كيف تتحكّم القيود السياسية والاجتماعية بالكوميديا الفلسطينية؟

فلسطين

كيف تتحكّم القيود السياسية والاجتماعية بالكوميديا الفلسطينية؟

مشاهدة

03/12/2019

أدت خشونة الرقابة السياسية والاجتماعية على بعض الأعمال الدرامية، وتضييق الخناق على الحركة الفنية والفكرية، إلى تراجع إنتاج الأفلام والمسلسلات الكوميدية وانحسارها وسط الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، والتي قادت إلى غياب الدعم المادي والمعنوي اللازم لإنتاج أعمال كوميدية تطرح القضايا الفلسطينية المختلفة بطريقة هادفة.

ودأبت السلطة الفلسطينية، بأمر من النائب العام الفلسطيني الأسبق، أحمد المغني، على وقف عرض المسلسل الكوميدي المعروف "وطن ع وتر"، الذي كان يبَثّ على قناة "فلسطين" خلال شهر رمضان المبارك؛ بسبب تطرّقه لموضوعات اجتماعية وسياسية، وتكرار إساءاته وأخطائه وهفواته وركاكة مضمونه، وتحقيره للمقامات وإساءته في النصّ والتعبير، حتى أصبح من الصعب أن تقوم الكوميديا بمناقشة الموضوعات السياسية والاجتماعية والدينية والأعمال التي تتعلق بحقوق المرأة، تجنباً لمنع العمل الدرامي من البثّ أو توقيفه قبل تصويره، ما دفع بعدد من المنتجين والمخرجين إلى الابتعاد عن الحديث في أعمالهم الفنية عن الموضوعات السياسية، وبقيت معظم الأعمال الفنية والدرامية مقتصرة على الجهود الفردية المحدودة للكتّاب والمخرجين، وماتت أفكار بعضهم قبل أن تولد.

اقرأ أيضاً: في يوم التضامن مع الفلسطينيين.. تصعيد إسرائيل يقوض فرص السلام
كان عام 2017، عام السينما الفلسطينية بامتياز؛ حيث حقّق العديد من الأفلام الروائية والوثائقية جوائز عديدة في أبرز المهرجانات العالمية، كان آخرها حصول فيلم "واجب"، لآن ماري جاسر، على جائزة المهر الذهبي، كأفضل فيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي، فيما تقاسم الأب والابن محمد وصالح بكري جائزة أفضل ممثل في المهرجان نفسه.

قيود سياسية واجتماعية
المخرج والممثل الفلسطيني، علي أبو ياسين، يشرح لـ "حفريات": "هناك قيود سياسية واجتماعية على الأعمال الدرامية والكوميدية الفلسطينية، نتيجة حالة الانقسام الفلسطيني والتجاذبات السياسية السائدة، التي ألقت بظلالها على حرية الرأي والتعبير، وهو ما دفع بالكتّاب والمبدعين والمخرجين لتنفيذ الرقابة الذاتية على أعمالهم؛ لإدراكهم أنّ الظروف السياسية والاجتماعية قد لا تنسجم مع أفكارهم، ومن شأنها أن تعرقل إنتاج أعمالهم الدرامية والكوميدية ومنع عرضها محلياً".

عدد المؤسسات الثقافية العاملة في فلسطين يبلغ 625 مؤسسة؛ من بينها 15 مسرحاً، ودارا عرض للسينما فقط

