عبد المنعم اليسير: مبادرتنا لكسر الانسداد السياسي في ليبيا... وتحالف الدبيبة ودار الإفتاء يعمّق الفوضى

عبد المنعم اليسير: مبادرتنا لكسر الانسداد السياسي في ليبيا... وتحالف الدبيبة ودار الإفتاء يعمّق الفوضى

عبد المنعم اليسير: مبادرتنا لكسر الانسداد السياسي في ليبيا... وتحالف الدبيبة ودار الإفتاء يعمّق الفوضى


03/08/2025

أجرى الحوار : رامي شفيق

في ظل تشابك خيوط الانسداد السياسي التي تفرض نفسها على جوانب المشهد الليبي، وما يرافقها من أزمات فرعية تتعلق بالقوى الفاعلة في الداخل الليبي  فضلًا عن  تآكل الثقة  في معظم النخب الحاكمة، تبدو نوافذ الحركة من وقت إلى آخر عبر مبادرات محلية تسعى إلى كسر الجمود واستعادة زمام المبادرة من الداخل الليبي نفسه. 

في هذا السياق، كان طرح "مبادرة السلام والوفاق الوطني" كمقاربة جديدة تستند إلى الإرادة الوطنية الجامعة، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو التفاهمات الشكلية بين أطراف مأزومة.

حول خلفيات هذه المبادرة، وفرص نجاحها، وحدود الدور الأممي والدولي فيها، إضافة إلى تشابك الدين والسياسة وتحالفات الأمر الواقع التي تُعمّق الأزمة، كان لـ (حفريات) هذا الحوار مع د. عبد المنعم اليسير، أحد أبرز الداعمين للمبادرة ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي السابق بالمؤتمر الوطني العام، الذي يقدّم من خلال هذا الحوار رؤية نقدية لما آلت إليه الأوضاع في ليبيا، ويطرح تصوّرًا مغايرًا للعبور من النفق المظلم.

نص الحوار:

تُطرح مبادرات للسلام والتوافق الوطني بين الحين والآخر، لكنّ أغلبها يصطدم بواقع سياسي معقد ومشبوه التوازنات. في تقديركم، هل "مبادرة السلام والوفاق الوطني" التي تتبنونها حاليًا تعكس فعلًا إرادة ليبية خالصة لإنهاء الانقسام؟

ـ نعم، "مبادرة السلام والوفاق الوطني" تعكس إرادة ليبية خالصة وصادقة، وهي وليدة الحاجة الملحة التي يشعر بها الليبيون في مختلف مناطق البلاد للخروج من دوامة الانقسام والفوضى وغياب الدولة.

سأقول لك بكل وضوح: إنّ أهم ما يميز هذه المبادرة عن غيرها هو كونها نابعة من الداخل الليبي، من الأطراف التي عايشت التجربة السياسية منذ بدايتها، وتدرك حجم المعاناة التي يعيشها الشعب نتيجة الصراع والانقسام.

المبادرة تستند إلى مبدأ أنّ الحل لا يمكن أن يُفرض من الخارج أو يتم عبر تسويات شكلية بين أشخاص أو كيانات، بل يجب أن يكون حلًّا ليبيًّا شاملًا تشارك فيه كل القوى الوطنية من دون إقصاء، ويقوم على أسس المصارحة والتوافق والعدالة والتمثيل المتوازن لكافة الأطراف.

وقد أبدى عدد من المكونات السياسية والاجتماعية رغبة جدية في التفاعل الإيجابي مع المبادرة، ممّا يدلّ على أنّها تعبّر عن تطلعات حقيقية داخل المجتمع الليبي. كما أننا حريصون على إبقاء المبادرة إطارًا جامعًا وليس ملكًا لطرف معيّن، ونحرص على أن تكون مدخلًا لتوحيد كل المسارات لا بديلاً عنها، بهدف تحقيق سلام دائم واستقرار فعلي.

لذا نحن نستند إلى مبدأ المصالحة الوطنية الجامع كمرتكز رئيس لهذه المبادرة، يضم كل طوائف المجتمع الليبي على كلمة واحدة.

