في الشرق الأوسط وحده، بل في الغرب أيضاً.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)