
في تطور لافت يعكس تصاعد المزاج الثوري ضد قوى الإسلام السياسي في السودان، دخلت لجان المقاومة في مدينة "أبو حجار" بولاية "سنار" على خط الدعوات المتزايدة لتصنيف حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ـ الامتداد السوداني لجماعة الإخوان المسلمين ـ "منظمة إرهابية".
البيان، الذي نشرته شبكة (مداميك)، جاء بلغة شديدة الحدة، وأعلن فيه شباب المقاومة دعمهم الكامل لمبادرة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"، التي تطالب بمحاسبة هذه المنظومة على الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني، وعلى رأسها تفجير الصراع الدموي في 15 نيسان (أبريل) 2023، الذي جرّ البلاد إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
إرث الإخوان في السودان: من الحركة الطلابية إلى الانقلاب العسكري
تعود جذور الحركة الإسلامية في السودان إلى أربعينات القرن الماضي، حين تأسس فرع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية على يد طلاب سودانيين تأثروا بفكر حسن البنا. وخلال الخمسينات والستينات اكتسبت هذه الحركة زخماً داخل الجامعات، ووجدت في الصراع الإيديولوجي مع اليسار والشيوعية أرضية لتعزيز نفوذها.
ومع وصول حسن الترابي إلى قيادتها عام 1964، تحولت إلى كيان أكثر تنظيماً تحت اسم "الجبهة الإسلامية القومية"، واضعة نصب عينيها السيطرة على مفاصل الدولة عبر اختراق المؤسسات، وليس فقط العمل الدعوي أو النقابي.
في سبعينات القرن الماضي تحالفت الحركة الإسلامية مع الرئيس جعفر النميري، وأسهمت في صياغة وتنفيذ قوانين أيلول (سبتمبر) 1983، التي فرضت الشريعة وأطلقت حملة أسلمة شاملة للمجتمع والقوانين، وهو ما عمّق الانقسام بين شمال البلاد وجنوبها، وأشعل موجات جديدة من الحرب الأهلية.
لكنّ التحول الأكبر جاء في 30 حزيران (يونيو) 1989، حين خطط الترابي لانقلاب عسكري أوصل عمر البشير إلى السلطة. منذ ذلك اليوم حتى سقوط نظام البشير عام 2019 سيطر الإسلاميون على الدولة عبر الحزب الحاكم "المؤتمر الوطني" والأجهزة الأمنية والعسكرية، مستخدمين مزيجاً من القمع السياسي والتحالفات القبلية وتمويل اميليشيات، مع انفتاح على قوى جهادية دولية، بما في ذلك استضافة أسامة بن لادن وعدد من قيادات تنظيم القاعدة في التسعينات.
سجل من الصراعات والانقسامات
منذ سيطرتهم على السلطة ارتبط الإسلاميون في السودان بسلسلة من الصراعات الدامية التي غيّرت خريطة البلاد. فإلى جانب الحرب الأهلية في الجنوب، التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، أشعل النظام حرباً جديدة في دارفور عام 2003، قُتل فيها مئات الآلاف وتعرّض الملايين للنزوح، وسط اتهامات للمؤتمر الوطني بتسليح ميليشيات "الجنجويد" التي تحولت لاحقاً إلى "قوات الدعم السريع".
هذه الصراعات لم تكن مجرد حوادث عرضية، بل كانت ـ بحسب منتقدي الحركة ـ جزءاً من استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل التوازنات العرقية والسياسية بما يخدم بقاء النظام، حتى لو كان الثمن تمزيق البلاد.
الثورة الشعبية وسقوط البشير... لكن دون نهاية الإسلاميين
اندلعت الثورة الشعبية في كانون الأول (ديسمبر) 2018، مدفوعة بتدهور اقتصادي غير مسبوق
واستياء شعبي متراكم من القمع والفساد. وفي نيسان (أبريل) 2019 تمّت الإطاحة بالبشير بعد (30) عاماً في الحكم، وشهد السودان فترة انتقالية اتسمت بالصراع بين المدنيين والعسكريين.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 أصدرت الحكومة الانتقالية قراراً بحلّ حزب المؤتمر الوطني ومصادرة أصوله، في خطوة اعتُبرت آنذاك بداية لتفكيك إمبراطورية الإسلاميين. لكنّ الواقع أثبت أنّ شبكاتهم داخل الدولة والمجتمع كانت أعمق وأعقد من أن تُزال بقرار سياسي؛ فقد ظلوا حاضرين عبر واجهات اقتصادية، وتحالفات قبلية، وعلاقات مع عناصر نافذة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الحرب الأخيرة: فرصة لعودة الإسلاميين
في 15 نيسان (أبريل) 2023 انفجر الصراع بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ليدخل السودان مرحلة حرب شاملة شردت الملايين وأوقعت آلاف القتلى.