ألا تخشى من السقوط داخل فخ الانسداد السياسي؟

ـ ربما يبدو الخوف أحيانًا منطقيًا، لكن ينبغي ألّا يعيقنا عن العمل والتمسك بضرورة التحرك من أجل بلادنا. نحن نفعل ذلك ونحن ندرك تمامًا أنّ الواقع السياسي الليبي مليء بالتعقيدات والتشابكات، وهناك محاولات دائمة لاحتواء أيّ تحرك وطني جاد عبر تدويره ضمن دوائر الانسداد نفسها، أو تفريغه من محتواه الحقيقي. ولكن ما يجعل "مبادرة السلام والوفاق الوطني" تختلف، هو أنّها لا تُبنى على مقترحات النخبة المتكررة، ولا على صفقات فوقية، بل تنطلق من قاعدة عريضة من القوى السياسية والمجتمعية التي تؤمن بأن بقاء الوضع الراهن لم يعد مقبولًا.

نحن لا نطرح مجرد بيان سياسي، بل نؤسس لمسار عملي يبدأ بالحوار الوطني الشامل، ويمر بإجراءات حقيقية لبناء الثقة، ويهدف في نهاية المطاف إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإجراء الانتخابات العامة في إطار شفاف ومتفق عليه.

الانسداد السياسي ليس قدرًا، بل نتيجة لغياب الإرادة الحقيقية والتفاف البعض على مطالب الشعب. هذه المبادرة تسعى لكسر هذا الانسداد عبر التأسيس لمسار وطني جامع، يكون الشعب الليبي هو مرجعيته، لا المصالح الضيقة ولا التوازنات الهشة.

كيف نستطيع تحديد شروط "التوافق الوطني"؟ ومن الذي يضع المعايير؟ الشعب، أم القوى الفاعلة سياسيًا وميدانيًا، أم الرعاة الإقليميون والدوليون؟

ـ شروط التوافق الوطني لا يمكن أن تُفرض من الخارج، ولا أن تُحتكر من قبل أيّ طرف محلي أو دولي. إنّ التوافق الحقيقي يُبنى على قاعدة واحدة: الشعب هو المصدر الوحيد للشرعية، وإرادته هي الفيصل. ولكن حتى تُترجم هذه الإرادة إلى مشروع سياسي، يجب أن يُتاح المجال أمام كل القوى الوطنية، السياسية منها والاجتماعية والميدانية، للمشاركة في صياغة معايير الحل.

في "مبادرة السلام والوفاق الوطني" نؤمن أنّ المعايير الأساسية للتوافق يجب أن تتضمن:

ـ إنهاء الانقسام المؤسساتي.

ـ ضمان وحدة البلاد ورفض التقسيم بأيّ شكل.

ـ رفض هيمنة الميليشيات.

ـ الالتزام بمبدأ التداول السلمي على السلطة عبر الانتخابات.

ـ تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

وماذا عن القوى الفاعلة إقليميًا ودوليًا؟

ـ أمّا الرعاة الإقليميون والدوليون، فدورهم يجب أن يكون داعمًا لا موجهًا. نحن نرحب بأيّ دعم دولي نزيه، خصوصًا من بعثة الأمم المتحدة، ولكننا نرفض تمامًا أيّ تدخل يرمي إلى هندسة مشهد سياسي يخدم مصالح خارجية على حساب استقرار ليبيا.

إنّ التوافق الوطني لا يُفرض، بل يُبنى بالحوار، وتُرعاه الثقة، وتُثبّته الانتخابات.

ما تقييمكم، دكتور عبد المنعم، لموقف البعثة الأممية من هذه المبادرات، وهل اطّلعت على مسودتها الرئيسية؟

ـ البعثة الأممية لعبت دورًا محوريًا منذ 2011، لكنّها لم تكن دائمًا فاعلًا محايدًا أو موفقًا في إدارة العملية السياسية، بل أسهمت في إنتاج ترتيبات هشة ومسارات غير مكتملة، عجزت عن إنهاء الانقسام أو بناء مؤسسات موحدة.

والأهم أنّ كل الاتفاقات السياسية التي رعتها البعثة سابقًا لم يتم تنفيذ بنودها الأساسية، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية واتفاق وقف إطلاق النار، وهي العناصر الجوهرية لأيّ حل حقيقي ومستدام للأزمة الليبية. ما جرى غالبًا كان مجرد تفاهمات نُفّذت منها الجوانب الشكلية، فيما تُرك الجوهر معلقًا، ممّا أسهم في إطالة أمد الأزمة.

أمّا بالنسبة إلى "مبادرة السلام والوفاق الوطني"، فهي ليست نتاج مشاورات مباشرة مع الأطراف السياسية، بل هي ثمرة لتراكم وطني من التجارب، وصدى لإرادة ليبية حقيقية تطالب بإنهاء الانقسام من خلال حوار شامل وصادق.

