الربوت في مواجهة التحرش

الربوت في مواجهة التحرش


22/03/2018

إذا واجهت مشكلة كبيرة في مكان العمل، هل من الممكن أن تلجأ إلى جهاز روبوت ليساعدك في حلها؟

"حدثني عن أدق التفاصيل التي تتذكرها عن الواقعة، حتى تلك التفاصيل التي قد تبدو لك تافهة. وخذ كل ما تحتاجه من الوقت، فأنا مُصغٍ لك".

ربما يبدو هذا الحوار كأنه مأخوذ من أحد الاستجوابات التي تجريها الشرطة مع الشهود، لكنه في الحقيقة مجموعة من الجُمل المسجلة في برنامج كمبيوتر مصمم لمحاربة التمييز والتحرش في مكان العمل.

وهذا البرنامج هو روبوت دردشة تفاعلية يطلق عليه "سبوت". وأُطلقت هذه الخدمة المجانية في فبراير/شباط، ويمكن الوصول إليها عبر موقع إلكتروني. ويسجل الروبوت الإجابات التي يكتبها المستخدم ردا على مجموعة من الأسئلة يطرحها عليه الروبوت، ثم تُجمع هذه الإجابات وتُرتب لإعداد تقرير يسرد تفاصيل واقعة تحرش جنسي أو تمييز في مكان العمل.

فإذا أبلغته إحدى الموظفات، على سبيل المثال، عن تعرضها للتحرش الجنسي من قِبل رئيسها في العمل، سيطرح عليها الروبوت مجموعة من الأسئلة لمعرفة تفاصيل الواقعة ووقت حدوثها.

ويأمل المطورون أن تسهم هذه الطريقة في التحدث مع الروبوت في تشجيع الناس على الخروج عن صمتهم، دون الخوف من الوصمة ونظرات الآخرين التي ستلاحقهم إذا تقدموا بشكوى رسمية، على أمل أن تصبح بيئة العمل حيزا آمنا وتسود فيها الشفافية والنزاهة.

كيف يعمل روبوت موقع "سبوت"؟
في الوقت الحالي، يستطيع أي شخص الإبلاغ عن واقعة تحرش أو تمييز على موقع "سبوت"، وقد يكون ذلك من الكمبيوتر المنزلي، إذا كنت ترغب في أن تخفي الأمر عن صاحب العمل.

وصُممت برامج روبوت الدردشة، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لتقديم آراء مجانية للمستخدم، من دون أن يشعر بالإحراج أو يتعجل في الإجابة.

ويعتمد طول الحديث مع الروبوت أو قصره على عدد التفاصيل التي يتذكرها المستخدم حول الواقعة، مثل من شهدها، وبم شعر أثناء الاعتداء، وإن كانت لديه أدلة، مثل صورة لتسلسل الرسائل غير اللائقة التي تلقاها، وما إلى ذلك. وإذا ذكر المستخدم اسم أحد الشهود، فيشجعه الروبوت أيضا على أن يطلب من ذلك الشاهد الإبلاغ عن الواقعة.

وفي نهاية الحديث، بإمكان المستخدم تحميل ملف مؤرخ بنسق "بي دي إف" يحوي نص الحديث الذي دار بينهما، ويمكنه أيضا أن يستند إليه إذا أراد أن يرفع شكوى للإدارة في الشركة في أي وقت شاء.

ربما يكون الحجم الحقيقي للتحرش في أماكن العمل غير معروف، لكن استطلاعا للرأي أجرته "بي بي سي" على ما يزيد على ألفي شخص، كشف عن أن نصف النساء اللائي شاركن في الاستطلاع تعرضن لأحد أشكال التحرش.

ويرى البعض أن أغلب حالات التحرش والتمييز في مكان العمل لم يُبلّغ عنها. وقد سلطت أبحاث كثيرة صادرة عن مؤسسات تعليمية الضوء على هذه الحقيقة المؤسفة، وهذا يعني أننا في حاجة ماسة إلى المزيد من الأدوات والآليات لمعالجة هذه المشكلة.