وسط هذه الفوضى، وجدت الحركة الإسلامية فرصة لإعادة ترتيب صفوفها. تقارير ميدانية ودولية، منها تحقيق لوكالة (رويترز)، تشير إلى أنّ قادة الحزب المحلول والحركة الإسلامية نسّقوا مع قيادة الجيش لتجنيد آلاف المقاتلين وتعبئة الحاضنة الاجتماعية للإسلاميين في مواجهة قوات الدعم السريع.
هذه الخطوة فسّرها مراقبون بأنّها محاولة لاستعادة النفوذ السياسي من بوابة التحالف العسكري، على أمل أن يقود الجيش مرحلة انتقالية طويلة تُمهّد لعودة الإسلاميين إلى الحكم عبر الانتخابات أو التوافقات السياسية.
بيان لجان المقاومة: "الإخوان خطر وجودي"
في بيانها الأخير، وصفت لجان المقاومة في "أبو حجار" الحركة الإسلامية بأنّها "امتداد لمشروع إخواني متطرف"، متهمة إيّاها بالعداء الممنهج للديمقراطية وحقوق الإنسان، وبأنّها أحد أبرز مصادر العنف وعدم الاستقرار في السودان منذ عقود.
وأشار البيان إلى مسؤوليتها عن تقسيم البلاد عبر فصل الجنوب، واتهامها اليوم بتكرار السيناريو نفسه في إقليم دارفور، عبر إذكاء الصراعات العرقية وإعادة إنتاج دوائر الدم والدمار
وشددت اللجان على أنّ استمرار جماعة الإخوان في التحكم بالمشهد السياسي يمثل تهديداً وجودياً لأيّ محاولة لبناء دولة مدنية ديمقراطية، وأنّ تصنيفها منظمة إرهابية لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل ضرورة وطنية لوقف نزيف البلاد وتجفيف منابع الإرهاب.
دعوات التصنيف في سياقها الإقليمي
هذه المطالب ليست معزولة عن سياق أوسع في المنطقة، فقد صنفت دول مثل مصر والسعودية والإمارات جماعة الإخوان منظمة إرهابية، مستندة إلى سجلها في التحريض على العنف وتقويض الدولة الوطنية. في الحالة السودانية تحمل الدعوة زخماً إضافياً، لأنّ الحركة الإسلامية لم تكن مجرد جناح سياسي؛ بل كانت هي النظام نفسه طوال (3) عقود، مسؤولة عن حروب وانتهاكات موثقة محلياً ودولياً.
وبالتالي، يرى مراقبون أنّ السودان يحتاج إلى آلية قانونية وأمنية تجرّم العمل المنظم للحركة، وتحاصر شبكاتها الاقتصادية والإعلامية، بالتوازي مع مشروع سياسي وطني يعيد بناء المؤسسات بعيداً عن الإيديولوجيا الدينية.
معركة الذاكرة والعدالة الانتقالية
إلى جانب البُعد السياسي، هناك بُعد رمزي لهذه الدعوات، فتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية يعني ـ بالنسبة إلى ضحايا حروبها ـ اعترافاً رسمياً بمسؤوليتها عن معاناة الملايين، وخطوة نحو تحقيق العدالة الانتقالية التي طال انتظارها.
لكنّ هذه الخطوة تواجه تحديات، أبرزها أنّ كثيراً من رموز الحركة ما زالوا يحتلون مواقع مؤثرة داخل الجيش أو الإدارة، وأنّ الانقسام الحاد في البلاد يجعل أيّ قرار من هذا النوع عرضة للتسييس أو الاستغلال.
وتضع دعوة لجان المقاومة في "أبو حجار" مؤسسات الدولة السودانية أمام اختبار جديد: هل تمتلك الإرادة السياسية لتفكيك إرث الحركة الإسلامية وتجريم نشاطها، أم أنّ توازنات الحرب والسلطة ستمنح الإسلاميين فرصة جديدة للتغلغل؟
ما هو مؤكد أنّ الحركة الإسلامية ـ بجذورها الإخوانية وامتداداتها المحلية ـ تمثل بالنسبة إلى خصومها مشروعاً مناقضاً لفكرة الدولة المدنية الحديثة، وأنّ معركة السودان المقبلة لن تكون فقط على جبهات القتال، بل أيضاً على جبهة الأفكار والذاكرة السياسية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، قد يكون حسم الموقف من هذه الحركة أحد المفاتيح الأساسية لتجنب تكرار دوامة العنف والانقسام التي عانى منها السودان لعقود.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)