زودي أرأيَّا.. نجومية في روما عار في أسمرا

زودي أرأيَّا.. نجومية في روما عار في أسمرا

مشاهدة

21/10/2018

لولا مديح غابرييل غارسيا ماركيز لها، لظلّت الفنانة الكولومبية، شاكيرا، "بنت شارع" في تصورات الكثيرين في منطقتنا، بمن فيهم بعض "المثقفين"، لكن يبدو أنّ عبارات الروائي العظيم نزلت عليها برداً وسلاماً من جحيم "التصنيف الأخلاقي" للفنّ الذي يسود بيننا، فهادن الجميع، وكيف لا؟ فالقائل هو "غابو" العظيم: "لا أحد بوسعه أن يغني ويرقص كشاكيرا؛ إنّها النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة السحر"، فسكت الجميع، أو تماهوا.

لم يكن هذا حظّ الممثلة والمنتجة السينمائية الإيطالية/ الإريترية، زودي أرأيّا، التي تمّ تجاهلها ودفن سيرتها ومسيرتها المقدرتين حدّ النسيان؛ إذ لم تجد من ينصفها أو يحتفي بها -على الأقل- بين مثقفي بلدها، فأدار الجميع ظهورهم لسيرتها، وكأنها لم تكن.

الممثلة الإيطالية من جذور إريترية زودي أرأيَّا

امرأة مجنونة فقط!

"زودي أرأيَّا امرأة مجنونة فقط"، تماماً كما قال ماركيز عن شاكيرا، وهذا الجنون هو الذي جعلها "نجمة" ذائعة الصيت في إيطاليا، و"عاراً" ينبغي دفنه أو السكوت عنه في بلدها الأصل، وهذا ما يبدو أكثر جنوناً.

حازت زودي العام 1969 على جائزة ملكة جمال إثيوبيا عندما كان بلدها إرتيريا تحت الاستعمار

أن تخرج شابة في الـ22 من عمرها، في سبعينيات القرن الماضي، من منطقة شديدة الظلام (إرتيريا)، لتصبح ممثلة ونجمة في العاصمة الإيطالية روما، فإنّ الأمر يحتاج إلى إعادة تنقيب لسيرتها ومسيرتها من زوايا غير مطروقة ولا مألوفة.

ولدت أرأيّا في خمسينيات القرن الماضي، في (دقْ أمْحري)، 40 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة أسمرا، وهي بلدة ريفية تم تطويرها من قبل الإيطاليين كمركز لزراعة العنب وصناعة النبيذ، وازدهرت البلدة، وصارت مركزاً لصناعات أخرى: كالمعكرونة، والخبز الفاخر، والبسكويت، والإسباغيتي.

اقرأ أيضا: بعد فوزها بجائزة عالمية أنصار حزب الله يهاجمون المخرجة نادين لبكي

وهناك في (دقْ امْحري)؛ نشأت زوي أرأيّا، في أسرة متعلمة؛ حيث كان والدها موظفاً مرموقاً، وعمّها سفيراً لأثيوبيا لدى إيطاليا، لكنّ أسرتها لم تمكث كثيراً بُعيد ولادتها في البلدة الصغيرة الرائعة، فانتقلت إلى أسمرا؛ حيث مصالحها وطبقتها الجديدة، وهناك نشأت ودرست وأجادت اللغة الإيطالية، إلى جانب الإنجليزية والأمهرية، ولغتها الأم (التقرينية) بطبيعة الحال.

مبنى إيطالي في "دق امحري" بلدة زودي أرأيَّا

ومن تفاصيل الشوارع الأسمراوية ومدارسها و(سينماتها) ومقاهيها، وخلال تلك الخلفية الباكرة في بلدة النبيذ والإسباغيتي، وفي كنف أسرة تحلم بالصعود إلى مراقي السلم الاجتماعي والسياسي، في بلاد خرجت من الاستعمار الإيطالي إلى الإنجليزي، ثم سُلِّمت إلى أثيوبيا انتداباً، ورزحت تحتها عقوداً عدداً، إلى أن نالت استقلالها، عام 1993، تشكّلت شخصية (أرأيّا)، قبل أن تحدث لها أمور صغيرة رائعة، جعلت كلّ حياتها تنقلب رأساً على عقب.

ملكة جمال ومروجة قهوة

الشابة الصغيرة، المولودة العام 1951، بحسب روايتها الشخصية، حازت العام 1969 على جائزة ملكة جمال (إثيوبيا)؛ عندما كان بلدها تحت الاستعمار، ثم سنحت لها الفرصة لزيارة عمّها، الذي كان يعمل وقتها ضمن الطاقم الدبلوماسي في سفارة إثيوبيا إلى روما، العام 1972؛ حيث تم تقديمها إلى المخرج الشهير (لويجي سكاتيني)، وسجلت معه إعلاناً تجارياً عن القهوة، شكّل مفتاح مسيرتها في عالم السينما الإيطالية؛ حيث عادت مجدداً إلى روما، العام 1973، لتسجل ألبوماً غنائياً راقصاً لصالح المخرج (بييرو إميلياني)، أعادت غناءه مرة أخرى في آخر أفلامها (La ragazza fuoristrada)، منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

العام 1972 سجلت مع المخرج لويجي سكاتيني إعلاناً تجارياً شكّل مفتاح دخولها في عالم السينما الإيطالية

منذ ذلك الوقت، وحتى اعتزالها التمثيل، واتجاهها نحو الإنتاج، جرت مياه كثيرة تحت جسر زودي أرأيّا؛ فحتى العام 1976، أدّت العديد من الأدوار المهمة والرئيسة في حزمة من الأفلام، معظمها من إخراج سكاتيني، وشاركت الممثل الكبير، باولو، في فيلم (Villaggio) الكوميدي.