تقول كاميلا إيلفيك، باحثة ومرشحة للحصول على الدكتوراة بجامعة ساسكس بالمملكة المتحدة، وعملت على تطوير روبوت الدردشة "سبوت": "أوضح تقرير أكثر شمولا عن هذه المشكلة أن نسبة الحالات المُبلَّغ عنها في الولايات المتحدة لا تتعدى 30 في المئة من إجمالي حالات التمييز والاعتداءات".

تقول إيلفيك: "كنا نهدف إلي تطوير أداة تعتمد على طرق نفسية لتعزيز الذاكرة، حتى يستحضر المُستجوب أدق التفاصيل عن الواقعة، كما لو كانت ماثلة أمامه، من خلال استخدام أسلوب الاستجواب المعرفي".

ويخيّر الروبوت "سبوت" في النهاية مقدم البلاغ بين التوقيع باسمه أو إخفاء هويته عند إرسال التقرير لإدارة الموارد البشرية بالشركة. ويمكنه الاحتفاظ أيضا بالنسخة الأصلية للرجوع إليها لاحقا.

وتقول جوليا شو، التي شاركت في تأسيس موقع "سبوت"، والخبيرة في دراسات الذاكرة بكلية لندن الجامعية (يو سي إل): "لنفترض أن الواقعة تكررت بعد ثلاثة أشهر، وأردت حينها أن تبلّغ عن الواقعتين". ربما تنسى بعض التفاصيل الأساسية في غضون الأشهر الثلاثة، مثل الشهود. وتضيف: "وفي هذه الحالة، ستفقد تفاصيل مهمة ومفيدة عن الواقعة، ونحن نحول دون فقدان هذه المعلومات".

وفي أعقاب انطلاق حملتي "مي تو" (أنا أيضا)، و"تايم إز أب" (نفد االوقت)، تتبارى شخصيات بارزة ورؤساء في قطاعات عديدة للتوصل إلى آليات وأدوات فعالة للقضاء على التحرش والتمييز في أماكن العمل، والذي بات ضرورة ملحة في بعض القطاعات. إلا أن ثمة عقبات لا تزال تمنع الناس من الإبلاغ عن هذه الحالات.

وتقول جوليا شو: "أشار استطلاع للراي إلى أن معظم الأشخاص الذين استطلعت آراؤهم لم يكونوا يعرفون آليات الإبلاغ عن حوادث التحرش أو التمييز، فلم يتنبهوا على سبيل المثال إلى وجود سياسة في المؤسسة تمنع هذه الممارسات.

وأكثر ما يُقلق الضحايا هو رد الفعل الانتقامي، بسبب التداعيات السلبية للإبلاغ التي ذكرها آخرون، مثل الحصول على درجات متدنية في تقييم الأداء والاستبعاد الاجتماعي في مكان العمل، وتفويت الفرصة عليهم في الترقي، وغير ذلك".

وتضيف: "كما فضل البعض عدم الإفصاح عن خصالهم الشخصية، مثل الميول الجنسية، أو المشاكل الصحية، وكانت لديهم مخاوف بشأن الثقة والسرية".

وفي إحدى الدراسات التي أُجريت على نساء يتدربن ليصبحن ضابطات بوزارة الدفاع الأمريكية، ذكرت نساء إنهن لم يبلّغن عن حوادث التحرش الجنسي خشية تعرضهن للإقصاء أو الانتقام.

كما ربطت دراسة بين التحرش وبين انخفاض مستوى الرضا الوظيفي وتردي الحالة الصحية. وكشفت دراسة أُجريت على أعضاء هيئة التدريس بجامعة إثيوبية عن وجود علاقة بين التعسف، وسوء المعاملة، والتحرش الجنسي في مكان العمل وبين زيادة معدلات الاكتئاب.

وتقول إيلفيك: "ولكن دراسة أثبتت أن الإبلاغ عن التعرض للتمييز أو التحرش والتعامل مع البلاغات بفعالية، يسهمان في الحد من الآثار السلبية للتمييز والتحرش على الصحة".