ولفت إلى أنّ "الكوميديا هي من أكثر الأشكال الفنية والدرامية صعوبة، وهي في حاجة إلى حالة من الاستقرار، كي تستطيع أن تقدّم نموذجاً فنياً راقياً، ما دفع بالكتّاب والمسرحيين الفلسطينيين لتقديم أعمال درامية تعزز الهوية الثقافية الفلسطينية، وتعكس الحالة الوطنية، وتقدم رسالة للعالم توضح فيها معاناة الشعب الفلسطيني، وأنّه شعب محتلّ يعاني الأمرّين، تحت سطوة الاحتلال الإسرائيلي وعنجهيته المستمرة".
يعتقد أبو ياسين أنّ الرقابة على الأعمال الدرامية والكوميدية ضرورية لضبط الحالة الفنية الفلسطينية بشكل عام، "حتى لا تصدم الدراما الجماهير بأيّة مشاهد لا أخلاقية أو منافية للحياء والعادات والتقاليد الفلسطينية، أو الإساءة للوطن، فالمخرج والفنان والكاتب هو ضدّ إحداث الفساد أو التهريج في الأعمال الدرامية والكوميدية، ويحاول أداء الأعمال التي تتناسب وتتماشى مع المجتمع الفلسطيني المحافظ، خاصة أنّ الحالة الفلسطينية ما تزال تمرّ بأوضاع سياسية واجتماعية مأساوية تتطلب تكاتف الجميع للخروج بأعمال وطنية واجتماعية هادفة".
الكوميديا هي من أكثر الأشكال الفنية والدرامية صعوبة

قيود غير واضحة
وعن القيود التي تحاصر المنتجين والمخرجين، وتمنعهم من إنتاج أفلام تناقش قضايا المجتمع وأوضاعه السياسية، يقول أبو ياسين: "لا توجد قيود واضحة على إنتاج الأعمال الفنية والكوميدية، لكنّ هناك عصا غليظة مختفية خلف الستار، وهي غير معلنة، ومن يحاول تجاوزها ينتهي مصيره داخل المعتقل، حتى بات الفنانون والمبدعون الفلسطينيون لا يشعرون بأيّ نوع من الحماية أثناء أدائهم أعمالهم، أو قانون يستطيع حمايتهم، في حال جرى اعتقالهم نتيجة لتعبيرهم عن رأيهم".

المنتج زهير البلبيسي: فلسطين تمتلك المئات من المبدعين والممثلين، ويفتقر هؤلاء إلى شركات إنتاجية تدعم أفكارهم وتتبنّى أعمالهم

وبيّن أنّ "الفنّ هو انعكاس ضروري للجمال، ودوره هو الارتقاء بالوعي الفكري والفنّي للكتّاب والفنانين، ويتوجب على هذا الفنّ ألّا يسيء أو يتطاول على الدين والمجتمع والرموز الوطنية للدولة، إلا أنّ غالبية الأعمال الفنية والكوميدية الفلسطينية تندرج تحت مسمّى "الكوميديا السوداء"، التي تسخر من العذابات التي يعانيها المجتمع، وتجعل المشاهد يتفاعل معها بطريقة ساخرة".
الاهتمام بالأعمال الكوميدية
ويرى أبو ياسين أنّ الأيديولوجيا تفرض نفسها على المبدعين والمخرجين الفلسطينيين، كما أنّ للعادات والتقاليد دوراً بارزاً في نجاح الأعمال الدرامية والكوميدية، "لذا نجد أنّ معظم العائلات، خاصة في قطاع غزة، تمتنع وترفض فكرة مشاركة بناتها في الأعمال الدرامية أو الوقوف على خشبة المسرح، ويرون أنّ ذلك الأمر مخالف لعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، في حين أنّ مشاركة الفتيات في الأعمال الدرامية والكوميدية الوطنية والمناهضة للاحتلال الإسرائيلي، يعدّ قوة فنية ناعمة لإيصال صوتهنّ للعالم".

اقرأ أيضاً: لماذا يُجبَر الفلسطينيون على اعتماد مناهج تعتبر إسرائيل دولة الشعب اليهودي؟
ودعا أبو ياسين إلى "ضرورة اهتمام وزارة الثقافة الفلسطينية بتبني ودعم إنتاج الأعمال المسرحية والكوميدية، والاهتمام ببناء دور العرض السينمائية والمسارح ومعاهد للفنون المسرحية والسينمائية، وتجاوز الانقسامات السياسية والجغرافية، بهدف النهوض بالأعمال الفنية على مستوى الوطن".

