هيئة علماء السودان.. انتهازية إخوانية تسعى للسلطة

هيئة علماء السودان.. انتهازية إخوانية تسعى للسلطة

مشاهدة

07/12/2017

ليس كمثل هيئة علماء السودان تجذراً رهن السلطة السياسية، في الأولين، ولن يكون مثلها في المتأخرين كذلك. ولا غرو في ذلك؛ فهي هيئة لجماعة الإخوان المسلمين، المعروفة بالتطرف، وإنتاج العنف، والتحريض على الكراهية، جُلّ أعضائها منهم، بما في ذلك أمينها العام.
ويعتقد كثيرون أنّ تموقع الهيئة في أقصى يمين الحكومة الإخوانية في الخرطوم، أمرٌ مدبَّرٌ و(محبوكٌ)؛ إذ يترك لها أن تلعب دور اليد الباطشة (عند اللزوم)، دون أن تتكبد الحكومة مشقّة ذلك.
غير ذلك، ليس لهيئة علماء الإخوان السودانيين، المسماة هيئة علماء السودان، دور في الحياة الاجتماعية، أو في الحياة التربوية، أو في التنوير، والمعرفة، وإفشاء روح التسامُح والمحبّة بين المواطنين، فقط هي باطشة بجانب العرش.

ليس لهيئة علماء الإخوان السودانيين، المسماة هيئة علماء السودان، دور في الحياة الاجتماعية 

وباطشة هنا، تأخذُ ذات المعنى الوارد في الحديث الشريف: "فإِذا موسى باطِشٌ بجانب العرش"؛ أَي متعلق به بقوَّة، كما البَطْشُ هو الأَخذ القويّ الشديد، وهذا بالضبط هو تمام وظيفة هيئة علماء المسلمين، ومهمتها، ودورها.   
بطبيعة الحال، فإنّ وسم الهيئة بأنّها منظمة سياسية باطشة، له من الحيثيات والأدلة والإثباتات، ما يجعلنا نكتب في ذلك أسفاراً ومجلدات، لكنّنا سنكتفي ببعض الإشارات؛ لأنّنا لا نشكّ أبدًا في أنّ القارئ (لبيبٌ)، وذكي، وحصيفٌ؛ ففي العام 2006، عدّت الهيئة مؤسّسها وعرّابها الأول، الدكتور حسن الترابي، بعد أن أصبح معارضاً للحكومة، عدّته مارقاً وزنديقاً، بعد أن أعلن أنّه "لا مانعَ لديه في أن تؤول رئاسة السودان إلى مسيحيٍّ، أو امرأةٍ، طالما كان من يتسلّم المنصب عادلاً ونزيهاً". لكنّها لم تنبس ببنت شفة، والتزمت صمتاً مُهيناً، عندما عاد الترابي إلى سربه مرة أخرى، وتصالح مع الرئيس عمر البشير؛ بل وأشاد بعض أعضائها بصفاتهم الشخصية بالشيخ، وعدّوه مجدِّداً للدين، وحامياً لبيضته، فتحوّل الرجل، بين ليلة وضحاها، من زنديقٍ مارقٍ، إلى فقيهٍ عالمٍ متنسّكٍ، حبرٍ من الأحْبَارِ، متعمقٍ ومتفقِّهٍ فـي دِينهِ، متبصّرٍ في العلمِ والأخْبَارِ.

هيئة علماء السودان هي جهةٌ دينيةٌ تابعةٌ للحزب الحاكم، ويتم تمويلها منه مقابل أن تفتي بما يرضي السلطة