ما يميز هذه المبادرة أنّها، ولأوّل مرة، توسّع دائرة المشاركة لتشمل كافة الأطراف التي أسهمت في تشكيل الواقع الليبي منذ 2011، وقد شملت السياسيين والعسكريين والدستوريين والاجتماعيين، دون إقصاء أو احتكار.

كما أنّ جميع مراحل الحوار والمفاوضات ستُعقد داخل ليبيا، وبضمانة ليبية محلية، وبدعم من السلطات في الشرق والغرب. وسيكون دور البعثة الأممية والمجتمع الدولي دور المراقب لا المُدير، مع إخطارهم ودعوتهم في الوقت المناسب، للمواكبة لا للتوجيه، كما حدث في السابق.

في تقديركم، هل ترون البعثة تمارس دور الفاعل النزيه، أم أنّها تنخرط - بوعي أو بغيره - في عملية هندسة سياسية تُبقي الوضع تحت الفوضى المنظمة؟

ـ يصعب على أيّ مراقب منصف أن يصف أداء البعثة الأممية في ليبيا بالحياد الكامل أو النجاح المؤسسي في تسيير المرحلة الانتقالية. لقد اتسم دور البعثة خلال السنوات الماضية بالارتباك والتقلب، وغلب عليه الطابع الإداري أكثر من كونه مسارًا مبنيًا على فهم عميق للواقع الليبي.

للأسف، مارست البعثة، بقصد أو بدون قصد، نوعًا من "الهندسة السياسية" التي أسهمت في إنتاج سلطات هشة ومتعددة، بدلًا من توحيد المؤسسات وبناء قاعدة دستورية مستقرة. كما أنّها عجزت عن فرض تنفيذ الترتيبات الأمنية أو الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار، والتي كانت وما تزال الشرط الأول لأيّ استقرار حقيقي.

هناك أيضًا تعامل انتقائي من البعثة مع الأطراف السياسية، ممّا أضعف ثقة الشارع الليبي بها، وأفقدها دور الوسيط النزيه في نظر فئات واسعة من الشعب.

نحن لا ننكر أهمية وجود بعثة أممية كمراقب للعملية السياسية، لكن لا بدّ من إعادة ضبط هذا الدور بحيث يُبنى على احترام الإرادة الوطنية الليبية، ويخرج من عقلية الإدارة والتحكم إلى عقلية الدعم والمرافقة.

في "مبادرة السلام والوفاق الوطني"، سيكون للبعثة الأممية دور المراقب والمرافق، وليس المتحكم في المسارات أو صانع التوازنات، وهذا ما نؤمن بأنّه سيساعد على كسب ثقة الليبيين ويعزز فرص النجاح.

في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بإنهاء مرحلة حكومة الدبيبة، ووسط فشل المسارات الانتخابية، ما السيناريو الواقعي البديل؟

ـ البديل الواقعي لا يمكن أن يُبنى على مجرد تغيير أشخاص أو إعادة تدوير النخب ذاتها، بل لا بدّ أن يكون تحولًا جذريًا في طبيعة العملية السياسية وآليات إنتاج السلطة في ليبيا.

المرحلة الحالية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أنّ استمرار حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وفي ظل تحالفها مع المجموعات المسلحة، أصبح أحد العوائق الكبرى أمام التوافق الوطني وإجراء الانتخابات.

البديل الذي نطرحه من خلال "مبادرة السلام والوفاق الوطني" يقوم على عدة مرتكزات:

1. إعادة توحيد المسارات السياسية المتعددة تحت مظلة وطنية جامعة، بدعم من بعثة الأمم المتحدة كمراقب، وليس كمدير للمشهد.

2. توسيع دائرة المشاركة لتشمل كل الفاعلين الوطنيين، سواء من المؤسسات الحالية أو السابقة، ومن مكونات المجتمع المختلفة.

3. إطلاق حوار وطني شامل داخل ليبيا، يقود إلى تشكيل حكومة توافق وطني مصغّرة، بصلاحيات محددة ومهام انتقالية واضحة، على رأسها تنفيذ الترتيبات الأمنية، وتوفير المناخ الملائم لإجراء الانتخابات في أقرب الآجال.

4. إلزام المكونات المسلحة باتفاق ملزم لوقف إطلاق النار والانسحاب من المؤسسات المدنية، بضمانات داخلية وإشراف دولي غير تدخلي.