الدراما وتشكيل الوعي الفكري
ويقرّ المنتج والمخرج الفلسطيني، زهير البلبيسي، بوجود رقابة سياسية واجتماعية على الدراما والكوميديا، "رغم انتقاد بعض الأعمال الدرامية والكوميدية الفلسطينية بعض القضايا السياسية دون التطرق أو المساس بأشخاص أو أحزاب سياسية بعينها، أو الخوض في الموضوعات الاجتماعية الحساسة التي لا تتناسب مع عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني، ويتم ذلك على المسارح وشاشات التلفزة بطريقة غير مباشرة".

اقرأ أيضاً: قصة 5 مشاريع لتوطين اليهود خارج فلسطين.. لماذا لم تنجَز؟
ويرى البلبيسي في تصريحه لـ "حفريات" أنّ "القيود على الأعمال الفنية الفلسطينية يجب ألا تقتصر على الموضوعات الاجتماعية والسياسية فقط، ويجب أن تتطرق لكافة القضايا المجتمعية"، مستدركاً بأنّ "الدراما الفلسطينية يقع على عاتقها الهمّ الأكبر في تشكيل الوعي الفكري لدى الجماهير، كما وتستطيع الكوميديا إيصال رسائلها إلى المشاهدين والعالم بطريقة أسرع من إلقائها عبر المنابر السياسية".

ولفت إلى أنّ "فلسطين تمتلك المئات من المبدعين والممثلين، ويفتقر هؤلاء إلى شركات إنتاجية تدعم أفكارهم وتتبنّى أعمالهم، في ظلّ غيابها عن المشهد الثقافي الفلسطيني، حتى بقيت الدراما والكوميديا الفلسطينية تراوح مكانها وتقتصر على بعض الجهود الفردية".

صعوبات وعقبات كبيرة
وتابع البلبيسي: "قبل حدوث الانقسام الفلسطيني، عام 2006، كان تلفزيون فلسطين، الذي يتبع للسلطة الوطنية الفلسطينية، يتبنى إنتاج عدد من الأعمال الدرامية والكوميدية، وشهدت الحالة الفنية ازدهاراً ملحوظاً في تلك الفترة، واهتماماً واضحاً من قبل عدد من المؤسسات المحلية والأهلية التي اهتمت بإنتاج الأعمال المسرحية والكوميدية الفلسطينية، أما في غزة؛ فيعمل تلفزيون "الأقصى"، الذي يبتع لحركة حماس حالياً، على إنتاج المسلسلات التي تقتصر على المقاومة فقط، ولا يتم التطرق للموضوعات التي تتعلق بهموم المواطنين الاجتماعية والثقافية والإنسانية".

اقرأ أيضاً: المستوطنات والجدار العازل يهدّدان إنتاج العسل الفلسطيني
وعن أبرز العقبات التي تواجه الدراما الفلسطينية، يقول البلبيسي: "هناك صعوبات وعقبات كبيرة، أهمها الإغلاق المستمر للمعابر، الذي حرم عدداً من المخرجين والمنتجين الفلسطينيين من المشاركة في أعمالهم الفنية في المهرجانات الدولية والعربية، إضافة إلى قصف الاحتلال الإسرائيلي وتدمير عدد من المنشآت الثقافية والمسرحية؛ كمؤسسة سعيد المسحال للثقافة والفنون في غزة، حتى أصبحت غزة تفتقر بشكل تامّ لدور العرض السينمائية والمسرحية فيها، ناهيك عن غياب الدعم المالي، الذي أثّر سلباً في إنتاج أعمال درامية فلسطينية جديدة، واقتصر تمويل عدد منها على بعض المؤسسات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية".
وبحسب إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، عام 2017؛ فإنّ عدد المؤسسات الثقافية العاملة في فلسطين يبلغ 625 مؤسسة؛ من بينها 15 مسرحاً، ودارا عرض للسينما فقط.


الصفحة الرئيسية