
في توقيت دقيق سياسياً وأمنياً، أعلنت السلطات التركية توقيف القيادي الإخواني محمد عبد الحفيظ، وهو أحد المحكوم عليهم بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات، وأحد الكوادر الأساسية في حركة "حسم" المسلحة، الذراع النوعية لتنظيم الإخوان المسلمين. واللافت أنّ الخطوة جاءت بعد ساعات فقط من بيان رسمي لوزارة الداخلية المصرية، وجّه فيه اتهاماً مباشراً بأنّ "قيادات حركة حسم للعمل المسلح ما زالوا يقيمون داخل تركيا"، وأنّ بعضهم متورط في إعادة تنشيط خلايا إرهابية في الداخل.
السلطات التركية أعلنت توقيف القيادي الإخواني عبد الحفيظ في توقيت حساس بعد اتهامات مصرية بوجود قادة حسم داخل تركيا
هذا الربط الصريح بين قيادات "حسم" والإقامة في الأراضي التركية يُعدّ تصعيداً دبلوماسياً نادراً من جانب القاهرة، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان تسليم عبد الحفيظ يمثل بداية مراجعة تركية جادّة لملف الإخوان، أم مجرد خطوة رمزية في إطار إدارة التوازنات السياسية بين البلدين.
ويشير باحثون إلى أنّ هذا التصعيد يعكس توتراً مكتوماً في العلاقات بين أنقرة والقاهرة، رغم المسار العام للتطبيع والتنسيق الأمني خلال العامين الماضيين.
ومع عودة النشاط لبعض الخلايا المرتبطة بـ "حسم"، والتلويح بوجودهم في تركيا، يبدو أنّ ملف الإخوان عاد ليتصدر المشهد من جديد، لكن هذه المرة في سياق مختلف تماماً عن سنوات ما بعد 2013.
من هو محمد عبد الحفيظ؟ ولماذا يُعدّ تسليمه تطوراً لافتاً؟
يُعدّ محمد عبد الحفيظ أحد الوجوه البارزة في الجناح المسلح لجماعة الإخوان، وعضواً في ما يُعرف بـ "اللجنة الإدارية العليا"، وقد أُدرج اسمه في قائمة المحكوم عليهم بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات عام 2015، إلى جانب كوادر مثل يحيى موسى وعلاء السماحي.
تسليم عبد الحفيظ يطرح تساؤلات حادة حول نوايا تركيا في إعادة ترتيب علاقتها بالإخوان أم أنها مجرد خطوة رمزية محدودة
وصل عبد الحفيظ إلى تركيا عام 2019 قادماً من الصومال، وهناك حصل على إقامة مؤقتة قبل أن تعلن أنقرة في حينها ترحيله. لكنّ ما جرى مؤخراً من إعلان رسمي بالتسليم، في ظل التنسيق الأمني بين القاهرة وأنقرة، يعطي للخطوة دلالة سياسية مختلفة، حيث إنّها تمثل سابقة في تعامل أنقرة مع شخصيات إخوانية محكوم عليها بالإعدام في قضايا إرهاب.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنّها قد تفتح الباب أمام معالجة ملفات أكثر حساسية تتعلق بقيادات إخوانية بارزة ما تزال تنشط من داخل الأراضي التركية، وسط مطالب مصرية متكررة بضرورة تسليمهم أو على الأقل وقف نشاطاتهم التحريضية.
الإجراءات التركية تجاه الإخوان: تحوّل تكتيكي أم بداية استراتيجية جديدة؟
منذ عام 2021 شرعت تركيا في تقليص المساحات الإعلامية والسياسية التي تنشط فيها جماعة الإخوان على أراضيها. وأوقفت برامج شهيرة كانت تبث من قنوات مثل "الشرق" و"مكملين"، وفرضت على بعض الإعلاميين مغادرة البلاد أو الامتناع عن الحديث في الشأن المصري. لكنّ هذه الخطوات، رغم دلالاتها، لم تتجاوز حدود "إدارة الأزمة" أكثر من كونها قطيعة مع الجماعة.
أنقرة تحاول إدارة التوازنات السياسية بعناية بين القاهرة والإخوان وسط ضغوط إقليمية متزايدة ومصالح متشابكة في ملفات أكثر سخونة
الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية أحمد سلطان يؤكد، في تصريحات خاصة لـ (حفريات)، أنّ "التحولات الأخيرة في التعامل التركي مع ملف الإخوان لا تعكس بالضرورة توجهاً جذرياً لإنهاء العلاقة مع الجماعة، وإنّما تأتي في إطار حسابات ظرفية تحكمها أولويات السياسة الإقليمية".
ويشير سلطان إلى أنّ "أنقرة والقاهرة قررتا، تحت ضغوط الجغرافيا السياسية، تأجيل الحسم الكامل لملف الإخوان، والتركيز على ملفات أكثر إلحاحاً مثل غاز المتوسط والتوترات الليبية وتداعيات الحرب في غزة"، مضيفاً أنّ "ما حدث مع عبد الحفيظ، وما سبقه من تضييقات إعلامية، لا يعني نهاية الحماية التركية للإخوان، بل يعكس إدارة مرنة للملف بما يخدم مصالح تركيا في اللحظة الراهنة".
الخطوة التركية تأتي بعد تنسيق أمني مع مصر وتعكس مرحلة جديدة من الحذر السياسي في التعامل مع شخصيات الإخوان البارزة
ويضيف: "تركيا تلعب بالأوراق بحذر. تقدّم إشارات للأمن المصري، وتقول إنّها تراقب وتنسق أمنياً، لكنّها لا تكشف كل أوراقها، وتستمر في احتواء بعض القيادات تحت غطاء قانوني مثل الإقامات الإنسانية أو الجنسية التركية".
وفي سياق متصل، أوضح محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات، في تصريحات خاصة لـ (حفريات)، أنّ الحديث عن تسليم تركيا للقيادي الإخواني محمد عبد الحفيظ لمصر ما يزال قيد الترقب، ولم يُنفذ فعليّاً حتى الآن، مؤكداً أنّ عبد الحفيظ ما يزال محتجزاً في أحد مراكز الترحيل بإسطنبول، بانتظار استكمال الإجراءات القانونية، دون وجود تأكيد رسمي من الجانب التركي على إتمام عملية التسليم.
عبد الحفيظ كان يعتقد أنه مؤمن داخل تركيا لكن اعتقاله كشف اهتزاز الحماية السياسية التي ظلت الجماعة تراهن عليها لسنوات
وأشار حامد إلى أنّ مظاهرات محدودة خرجت قرب إسطنبول خلال الساعات الماضية، شارك فيها عناصر من جماعة الإخوان وعدد من المتعاطفين، من مصريين وغير مصريين، رفضاً لترحيل عبد الحفيظ، وهو ما يعكس حساسية هذه الخطوة داخل الأوساط الإخوانية في تركيا.
ولفت إلى أنّ بعض حالات الترحيل السابقة من تركيا إلى مصر، والتي أُثيرت في السنوات الماضية، لم تكن في إطار تعاون أمني أو سياسي، بل كانت نتيجة أخطاء إجرائية تتعلق بالإقامة أو تجاوز مدة التأشيرة، إذ رُحّل بعض الأشخاص بسبب عدم استيفائهم الشروط القانونية للإقامة، وليس بناء على طلبات تسليم رسمية من القاهرة.
المشهد يعكس توترًا مكتومًا خلف التنسيق الظاهري بين القاهرة وأنقرة وسط محاولات تجنب التصعيد المباشر في ملفات حساسة
وأضاف: "حتى هذه اللحظة، لم تتسلم مصر رسميّاً أيّاً من قيادات جماعة الإخوان أو المتورطين في أعمال عنف من المقيمين في تركيا، سواء من عناصر حركة "حسم" أو غيرها"، مؤكداً أنّ المسألة ما تزال غامضة على المستوى الأمني والسياسي، رغم التقدم الواضح في العلاقات بين القاهرة وأنقرة خلال العامين الماضيين، على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية، وحتى الدينية، في إشارة إلى زيارة رئيس الشؤون الدينية التركي، علي أرباش، إلى مصر مؤخراً.
وشدد حامد على أنّ الملف ما يزال مفتوحاً ولم يُحسم بعد، وأنّ تسليم قيادات إخوانية إلى القاهرة سيبقى مرهوناً بحسابات تركية دقيقة، سواء في إطار التفاهمات مع مصر أو التوازنات الداخلية لدى أنقرة نفسها.
هل تفتح هذه الخطوة الباب لتسليم قيادات أخرى؟
بيان وزارة الداخلية المصرية الأخير، الذي كشف بشكل علني عن وجود قيادات لحركة "حسم" في تركيا، أعاد تسليط الضوء على شخصيات بارزة ما تزال تنشط من إسطنبول، على رأسهم يحيى موسى وعلاء السماحي، وهما المؤسسان الفعليان للحركة، اللذان صدرت بحقهما أحكام قضائية نهائية في قضايا تفجيرات واغتيالات.
خطوة التسليم المحتملة لا تؤكد القطيعة مع الإخوان لكنها تشير إلى حسابات سياسية ضاغطة تحكم سلوك تركيا في المرحلة الحالية
وبحسب مصادر أمنية مصرية، فإنّ القاهرة قدمت سابقاً مذكرات رسمية للجانب التركي بشأن تسليم هذه الأسماء، لكنّ أنقرة لم تستجب إلا بشكل جزئي، واكتفت بفرض قيود على بعض التحركات دون إجراءات قانونية مباشرة.
ويقول أحمد سلطان: إنّ السيناريو المرجّح أن تطلب تركيا من بعض هذه الشخصيات "مغادرة أراضيها إلى وجهات بديلة"، بشكل غير معلن، في محاولة لتجنب الصدام مع القاهرة من جهة، وللحفاظ على الورقة الإخوانية كورقة تفاوضية من جهة أخرى. ويضيف: "تركيا لن تسلم هذه الأسماء بسهولة، لكنّها قد تخرجهم من المشهد بطريقة ملتوية دون إثارة صخب داخلي أو خارجي".
كيف تؤثر الخطوة على العلاقة مع القاهرة؟
تشكّل خطوة تسليم عبد الحفيظ "بادرة حسن نية" في نظر البعض، لكنّ الربط الرسمي من جانب القاهرة بين حركة "حسم" وتركيا يعكس وجود توتر مكتوم في العلاقة بين البلدين. ورغم استئناف اللقاءات الأمنية، والتعاون في ملفات مثل الغاز والهجرة، ما تزال بعض المسائل الحساسة، وعلى رأسها ملف الإخوان، تهدد بانفجار الخلاف في أيّ لحظة.
وتسعى تركيا إلى تعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية من خلال التقارب مع القاهرة، لكنّها تدير ملف الإخوان بمنطق "المناورة"، وهو ما يضع العلاقة على حافة التوازن الدقيق. ومن غير المستبعد أن يشهد الملف تصعيداً جديداً إذا ما استمرت القاهرة في الكشف عن تفاصيل دعم الإخوان من الخارج.
ردّ فعل الإخوان: هل بدأت مرحلة الهروب من تركيا؟
داخل الجماعة قوبل تسليم عبد الحفيظ بحالة من الذهول، خاصة أنّ القيادي الشاب كان يُعدّ من المؤمّنين سياسياً داخل تركيا، وكان يظن نفسه في مأمن من الترحيل. هذا التطور فتح الباب لموجة من القلق داخل أوساط القيادات الوسطى، التي بدأت فعلياً في البحث عن وجهات بديلة مثل ماليزيا وجنوب أفريقيا، أو حتى كندا، بعيداً عن رقابة أنقرة.
بيانات الداخلية المصرية حملت لهجة تصعيدية غير مسبوقة ربطت بين وجود حسم في تركيا وعودة النشاط الإرهابي داخل البلاد
وتدور في أوساط الجماعة أحاديث عن ضرورة إعادة تموضع التنظيم دوليّاً، وتخفيف الاعتماد على تركيا كحاضنة دائمة، مع تزايد التقديرات بأنّ أنقرة قد تُضطر يوماً ما لتقديم "رؤوس كبرى" في إطار صفقات إقليمية أوسع.
تسليم محمد عبد الحفيظ يُعدّ اختباراً لجدّية أنقرة في إعادة ترتيب علاقتها مع جماعة الإخوان من جهة، ومع القاهرة من جهة أخرى. ورغم أنّه لا يُعدّ مؤشراً قاطعاً على نهاية العلاقة بين تركيا والإخوان، إلا أنّه يمثل بداية مرحلة جديدة، أكثر تعقيداً، وأكثر حذراً، لا سيّما في ظل تصاعد الضغوط المصرية وعودة نشاط "حسم".
وإذا ما استمرّت القاهرة في الكشف عن وجود خلايا إرهابية مرتبطة بقيادات مقيمة في تركيا، فقد تجد أنقرة نفسها مضطرة لاتخاذ خطوات أكثر حسماً، ولو على حساب تحالف تاريخي لطالما شكّل أحد أعمدة سياساتها الإقليمية بعد 2011.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)