د تستخدم أجهزة روبوت الدردشة بعض جوانب أساليب الاستجواب المعرفي، وهي طريقة فعالة في التحقيقات لمساعدة الشهود في استحضار تفاصيل الجريمة.

وتقول أمينة ميمون، أستاذة علم النفس بجامعة رويال هولواي بلندن، إن نجاح الاستجواب المعرفي يعتمد على الأساليب المستخدمة فيه، مثل الابتعاد عن الأسئلة المغلقة التي تتطلب الإجابة بنعم أو لا، أو الأسئلة الإيحائية التي تحمل في طياتها الإجابات، وإعطاء الشاهد الحرية المطلقة للتوقف والتمهل في الإجابة وفي الاستفسار عن أي شيء غير واضح أو لا يعرفه.

وتقول ميمون: "نستعين في الاستجواب المعرفي بمعلوماتنا عن الذاكرة وكيفية استحضار المعلومات والمبادئ الأساسية للتواصل الفعال، ونجمع كل هذه المعلومات معا لنعد تقريرا مفصلا، ونحصل على أكبر قدر من المعلومات".

وترى شو أن روبوت الدردشة قد يكون أفضل من البشر في تذكير المستجوب بالتفاصيل والحصول على إجابات دقيقة.

وتقول شو: "ينساق البشر وراء افتراضاتهم وتحيزاتهم، مثل الفكرة المسبقة عن صورة الشخص الجدير بالثقة أو طريقته في التحدث، وهذا ينطبق على محقق الشرطة أو الشخص المسؤول بإدارة الموارد البشرية. أما الروبوت فليس لديه آراء شخصية أو أفكار مسبقة، وقد يدير حوارا حياديا آليا".

العيوب المحتملة
لكن بعض الخبراء غير مقتنعين بأن هذا النوع من الروبوت سيدير الاستجواب المعرفي بنفس كفاءة البشر.

وتقول لورين هوب، أستاذة علم النفس المعرفي بجامعة بورتسموث: "حتى هذه اللحظة، لا توجد أي أدلة بعد تثبت أن الروبوت، مثل سبوت، يمكنه أن يساعد المستجوب على استدعاء الذكريات باستخدام أساليب الاستجواب المعرفي، وباختصار، لا نعرف بعد جودة المعلومات التي سيجمعها الروبوت، ولا شعور الشهود الذين يُستجوبون بهذه الطريقة".

وتضيف أن الاستجواب المعرفي لا يقتصر على الأسئلة المفتوحة، إذ يجب أن يقيم المحقق علاقة ودية أيضا مع المستجوب، أو يستخدم عبارات أو أساليب تساعد الشاهد على استحضار الذكريات، مثل تذكّر تفاصيل الواقعة بالتسلسل العكسي، أي من النهاية إلى البداية، أو أن يحاول إعادة تصوير البيئة التي حدثت فيها الواقعة.

وتقول هوب: "ستكون ردود الروبوت سطحية أو خالية من المشاعر، وسيطرح أسئلة غير مترابطة، وسيصبح الحوار مبهما ومشوشا، كما لو كنت تتفاعل مع نوع أقل نفعا من المساعد الافتراضي 'سيري'".

ولا يزال الباحثون بموقع "سبوت"، مثل راشد مينهاس، المحاضر في علم الجريمة بجامعة ديربي، يبحثون في مدى كفاءة الروبوت "سبوت". ويقول مينهاس إن المشاركين في إحدى الدراسات شاهدوا مقطع فيديو لحادثة تحرش جنسي، ثم أعادوا سرد الأحداث باستخدام الروبوت، ولا تزال الشركة تبحث في كيفية الاستفادة من المعلومات لتحديد الآليات المثلى للاستجابة لبلاغات التحرش والتمييز في أماكن العمل.

لكن بالنظر إلى مئات البلاغات التي تلقاها الموقع حتى الآن، والتقارير التي أُعدت بمعرفة المستخدمين، من الواضح أن أجهزة الروبوت ساعدت في كسر حاجز الصمت المحيط بالتحرش والتمييز، حتى لو كان صوت الناس سيصل إلى آلة فقط.

عن "بي بي سي"




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية