
في السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام الدولي بتفكيك بنية جماعة الإخوان المسلمين ليس فقط كتنظيم سياسي ودعوي، بل كمشروع اقتصادي واسع متعدد الأذرع. فالجماعة التي وُلدت في مصر مطلع القرن العشرين، سرعان ما أدركت أن التمويل الذاتي وامتلاك أدوات اقتصادية مستدامة هو أحد أهم مفاتيح البقاء والتأثير، خاصة في البيئات التي تواجه فيها ضغوطاً سياسية أو أمنية.
من خلال شبكات متشابكة من الجمعيات والشركات والمصارف والأوقاف، نجح الإخوان في تأسيس منظومة مالية تُمكّنهم من تمويل أنشطتهم الحركية، وتوفير الدعم الاجتماعي لأتباعهم، والتمدد الناعم داخل مؤسسات المجتمع.
الجماعة أدركت منذ نشأتها أن التمويل الذاتي والتمكين الاقتصادي المستدام هو مفتاح البقاء والنفوذ خاصة في ظل الضغوط السياسية والأمنية
هذا التمكين الاقتصادي لم يكن فقط رديفًا للعمل الدعوي، بل تحوّل إلى سلاح استراتيجي يعزز النفوذ ويؤسس لتحالفات متينة داخل الدول التي ينشطون فيها.
وتتباين تجارب التمكين الاقتصادي للإخوان بحسب السياقات الجغرافية والسياسية، لكن الخيط الناظم بينها جميعاً هو السعي إلى بناء سلطة موازية تحت غطاء الاقتصاد الشرعي أو الخيري، من أوروبا التي تحوّلت إلى بيئة حاضنة، مروراً بتونس التي استغل فيها الإخوان مرحلة الانتقال الديمقراطي، وصولاً إلى الأردن حيث اتخذت الجماعة طابعاً مؤسسياً في اختراق البنى الاقتصادية، تبدو شبكة المصالح الاقتصادية للجماعة أوسع وأعمق مما كان يُعتقد.
التمكين الاقتصادي للإخوان في أوروبا.. المال في خدمة الدعوة
وتجمع أغلب القراءات على أن الإخوان أدركوا مبكرًا أن أوروبا تمثل ملاذًا آمنًا ومساحة حيوية للتمدد، ليس فقط دعويًا، بل أيضًا اقتصاديًا. وبفضل قوانين الحريات والتشريعات الليبرالية، استطاع التنظيم نسج شبكات مالية معقدة تتجاوز الرقابة التقليدية، عبر مؤسسات خيرية وبنوك ومراكز تعليمية مرتبطة بواجهات إسلامية.
أسست جماعة الإخوان شبكة مالية معقدة من الجمعيات والمصارف والشركات لتمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها تحت غطاء العمل الخيري والاقتصاد المشروع
في سويسرا، مثلاً، كشفت تقارير أوروبية عن دور “المعهد الثقافي الإسلامي” في دعم أجندة الإخوان تحت غطاء التبادل الثقافي. ويمثل يوسف ندا، أبرز ممولي الجماعة، نموذجًا لتداخل المال بالدين، حيث أنشأ شبكة مؤسسات مالية ضخمة مقرها لوغانو، ظلت لعقود واجهة اقتصادية مموِّلة للتنظيم. وقد خلصت أجهزة أمنية أوروبية إلى أن كثيرًا من هذه المؤسسات تُستخدم لنقل الأموال وتبييضها بعيدًا عن الأطر القانونية.
تحول التمكين الاقتصادي من وسيلة دعم إلى سلاح استراتيجي مكّن الجماعة من بناء تحالفات قوية داخل المجتمعات واستقطاب الفئات المهمشة والضعيفة
أما في ألمانيا، فقد ازدهرت أنشطة “منظمة المجتمع الإسلامي” و”التجمع الإسلامي في ألمانيا”، وهما ذراعا الإخوان التقليديتان هناك. وتتلقى هذه المنظمات تمويلًا عبر شركات وتبرعات ومشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة تُدار من قبل كوادر التنظيم، ما يمنحها قدرة على التأثير المجتمعي وتمويل المراكز والمدارس الإسلامية المرتبطة بها.
ولا ينفصل التمكين الاقتصادي للإخوان في أوروبا عن استراتيجيتهم الناعمة لاختراق النخب والتغلغل في الأحياء المسلمة، حيث تستثمر الجماعة في التعليم والمساجد والتجارة الصغرى لتعزيز ولاء المجتمعات المحلية. وفي ظل غياب رقابة صارمة على الجمعيات الخيرية، لا تزال هذه الشبكات تمثل تحديًا أمنيًا ملحوظًا في عدة دول أوروبية.
مصر وتونس.. التمكين من الدولة إلى السوق
وفي مصر، بلغ مشروع التمكين الإخواني ذروته مع وصول الجماعة إلى الحكم عام 2012، غير أن جذوره تعود إلى فترات سابقة حين تغلغل التنظيم في النقابات المهنية والجمعيات الخيرية والقطاع التعليمي.
أوروبا شكلت بيئة حاضنة لتمدد الإخوان حيث استغلوا الحريات والتشريعات لبناء مؤسسات مالية تغطي على نقل الأموال وتمويل الأنشطة الحركية
وبمجرد توليهم السلطة، سعى الإخوان إلى "أخونة" الدولة عبر زرع عناصرهم في الوزارات، خصوصًا التعليم، الأوقاف، والإعلام، وفتحوا الباب أمام رجال أعمال مقربين للهيمنة على السوق.
ومن أبرز أذرع التمكين الاقتصادي في مصر كانت الجمعيات والمشروعات الصغيرة التي وفّرت شبكة دعم موازية للدولة، تُستخدم كوسيلة لبناء قاعدة ولاء شعبية. وقدرت بعض التقارير عدد الجمعيات التي تدور في فلك الجماعة قبل 2013 بأكثر من 2000 جمعية، كثير منها كان يحصل على تمويلات من الخارج، خاصة من قطر وتركيا، لدعم نشاطات اجتماعية ظاهرية تخدم أهداف التنظيم.
أما في تونس، فقد مارست حركة النهضة شكلًا مموهًا من التمكين الاقتصادي منذ 2011، مستفيدة من الغطاء الديمقراطي للتحرك عبر مؤسسات الدولة والجمعيات. ومع تزايد أدوارها داخل البرلمان والحكومة، ضمنت النفاذ إلى ملفات التمويل الأجنبي وموارد الدولة. كما استثمرت في المجالس البلدية والجمعيات "الخيرية" التي ضمنت من خلالها نفوذًا محليًا واستقطابًا شبابيًا.
في تونس استفادت النهضة من المناخ الديمقراطي لبناء نفوذ اقتصادي من خلال البلديات والجمعيات واختراق مؤسسات الدولة بشكل ممنهج وناعم
ورغم سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، وتجميد مؤسساتهم السياسية في تونس عام 2021، إلا أن شبكات التمكين الاقتصادي لم تُفكك بالكامل.
وما زال العديد من رجال الأعمال المرتبطين بالجماعة في البلدين ينشطون عبر شركات مسجلة بواجهات قانونية، أو من خلال نشاطات في الخارج، ما يجعل من محاربة هذا التغلغل معركة طويلة الأمد تتطلب تفكيك البنية المالية وليس فقط التنظيم السياسي.
الأردن.. احتواء سياسي أم تغلغل اقتصادي ناعم؟
هذا ويُعد الأردن من أبرز الساحات التي سمح فيها للإخوان المسلمين بالنشاط العلني لعقود، ما أتاح لهم بناء منظومة تمكين اقتصادي ناعمة ومتجذّرة. وعلى الرغم من تقلب العلاقة مع الدولة، إلا أن الجماعة استطاعت أن ترسّخ حضورها في مفاصل المجتمع، لا سيما من خلال الجمعيات الخيرية، النقابات المهنية، وشبكات التعليم الخاص التي درّت أرباحًا ضخمة على التنظيم.
رغم سقوط الجماعة في مصر وتونس إلا أن شبكاتها الاقتصادية لم تُفكك بالكامل ولا تزال تنشط بواجهات قانونية وتمويلات خارجية يصعب ضبطها
وقد برز الذراع الاقتصادي للجماعة في الأردن من خلال "جمعية المركز الإسلامي"، التي تأسست في الخمسينيات، وتحولت لاحقًا إلى إمبراطورية مالية تدير عشرات المدارس، المستشفيات، والمراكز الاجتماعية. وقدّرت بعض الدراسات أن أصول الجمعية وحدها تجاوزت 100 مليون دينار أردني في ذروتها، قبل أن تتدخل الدولة للسيطرة عليها جزئيًا في منتصف العقد الأول من الألفية.
كما اتخذ التمكين الاقتصادي طابعًا نقابيًا، حيث سيطر الإخوان على نقابات قوية مثل نقابة المعلمين ونقابة المهندسين، مستغلين موقعهم لتقديم قروض، فرص تدريب، وتوظيف، مما كرّس ولاءات مهنية مرتبطة بالتنظيم أكثر من ارتباطها بالدولة أو بالمصلحة العامةو قد وفرت لهم هذه القنوات موردًا بشريًا وماليًا متجددًا خارج أطر الأحزاب التقليدية.
في مصر توسع المشروع الاقتصادي للإخوان داخل النقابات والجمعيات الخيرية وبلغ ذروته مع وصولهم للسلطة وسعيهم لأخونة الدولة والاقتصاد
ورغم أن الدولة الأردنية اعتمدت مقاربة الاحتواء أكثر من المواجهة، فإنها بدأت خلال السنوات الأخيرة باتخاذ إجراءات تدريجية للحد من نفوذ الجماعة الاقتصادي، سواء عبر التشدد في منح التراخيص، أو مراجعة التمويلات الأجنبية، أو تشجيع التيارات الإسلامية المنافسة. لكن ما زال التحدي قائمًا، إذ أن كثيرًا من واجهات التمكين أصبحت مستقلة ظاهريًا عن الإخوان، بينما تخدم أجنداتهم بشكل غير مباشر

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_79.jpg.webp?itok=7rXr9kK6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_2.jpg.webp?itok=8A8Zg-x4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41.jpg.webp?itok=On1h3rLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_9.jpg.webp?itok=cJkeDBI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