إذن، نحن لا نتحدث عن إسقاط حكومة وتكليف أخرى بالمنهجية السابقة نفسها، بل عن تأسيس لمسار جديد يعطي الشعب الليبي حقه في تقرير مصيره، ويضع المؤسسات في خدمة الاستقرار، لا في قبضة الصراع.

كثيرون يشيرون إلى ما يشبه التفاهم أو "التحالف الضمني" بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وبعض الأذرع الدينية، وعلى رأسها دار الإفتاء، رغم اتهامات متكررة لهذه الدار بتوفير غطاء ديني للميليشيات. ما حقيقة هذا التقاطع؟

ـ ما يُوصف بـ "التحالف الضمني" بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ودار الإفتاء يعكس في جوهره تقاطعًا وظيفيًا بين السلطة التنفيذية وبعض المؤسسات الدينية، بهدف تعزيز النفوذ السياسي وتعطيل مشاريع التغيير الحقيقي. هذا التقاطع ليس جديدًا، بل هو امتداد لنهج التوظيف السياسي للدين الذي برز بعد 2011، حيث تحوّلت بعض المرجعيات الدينية إلى أطراف سياسية منحازة، بدل أن تكون مرجعًا وطنيًا جامعًا.

رئيس الحكومة، في سعيه للتمسك بالسلطة، يعمل على الاستفادة من الغطاء الديني لتعزيز شرعيته أمام الشارع الليبي المحافظ، بينما تحظى دار الإفتاء بدورها بمساحة غير مسبوقة من التأثير في القرار السياسي. وموقفها من الجماعات المسلحة المحسوبة على هذا المعسكر يثير تساؤلات جدية حول حيادها واستقلالها.

لكن في ظل هذه التعقيدات، نؤكد أنّ أيّ مشروع وطني يسعى إلى إنهاء الأزمة الليبية يجب أن يتضمن ضبط دور دار الإفتاء والمؤسسات الدينية عامة، بما يضمن أن تكون عاملًا مساعدًا على ترسيخ سيادة الدولة واستقلالها واستقرارها وأمنها، وأن تبقى على مسافة واحدة من جميع الأطراف دون انحياز أو توظيف سياسي.

إنّ الفصل بين المؤسسات الدينية والسياسية لا يعني إقصاء الدين عن الشأن العام، بل تنظيم العلاقة بما يحفظ قدسية الدين من التسييس، ويحفظ السياسة من التقديس، وهو ما يشكّل أحد دعائم بناء الدولة المدنية الحديثة التي يتطلع إليها الليبيون.

الاتفاقية البحرية التي أبرمتها حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج مع تركيا ما تزال تثير جدلًا سياديًّا واسعًا، وقد دخلت حيّز التنفيذ بشكل منفرد من الجانب التركي، دون تصديق من البرلمان الليبي. برأيك، هل يمكن لمجلس النواب أن يُصادق عليها في هذا التوقيت؟ ولماذا؟

ـ ما تم توقيعه بين حكومة الوفاق السابقة وتركيا في العام 2019 هو في حقيقته مذكرة تفاهم، وليست اتفاقية دولية مُلزمة. ومذكرات التفاهم، وفق القانون الدولي، لا تُعتبر اتفاقات نهائية أو مُلزِمة إلا إذا صادق عليها البرلمان المختص. وهذا لم يحدث في الحالة الليبية، ممّا يُبقيها فاقدة للشرعية القانونية والدستورية داخل البلاد.

من جهة أخرى، فإنّ الجانب التركي مضى في تنفيذ بنود هذه المذكرة بشكل منفرد، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد المعاهدات الدولية التي تتطلب التوافق الثنائي والتنفيذ المتكافئ.

أمّا من حيث إمكانية مصادقة البرلمان عليها الآن، فهي غير مرجّحة سياسيًّا وقانونيًّا. فالبرلمان يدرك أنّ التصديق في هذا التوقيت قد يُفهم كمنح غطاء شرعي بأثر رجعي لتدخلات خارجية مثيرة للجدل، وهو ما قد يُحدث انقسامًا أكبر داخل المشهد الوطني.

كما أنّ البيئة السياسية الحالية غير مستقرة، ولا توجد سلطة تشريعية موحدة ومنتخبة قادرة على مناقشة ملفات سيادية بهذا الحجم. ولذلك فإنّ أيّ إعادة نظر في هذه المذكرة يجب ألّا تتم إلا ضمن تسوية وطنية شاملة، تُعيد بناء المؤسسات، وتُخضع جميع الاتفاقيات الدولية لمراجعة برلمان منتخب وموحَّد بإرادة الشعب، وعلى قاعدة السيادة الوطنية والمصالح المتوازنة.