لا أحد يساوره شكّ في أنّ هيئة علماء السودان، هي جهةٌ دينيةٌ تابعةٌ للحزب الحاكم، ويتم تمويلها منه، مقابل أن تفتي بما يرضي السلطة، فرئيسها، محمد عثمان صالح، في حديث سابق له عام 2014، عدّ "القنوات التلفزيونية السودانية مساهمةً في هزيمة المشروع الإسلامي للدولة، مطالباً الجهات المسؤولة بوضع حلّ جذري للمشكلات التي خلقتها القنوات، ومنع الغناء في شهر رمضان؛ لأنّه يساعد على الفساد"، لكنّ الرجل ذاته لم يتحدّث قط عن الفساد المالي العميم، ولم ينتقده، ولم يطالب الحكومة بالقضاء عليه.
ليس ذلك فحسب؛ بل حمّلت الهيئة في فتوى مشهورة لها، الشعب السوداني ارتفاع الأسعار، والغلاء الشديد الذي يجتاح الأسواق، وقالت إنّ الحكومة لا تتحمّل ظاهرة الغلاء منفردةً؛ بل يشاركها الشعب والمجتمع في ذلك، وطالبت التجار والمواطنين بالتوبة، والإكثار من الاستغفار، والعمل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، حتى تنخفض الأسعار، وتزدهر الأحوال.
الهيئة لا تكتفي بذلك؛ بل تتعداه إلى الأمور الشخصية، فتطالب الرجال السودانيين بالزواج؛ مثنى وثلاث ورباع، من أجل القضاء على ما تسميه "ظاهرة العنوسة"، وتعدّ التعدد حلاً ناجعاً لهذه المشكلة، بحسب اعتقادها، فيما تعيش أكثر من 90% من الأسر السودانية تحت خطّ الفقر، ويتفشّى الفساد بشكلٍ غير مسبوق، والهيئة تنصرف إلى فتاويها الهزلية المنفصمة عن الواقع، والمخاصمة له.

هيئة يكتنفها الكثير من الفساد في نسق إدارتها ومواردها المالية وتبعيتها السياسية واستغلالها الدين لأغراض سياسية

وقد أصدرت في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بياناً حول لقاء نائب وزير الخارجية الأمريكي، جون سيلفيان، برجال دين مسلمين ومسيحيين سودانيين، إبّان زيارته الخرطوم وقتها، رداً على مطالبته الحكومة السودانية بالابتعاد عن إثارة الصراعات الدينية العنيفة، والعمل على بذل الحريات كافّة، وإلغاء القوانين التي تعاقب النساء إذا ارتدين، ما تعدّه شرطة النظام العام (شرطة ذات طابع ديني) زيّاً غير محتشمٍ. وقد قالت الهيئة في بيانها، في خصامٍ واضحٍ، وفصامٍ بائنٍ، مع الواقع الراهن والماضي القريب: إنّ "البلاد لم تشهد صراعاً دينياً وعقائدياً في تاريخها، وإنّ السودان سيتمسك بثوابت الأمة محل الإجماع، ولا تفريط في ذلك، وحفظ حقوق الإنسان، وأهل الأديان، هو من صميم منهج الإسلام".
إلى جانب ذلك، تبدو هيئة علماء السودان الآن، في ظلّ التحولات الكبيرة التي تطرأ على المنطقة، والسودان أيضاً، تبدو كالمنبت، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى، فبعد أن فقدت مكانتها الرمزية في السودان، ها هي تحشر أنفها فيما لا شأن لها به، وتتدخل في الأزمة الخليجية الراهنة، وتصطف إلى جانب قطر، وما بيانها الشهير الصادر آنذاك، إلّا دليلاً قاطعاً على ما ذهبنا إليه، من توصيفها بأنها ذراع للإخوان المسلمين، فانظروا ما ورد فيه: "نطالب دول المقاطعة العربية بالعدول عن موقفها، ورفع الحصار المفروض على قطر فوراً، ونزع فتيل الأزمة الخليجية، وعدم إلقاء التهم جزافاً، دون تثبّت أو برهان، إضافةً إلى عدم الانجرار وراء مُخطّطات الأعداء، الهادفة إلى تدنيس المقدسات، وانتهاك الأعراض، واحتلال الأراضي، ولا سيما فلسطين".
هذا بيان شديد الإيغال في التعبير عن تنظيم الإخوان المسلمين، فبدلاً من نصح الطرفين المُتنازعين، إن كان ذلك من وظائف الهيئة أصلاً، تعرض لطرفٍ واحدٍ، وتعدّه مُخطئاً؛ بل ومُنجراً، ومُنفذاً لمخططات أعداء الأمة، ومُخططاتها الرامية إلى تدنيس المُقدسات، وانتهاك الأعراض".
لا شكّ لدّي، في أنّ هيئة علماء السودان، التابعة للإخوان المسلمين، هيئة يكتنفها الكثير من الفساد، في شتى السياقات؛ في فتاويها، ونسق إدارتها ومواردها المالية، وتبعيتها السياسية، واستغلالها الدين لأغراض سياسية دنيوية؛ لذلك فإنّها إلى زوال وشيك، خاصّة بعد أن اكتشف الجميع أنّها ليست تجمّعاً لعلماء أفاضل، مستقلين عن السلطة السياسية؛ بل هم يتبعونها، ويقتاتون من مائدتها، ويستظلون بظلّها.

الصفحة الرئيسية