ثمّ اختطت لنفسها مساراً آخر، ابتدرته العام 1974؛ عندما ظهرت على غلاف النسخة الإيطالية من مجلة "بلاي بوي" الإيطالية شبه عارية، فانهالت عليها العروض للتمثيل في أفلام الإغراء، وظلّ ذلك نهجها إلى أن توقفت عن التمثيل.

 

قلوب ودروع

ربما احترافها لأدوار الإغراء، وظهورها المتكرر في مجلة "بلاي بوي"، هو ما قلّل اهتمام أبناء جلدتها من النقّاد والكتّاب بها، وبتجربتها الشيقة والكبيرة، ويتبدّى ذلك في أكثر من تصريح صحافي؛ إذ دأبت على القول: "في بلادي الأصلية يعتبرونني عاراً، أما في إيطاليا؛ فأنا نجمة ومبدعة".

اقرأ أيضاً: أفلام عربية ترشحت للأوسكار

كحلم غريب أطلت أرأيّا على عالم المخرج والمنتج فرانكو كريستالي، فبعد وقت وجيز من عملها معه، قال لها: "أنت تجلبين لي الحظّ"، وتزوّجا.

عملت أرأيّا إلى جانب زوجها لأعوام طويلة وفي أفلام عديدة، أهمّها: "الفتاة ببشرة القمر، فتاة على طرق وعرة، السيد ربنسون، الجسد، لغز نابولي، كنز بلدي، حكاية الحب والموت، أول يوم في سبأ، مسيرة في الظلام، العضو المجهول)، وأفلام أخرى معه، ومع مخرجين ومنتجين غيره.

فيلم تسيروميو

عملت أرأيّا إلى جانب زوجها لأعوام طويلة وفي أفلام عديدة منا "السيد ربنسون"

​​لكنّ ظهورها البارز، والأكثر تأثيراً في حياتها المهنية ومسيرتها الفنّية، كان في ملحمة "قلوب ودرع" (Hearts and Armor)، العام 1983.

وفاء واعتزال

صحيح أنّه منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ بدأت عزيمة أرأيّا التمثيلية، إن جاز التعبير، تخور، لكنّها ظلت تلامس المشهد السينمائي بين فينة وأخرى، وفي أوقات متباعدة، إلا أنّ ممثلة الإغراء الإيطالية من أصول إرتيرية، قررت الانسحاب من المشهد نهائياً، عقب رحيل زوجها كريستالي، العام 1992، ومنذ ذلك الحين، وإلى الآن، تعمل في إنتاج الأفلام، بمساعدة شريكها، المخرج ماسيمو سبانو، الذي التحقت للعيش معه بعيد رحيل زوجها، ولها منه ابن. 

منذ رحيل زوجها تعمل أرأيّأ بإنتاج الأفلام بمساعدة المخرج ماسيمو سبانو

يقال إنّ زودي أرأيّا، ورغم التحاقها شريكة بماسيمو سبانو، وإنجابها منه، ما تزال تحتفظ بذاكرة لا تهدأ لزوجها الأول، كريستالدي؛ فقد أنتجت فليماً وثائقياً عملاقاً باسم "فرانكو كريستالدي وسينما باراديسو"، استناداً إلى المسيرة المهنية لزوجها الراحل، وهي تدير حالياً مكتبة (Cristaldifilm)؛ التي تعدّ واحدة من أهم مكتبات الأفلام حول العالم.

رغم إنجازاتها الفنية في إيطاليا تمّ تجاهلها ودفن سيرتها حدّ النسيان حتى بين مثقفي بلدها

فيما تقول هي عن نفسها: "تعرّفت إلى فرانكو كريستالدي في وقت مبكر، العام 1975، وذهبت برفقته إلى لوس أنجلوس، كنت خائفة قليلاً، فلم تمضِ سوى بضعة أشهر منذ أن تعرّفت إليه وقتها، لكنّني ما إن اقتربت منه، حتى أحببته بعمق، في تلك الرحلة أطلق عبارته المشهورة: "أنتِ تجلبين لي الحظّ"، لديّ أيضاً ما أفخر به إزاء وطني الأم؛ فقد أنتجت، مع جاك بيرين، فيلماً وثائقياً اسمه "إريتريا: ثلاثون عاماً من العزلة"، وهذا مهمّ لمن لا يرون أنّني أسهمت في النضال ضدّ الاستعمار.  

عار منذ الفيلم الأول

في حكاياتها عن سيرتها، تقول أرأيّا: كان والدي حاكم مقاطعة في إرتيريا، كان سياسياً وإدارياً بارعاً، وله صيت وشهرة، وبطبيعة الحال؛ حين علم أنّ فيلمي الأول "فتاة ببشرة القمر" سيعرض في دور السينما في العاصمة الإرتيرية، اشترى آلاف التذاكر للفلاحين من المقاطعة التي كان يديرها، ودعاهم لحضور الفيلم؛ حيث ابنته تمثّل، لكن كانت الفضيحة مدوّية وهائلة، ووقعت عليه وعلى أسرتنا كالصاعقة، فابنته تظهر شبه عارية وتتبادل القبلات من (الفاشيست)، هذا أمر مُنكَر! وحاول الفلاحون تطييب خاطر والدي، وقالوا له كلاماً كثيراً، لكنّ جرحه غار أكثر، وعندما أتذكّر تلك الأيام، أنظر إليها بسخرية أكثر مما أنا نادمة عليها، ولِمَ أندم؟!

زودي أرأيَّا برفقة سبانو في جوائز ديفيد دي دوناتيلو 2007 الإيطالية

الصفحة الرئيسية