الإدارة الأمريكية تُصدر إشارات متكررة عن "ترقّب لحل شامل في ليبيا"، دون وضوح في الرؤية أو تفاصيل المسار. كيف تقرأ هذه التصريحات؟ وهل نحن أمام تغيير في مقاربة واشنطن للملف الليبي، أم مجرد استمرار في سياسة إدارة الأزمة؟

ـ التصريحات الأمريكية حول "الترقب لحل شامل في ليبيا" تعكس عدم وجود رؤية استراتيجية واضحة لدى واشنطن تجاه الملف الليبي في الوقت الراهن، وهو ما يجعل تدخلها أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلّها.

فالولايات المتحدة تتعامل مع ليبيا من منظور مصالحها الأساسية، والتي تتركز في:

 مكافحة الإرهاب وضمان تدفّق الطاقة واستقرار أسواقها، والحد من النفوذ الروسي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وتأمين الحدود الجنوبية لمنع تدفّقات الهجرة غير الشرعية والإرهاب العابر للحدود.

ولذلك، فإنّ أيّ اهتمام أمريكي بليبيا غالبًا ما يكون تكتيكيًّا ومرتبطًا بتوازنات إقليمية ودولية، أكثر من كونه نابعًا من التزام بحل شامل يُعيد بناء الدولة الليبية.

ومع ذلك، هناك مؤشرات على أنّ واشنطن بدأت تدرك مخاطر استمرار الفوضى على المدى البعيد، خصوصًا مع تزايد التنافس الروسي ـ الفرنسي ـ التركي داخل ليبيا، وهو ما قد يدفعها إلى لعب دور أكثر فاعلية في المستقبل. ولكن حتى الآن لا توجد إرادة أمريكية واضحة لترجمة هذا "الترقب" إلى أدوات ضغط فعّالة على الأطراف المعطّلة للحل السياسي.

من هنا، فإنّ الدور الأمريكي، رغم أهميته، لا يمكن الاعتماد عليه وحده، بل يجب أن يُقابل بمبادرة وطنية واضحة تتطلب دعمًا دوليًّا، وليس وصاية خارجية.

هل تعتقد أنّ واشنطن ذاهبة نحو ترجمة أدوات حقيقية لإحداث تحول في المشهد، أم أنّ حضورها ما يزال رهينًا لمعادلات أخرى أهمها مصالحها في الطاقة ومكافحة النفوذ الروسي في ليبيا والحدود الأفريقية؟

ـ في الوقت الراهن، لا يبدو أنّ واشنطن تتجه نحو ترجمة أدوات حقيقية لإحداث تحول جذري في المشهد الليبي، بل إنّ حضورها ما يزال مشروطًا بمصالحها الاستراتيجية، وأبرزها:

1. الحدّ من التمدد الروسي، خصوصًا في الجنوب الليبي والساحل الأفريقي، نظرًا لما يشكّله ذلك من تهديد للأمن القومي الأمريكي والأوروبي.

2. ضمان استقرار إنتاج وتصدير النفط الليبي كعامل مهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية، دون أن يكون هناك التزام حقيقي بإصلاح المؤسسات التي تتحكم في هذه الموارد.

3. مراقبة النفوذ الصيني والتركي، في ظل منافسة عالمية على عقود الاستثمار، وإعادة الإعمار، والوصول إلى الموانئ والمصادر الطبيعية.

4. منع تحوّل ليبيا إلى نقطة ارتكاز للجماعات الإرهابية العابرة للحدود، والحفاظ على الحد الأدنى من الأمن الهش دون الدخول في عمليات بناء الدولة أو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.

ورغم إشاراتها المتكررة بدعم الحل السياسي، إلا أنّ المقاربة الأمريكية في ليبيا ظلت ضمن سياسة إدارة الأزمة لا حلّها، وهو ما أسهم في إبقاء البلاد في دائرة الفوضى المنظمة.

التحول المطلوب من واشنطن لا يمكن أن يتحقق إلا إذا دعمت مشروعًا وطنيًا حقيقيًا بقيادة ليبية خالصة، ولم تكتفِ بالرهان على شخصيات أو قوى تحافظ على توازن المصالح دون اعتبار لتطلعات الشعب الليبي في السيادة والاستقرار والوحدة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية