انسداد سياسي يطوّق ليبيا: معركة مجلس الدولة تكشف عمق الانقسام بين الإسلاميين وحلفائهم

انسداد سياسي يطوّق ليبيا: معركة مجلس الدولة تكشف عمق الانقسام بين الإسلاميين وحلفائهم

انسداد سياسي يطوّق ليبيا: معركة مجلس الدولة تكشف عمق الانقسام بين الإسلاميين وحلفائهم


03/08/2025

ما تزال الأزمة الليبية تراوح مكانها، حيث تصاعد منسوب الانسداد السياسي مع كل مرحلة تمضي فيها مؤسساتها.

وقد بدا ذلك واضحًا خلال السنة الأخيرة، منذ دبّ الخلاف داخل المجلس الأعلى للدولة بين محمد تكالة وخالد المشري على منصب رئيس المجلس، وظل الأمر كذلك حتى استطاع المجلس الأعلى للدولة، عبر جلسة توافقية لأعضائه، انتخاب مكتب رئاسة جديد، وذلك وسط اعتراض وطعون قضائية من خالد المشري.

 حزب العدالة والبناء يعيد التموضع

وربما كان لافتًا في هذا المشهد المحتدم انتخاب المهندس فيصل الصافي لرئاسة حزب العدالة والبناء الليبي، خلفًا لرئيسه السابق عماد البناني، مطلع شهر تموز (يوليو) الفائت، وهو تطور دفع جميع الأطراف المتحالفة مع الحزب، فضلًا عن كتلته داخل المجلس، إلى إعادة تموضع محمد تكالة كرئيس للمجلس.

من جديد: الانقسام داخل المجلس الأعلى للدولة

بهذه الخطوة يسعى محمد تكالة إلى تعزيز شرعية انتخابه وتكريس موقعه القانوني، بينما يتمسّك خالد المشري بخطوات الطعن القانوني، ممّا يعكس عمق الهوة بين الكتلتين الرئيسيتين داخل المجلس، ويثير احتمالات الانقسام والتشتت داخل المجلس الأعلى للدولة.

"ما تزال الأزمة الليبية تراوح مكانها، حيث تصاعد منسوب الانسداد السياسي مع كل مرحلة تمضي فيها مؤسساتها."

وجدير بالذكر أنّ المجلس الأعلى للدولة يتعاون مع مجلس النواب في شرق البلاد لاختيار رئيس حكومة جديد، عوضًا عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وربما يأتي هذا التطور في المشهد السياسي الليبي في وقت تبدو فيه علامات الاستفهام بارزة حول قدرة المؤسسات الليبية الفاعلة على الصمود في مواجهة شبح الانقسام والتفتت، وبالتالي قدرتها على إنتاج حلول سياسية ليبية بعيدًا عن أيّ مؤثرات خارجية.

موقع حكومة الدبيبة بين مكاسب تكالة وضغوط الخصوم

وفي خضم هذا المشهد المأزوم يبرز موقع حكومة عبد الحميد الدبيبة التي تجد في فوز تكالة فرصة لتعزيز حضورها السياسي، مقابل محاولات لتفعيل اختيار حكومة جديدة. وبين هذا وذاك يظل أفق الاستقرار السياسي في ليبيا مرتهنًا بقدرة الفاعلين المحليين على استنهاض بلادهم بروافع وطنية خالصة، ولفظ قوى الإسلام السياسي التي تعمل ضمن أجنداتها الخاصة بعيدًا عن الحلول الوطنية الشاملة.

السنوسي إسماعيل: الانقسام سيد الموقف

قال الكاتب السياسي السنوسي إسماعيل: "إنّه رغم انعقاد جلسة جديدة للمجلس الأعلى للدولة لم يطرأ أيّ جديد على المشهد السياسي داخل المجلس"، مشيرًا إلى أنّ الانقسام ما يزال سيد الموقف، وسط استمرار الخلافات والمناكفات بين الأطراف السياسية.

"أفق الاستقرار السياسي في ليبيا مرتهنٌ بقدرة الفاعلين المحليين على استنهاض بلادهم بروافع وطنية خالصة."

وفي هذا السياق، لفت إسماعيل، في حديثه لـ (حفريات)، إلى أنّ محمد تكالة يسعى إلى تعزيز موقعه القانوني، في محاولة لتجاوز الحكم القضائي السابق الذي يشكك في شرعية انتخابه. وبيّن أنّه، في المقابل، يُتوقّع أن يتخذ خالد المشري خطوات قانونية للطعن في شرعية هذه الجلسة، وهو ما يعكس استمرار الصراع القانوني والسياسي بين الطرفين.

طعون قضائية تزيد المشهد تعقيدًا وتؤجج الانقسام

وشدد إسماعيل، الكاتب السياسي، في تصريحاته لـ (حفريات)، على أنّ مجلس الدولة لم يتمكن من حسم حالة الانقسام، مؤكدًا أنّ جلسة الانتخابات التي عقدها تكالة نهاية شهر تموز (يوليو) الفائت لم تُحدِث أيّ تغيير في المشهد، بل كانت بمثابة محاولة من تكالة لإثبات حضوره وتعزيز موقفه، وربما كسب بعض النقاط على المستوى الإعلامي. غير أنّه نبّه إلى أنّ الجلسة، من حيث الشكل والمضمون القانوني، تطرح العديد من الإشكاليات التي قد تُقوّض مشروعيتها القانونية.

"حتى أعضاء مجلس النواب أنفسهم يعترفون بأنهم لا يستطيعون تشكيل حكومة جديدة بدون ضوء أخضر دولي."

وفي السياق ذاته، أشار إلى أنّ خالد المشري يعتزم الطعن في الإجراءات التي تم اتخاذها خلال الجلسة الأخيرة، وهو ما من شأنه أن يُبقي حالة الجمود والانقسام قائمة، من دون أن يتحقق أيّ تقدم فعلي نحو وحدة المجلس أو فعالية مخرجاته.

بين طرابلس وبنغازي: جدل تشكيل حكومة جديدة

وحول ملف التوافق بين مجلسي الدولة والنواب، أوضح إسماعيل أنّ إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية ما تزال واردة، شرط أن يتوافر التفاف سياسي وعسكري من القوى المؤثرة في المنطقة الغربية حول مجلس الدولة ودعمه في هذه المرحلة. كما شدّد على أنّ مثل هذا الدعم قد يُمهّد الطريق أمام تفاهمات مع مجلس النواب، خاصةً في ضوء المستجدات الأخيرة التي عززت موقع خالد المشري التفاوضي، نتيجة قدرته على بناء قنوات تواصل مع عدد من القوى السياسية والعسكرية في الغرب الليبي.

"الصراع بين تكالة والمشري ليس خلافًا بين شخصين، بل بين كتلتين تمثلان رؤيتين سياسيتين متضادتين."

وأضاف أنّ هذه المتغيرات قد تُحدث تحولًا في توازن القوى داخل المشهد السياسي، وقد تُضعف موقع حكومة عبد الحميد الدبيبة وحليفها محمد تكالة، على نحو مغاير لما يتم تداوله في وسائل الإعلام.

واختتم السنوسي إسماعيل تصريحاته لـ (حفريات) بالتأكيد على أنّ استمرار الانقسام داخل مجلس الدولة يبدو مرجّحًا في ضوء المؤشرات الحالية، غير أنّ التوافقات بين القوى الفاعلة في الغرب الليبي، سياسيًا وعسكريًا، قد تمثل نافذة أمل لإعادة مد جسور التفاهم مع مجلس النواب، خاصة بعد اللقاء الأخير الذي جمع خالد المشري بالمستشار عقيلة صالح في العاصمة المصرية القاهرة.

بعثة الأمم المتحدة ترحب بانتخاب مكتب رئاسة جديد للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا

 رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بانتخاب مكتب رئاسة جديد للمجلس الأعلى للدولة خلال جلسته المنعقدة الأحد 27 تموز (يوليو) بمشاركة (95) عضوًا. وأكدت البعثة أنّ التصويت جرى في أجواء طبيعية وشفافة، مشيدة بحضور ثلثي الأعضاء وما عكسه من توافق لتجاوز الانقسام.

"المشهد السياسي في ليبيا يدار بأكثر من يد، بعضها ظاهر، وأكثرها خفيّ بين دهاليز الخارج."

وجددت البعثة دعمها لجهود المجلس في دفع العملية السياسية وإنهاء المراحل الانتقالية، داعية الأعضاء إلى الوفاء بواجباتهم الوطنية بما يلبي تطلعات الشعب الليبي.

من جانبه، قال الكاتب السياسي محمد محفوظ: من الواضح أنّ التيار الذي يمثل تنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا يعاني من انقسام واضح؛ حيث طرف موجود في حزب العدالة والبناء، وهو يلقى دعمًا كبيرًا من الحكومة ورئيسها عبد الحميد الدبيبة، والطرف الآخر يتمثل في تيار الحزب الديمقراطي الذي يرأسه محمد صوان.

العدالة والبناء بعد انتخاب فيصل الصافي: تحالفات جديدة وتوازنات مختلفة

وتابع الكاتب الليبي محمد محفوظ حديثه لـ (حفريات) مؤكدًا أنّ حالة الانقسام داخل تنظيم الإخوان في ليبيا موجودة بعمق، الأمر الذي قلَّل بشكل كبير من نفوذه وقدرته على صنع القرار في ليبيا طيلة السنوات الماضية بشكل واضح.

"فوز محمد تكالة كان من مصلحة عبد الحميد الدبيبة، لكن هذا التحالف المؤقت لن يصمد طويلًا أمام تعقيدات المشهد."

ولفت محفوظ إلى أنّ هذا الوضع بدا جليًّا اليوم من خلال انسحابهم، أو حتى خروجهم، من عدد من المؤسسات والأماكن التي كانوا يشغلونها بحكم التحالفات الجديدة والتناقضات التي تحكم مسارات الخروج من الأزمة السياسية في ليبيا، ولكنّه شدد على أنّ ذلك لا يعني عدم تربصهم بالمشهد السياسي ومخرجاته، واستعدادهم للظهور والتموضع من جديد في أيّ فرصة مناسبة.

"بعثة الأمم المتحدة تنهي المسارات الموازية وتطرح خيارات بديلة قد تُقصي مجلسي النواب والدولة عن المشهد."

أمّا فيما يتعلق بمجلس الدولة والأزمة التي علقت به نتيجة الانتخابات الأخيرة وإعلان فوز محمد تكالة، فقد أشار محفوظ إلى أنّ الخلاف فيه ليس خلافًا بين رئيسين (تكالة والمشري) فقط، فهذا هو الظاهر، لكنّ حقيقة الخلاف أنّه بين كتلتين سياسيتين: كتلة تدعم قوانين (6+6)، وتريد أن تذهب نحو مسار تشكيل حكومة مع مجلس النواب، وبالتحديد مع رئيس المجلس عقيلة صالح، باعتبار أنّ هناك طيفًا واسعًا في مجلس النواب لا يريد تغيير الحكومة، وليس له مصلحة في ذلك؛ إذ إنّ هناك حكومة في بنغازي تُسَيَّل لها الأموال ولديها القدرة، وبالتالي لا يجدون داعيًا لتشكيل حكومة أخرى تتمركز في طرابلس وتقلّ معها أدوات النفوذ.

"هناك طيف واسع داخل مجلس النواب لا يريد حكومة جديدة، لأن النفوذ هناك يتدفق من بنغازي."

والكتلة الأخرى يمكن وصفها بأنّها مقرّبة من رئيس الحكومة في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، ويمكن أن تسير في مسار بعيد عن مسار خالد المشري وعقيلة صالح.

الدبيبة المستفيد الأول من فوز تكالة

وفي تقديره، شدد محفوظ على أنّ المسار الأول (مسار تشكيل حكومة جديدة عبر مجلس النواب والدولة) يظل مسارًا غير قابل للتنفيذ، هذا إذا افترضنا أنّ المجلسين ثابتان على رؤية واحدة، وهو أمر لم يعد موجودًا.

محمد محفوظ: القرار في ليبيا ليس قرارًا ليبيًّا خالصًا 

شدد محفوظ على أهمية التدقيق في رأي المنظومة الدولية ومدى قدرتها على حسم الأمور في ليبيا، موضحًا أنّ الجميع يعلم تمامًا ـ للأسف الشديد ـ أنّ القرار في ليبيا ليس قرارًا ليبيًّا خالصًا، وإنّما هو قرار يأتي ضمن شرعية دولية وبقرارات مجلس الأمن، وهي التي منحت الشرعية لهؤلاء الفاعلين المحليين. وبالتالي حتى أعضاء مجلس النواب أنفسهم يتحدثون عن أنّه لا يمكنهم الخوض في حكومة جديدة إلا إذا كان هناك ضوء أخضر دولي.

"التوافق بين القوى الفاعلة في الغرب الليبي يمثل نافذة أمل، لكنه مشروط بقرارات الخارج."

وأشار محفوظ إلى أنّ مسار البعثة اليوم بعيد عن هذا المسار؛ إذ هناك مخرجات أنتجتها اللجنة الاستشارية بصدد الحديث عن خارطة طريق قد تعلنها المبعوثة الأممية (تيته) في إحاطتها القادمة في شهر آب (أغسطس) الجاري، إن لم تستجد بعض المعطيات، وبذلك فهذا هو المسار الوحيد القابل للتنفيذ.

وأوضح محفوظ أنّ الوضع الآن في ليبيا قد يفتح المجال للبعثة من جانبين: البعثة، بهذه الحالة، سوف تنهي أيّ مسار موازٍ، وهو أحد أسباب الترحيب.

والآخر أنّه يجعلها أكثر مرونة وقابلية لطرح مسارات أو خيارات بعيدة عن مجلسي النواب والدولة.

"البعثة الأممية رحّبت بالجولة الانتخابية داخل مجلس الدولة، لكنها تعلم أن الخلاف أعمق من صناديق الاقتراع."

ويرى محفوظ، في ختام حديثه الذي خصّ به (حفريات)، أنّ فوز محمد تكالة الأخير كان من مصلحة عبد الحميد الدبيبة، ولذلك أسهم ـ بشكل أو بآخر ـ في مسألة التحشيد السياسي والضغط من أجل إنجاح هذه الجلسة وانتخاب تكالة، باعتبار أنّه سوف يجد نفسه في حالة أريحية أكبر. بيد أنّ ذلك لن يظل هكذا على الدوام؛ باعتبار أنّ المسار اليوم ليس مرتبطًا بتكالة أو بالمشري أو بعقيلة صالح، دون الانتباه إلى رغبة الإرادة الدولية في مسارات الحل في ليبيا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية