رحلة نفسية في رؤوس مغتصبي الأطفال والمتحرشين بهم

التحرش

رحلة نفسية في رؤوس مغتصبي الأطفال والمتحرشين بهم

مشاهدة

17/09/2018

قالت المحللة النفسية التونسية الدكتورة رضوى فرغلي إنّ "الاغتصاب واحد من أقسى العقوبات والصور العدوانية التي يمكن أن تسلط على جسد المرأة التي تتعرض له منذ ولادتها أو حتى قبل الولادة. إحدى هذه الصور إجهاض الجنين إذا كان أنثى، وختان البنات، والضرب، وجرائم الشرف، وعلى رأس كلّ ذلك الاغتصاب، وهذه علاقة تحكمها الكثير من الأشياء خاصة بالتكوين الثقافي والجنسي النفسي والاجتماعي والأخلاقي للشخص".

اقرأ ايضاً: الاغتصاب في إيران ظاهرة تكشفها قصص واقعية

وجاءت تصريح فرغلي لـ "حفريات" في أعقاب عثور أجهزة الأمن التونسية في ولاية باجة أواخر الشهر الماضي على طفلة تبلغ من العمر (15 عاماً) تعرّضت لعملية اختطاف واغتصاب من قبل مجهولين تبيّن أن أحدهم رجل أمن. وأشار تقرير وزارة الداخلية إلى أنّ الوحدات الأمنية عثرت على الفتاة ملقاة بواد يبعد عن منزلها خمسة كيلومترات، بعد أن تداول الخاطفون على اغتصابها. وتابع البلاغ أنّ الفتاة "صرّحت قبل دخولها في حالة غيبوبة أنّه تم تحويل وجهتها وتعنيفها والاعتداء عليها جنسيّاً من طرف مجموعة من الأشخاص بعد تعمّدهم تعنيف والدتها وجدّتها"، حيث لاقت الجدّة الثمانينية حتفها، بعدما لم يقوَ جسدها على مقاومة الاعتداء.

وزيرة المرأة التونسية تزور فتاة باجة في المشفى

الجنس تحوّل إلى سعار

وترى الدكتورة فرغلي، في ضوء هذه الجريمة، أنّ "الجنس تحوّل إلى سعار ينهش بلا تمييز، مجموعة من المهووسين جنسياً ينتهكون حتى الأجساد البريئة، التي لا تحمل أي شكل من أشكال الإغواء أو المناداة للذكر التي تستند إليها بعض فئات المجتمع، التي قد تحمّل المرأة مسؤولية التحرش بها، والاعتداء الجنسي عليها، فحتى الأطفال أصبحوا نهباً لهؤلاء المهووسين جنسياً".

وتعمل فرغلي استشارية للعلاج النفسي، وهي متخصصة في الاضطرابات الجنسية ومشكلات الأطفال والمراهقين والعلاقات الزوجية. وتؤكد أنّ للأسرة دوراً مهماً من المفترض إذا توفر أن يحول دون الظاهرة أو أن يحد منها على الأقل. هذا بالإضافة إلى شعورهم المفرط بالأمان أو عدم الوعي بخطورة الواقع وتشوهه، "لأنّ بعض الناس يعيشون أحياناً نوعاً من الأمن النفسي، مبررين ذلك بأنّ مثل هذه الاعتداءات لا يمكن أن تبلغهم".

المغتصب أو المتحرش لا يختار التحرش الهادئ أو العلاقة العادية بل يجد لذة في فكرة الاعتداء الجنسي

وتضيف أن الأسرة أحياناً "تقلل، حتى لو بحسن نية، من شأن تشوه الواقع والثقافة الذي نعيشه، فلا تحرص جيداً على البنت".

وتنبه فرغلي إلى ضرورة تغيير المنظومة الفكرية والثقافية والاجتماعية والقانونية لتفادي هذه الجرائم التي يذهب الأطفال الأبرياء ضحاياها، فـ"الاغتصاب أصبح ظاهرة تنذرنا بالخطر الشديد إذا لم نغير من منظومتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية والقانونية؛ لأننا كل يوم نسمع ونقرأ عن حوادث بشرية يفقد فيها الطفل أو الطفلة عذريتهم الجنسية والجسدية والنفسية والروحية، وأحياناً تدفع البنت حياتها ثمناً للحظة شهوة عمياء".

التوعية الجنسية المفقودة

بالإضافة إلى ذلك، ترى الدكتورة فرغلي أنّ من بين أهم أسباب ظاهرة التحرش أو الاغتصاب "غياب نوع من التثقيف الجنسي للبنت في صغرها"، كأن تتعلم بعض العادات الوقائية التي تحميها من الوقوع في فخ التحرش والاغتصاب مثل "عدم السماح للآخرين بلمسها، ومن يسمح له بلمسها وأنواع اللمس".. إلخ.

اقرأ أيضاً: إلى أي حد تفشت حالات الاغتصاب في مجتمعاتنا؟

ومن الأسباب الرئيسية للاغتصاب والتحرش أنّ هؤلاء المتحرشين أو المعتدين جنسياً على الأطفال، الذين تسميهم "صيادي الأطفال"، يعانون من اضطراب نفسي وجنسي، و"يعانون من انحراف خصوصاً الذين يستهدفون الأطفال من سن 3 إلى 15 يعانون من "بيدوفيليا"، التي تعني الانجذاب الجنسي للأطفال، وهم مجموعة من المنحرفين يشعرون باللذة الجنسية بملامستهم للأطفال ومضاجعتهم لهم، وهو حسب علم النفس نوع من الشذوذ الجنسي".

المغتصب أو المتحرش في نظر فرغلي "عدواني جداً، شخص سادي، والسادية تتميز تحديداً في فعل الاغتصاب؛ لأنّ السادية في تعريفها الأصلي هي اشتقاق اللذة أو الشعور باللذة من إيقاع الألم على شخص في عملية جنسية".

من أسباب الاغتصاب والتحرش أنّ المتحرشين يعانون من "البيدوفيليا" والتي تعني الانجذاب الجنسي للأطفال

والمغتصب أو المتحرش "لا يختار التحرش الهادئ أو العلاقة العادية، بل يجد لذة في فكرة الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب، خصوصاً عندما يكون لشخصية أضعف منه، ويتجلى هذا الضعف في الأطفال؛ لأنه يشعر بمدى قوته المتوهمة، أو قوته الظاهرية. فأحياناً هذا الاغتصاب يعقبه موت الضحية، وهنا يكون الجاني قد شفى غليله من هذه الضحية التي يعرفها أو لا يعرفها، لأنه حقق لها موتاً روحياً وجنسياً إذا عاشت وموتاً حقيقياً إذا توفيت".

ولهذه العدوانية أسبابها أيضاً، فقد تكون "رغبة في الانتقام من أسرة الضحية، أو رغبة في الانتقام من الضحية نفسها، أو إثباتاً لقوة معينة أو فحولة متوهمة عند الشخص، أو يكون إشباعاً سادياً لرغبة، أو عداء كامناً للمجتمع ككل، فينتقي أضعف الفئات فيه، وينفّس عن رغبته السادية أو العدائية فيها تعبيراً رمزياً عن عدائه للمجتمع ككل".

الرغبة في الإذلال

زيادة عن ذلك فإنّ الاغتصاب مرتبط برغبة في إذلال الآخر، خصوصاً في المجتمعات العربية التي يمثل فيها المسّ بالشرف أقسى أنواع الإذلال؛ إذ تشدد فرغلي على أنّ "الاغتصاب حالة إذلال يريد الجاني من خلالها، سواء شعورياً أو لا شعورياً، أن يُذل الضحية خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي يمثل فيها الشرف الجنسي المعنى الوحيد لمفهوم الشرف، وبالتالي أقصى حالات الإذلال هي الإذلال الجنسي في فقدان البنت عذريتها أو شرفها، وتكون طريقة ينال بها للأسف من الضحية أو من المجتمع أو من أي شخص يمت لها بصلة".

الإدمان والاضطراب النفسي

ومن الأسباب التي تدفع المجرم لاغتصاب أنثى أو فتاة صغيرة هو إدمان المخدرات أو الكحول لأنّ الجاني يكون "خارجاً عن السيطرة وفاقداً للوعي في تلك اللحظة، هذا ليس مبرراً ولكنه يعطي توصيفاً"، على حد تعبيرها.

الاغتصاب مرتبط برغبة في إذلال الآخر خصوصاً في المجتمعات العربية التي يمثل فيها المسّ بالشرف أقسى أنواع الإذلال

ولكن هل يعني ذلك أن كل الذين يسكرون أو يكونون تحت تأثير المخدرات يفعلون هكذا؟ تجيب الدكتورة فرغلي: "بالنسبة إلى كثيرين منهم يتراجع عندهم الإحساس بالمحرمية النفسية الخاصة، حتى إنّ كثيراً منهم يعتدون على جيرانهم وأقاربهم وأولاد أصدقائهم بل وحتى بناتهم، وقد عاينتُ فعلاً مثل هذه الحالات التي يكون فيها المعتدي هو الأب أو العم أو الخال أو أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية تحت تأثير الكحول أو المخدرات". أضف إلى ذلك "أن يكون الشخص مضطرباً أو مريضاً نفسياً. فثمة أوقات يفقد فيها الشخص سيطرته على سلوكه الجنسي، وبالتالي يكون أهم شيء أثناء هذه النوبة أن يشبع هذه الرغبة من أي جسد ولداً أو طفلة".

كيف يمكن الحد من التحرش؟

تعاظم هذه الظاهرة يطرح بجدية سؤالاً عن كيفية الحد منها أو القضاء عليها، وذلك لا يكون إلاّ بتوفير "الجو الأسري الدافئ، والعلاقة الجيدة مع الطفل، واحتواء الشخص المعني، وإشعاره بالأمان ورعايته وتطمينه وحمايته ومتابعته والقرب الشديد منه، وتوعيته بكيفيات التصرف عبر ما يسمى بـ "خطة الأمان" (الاتصال بالنجدة، الصراخ، محاولات الإفلات..) والتثقيف الجنسي والتفريق بين أنواع لمسه وتعليمه طريقة التسليم الصحيحة مثلاً".

الرعاية الأسرية تساهم في حماية الطفل من التحرش والاعتداء الجنسي

وتنوه الدكتورة فرغلي إلى ضرورة "الرقابة والتصرف بحذر مع الأطفال بطريقة ذكية، لأنّ الطفل يستدرج أحياناً للاغتصاب بطرق متعددة منها الفيسبوك، وغيرها من وسائل التواصل الحديثة".

كما أنّ الاهتمام الإعلامي بهذه القضية عبر البرامج والفيديوهات والمقاطع وغيرها لتوعية الطفل وإرشاد الأسر إلى الطرق الأنسب للتعامل مع الأطفال، عوامل من شأنها أن تحد من الظاهرة وتنبه إلى أخطارها الجمة، وفق الدكتورة فرغلي، التي تدعو إلى "الإبلاغ عن أي شخص يحاول الاعتداء على الأطفال أو التحرش بهم، وتفعيل القوانين الرادعة الموجودة في معظم البلاد العربية".

اقرأ أيضاً: تصل عقوبة التحرش الجنسي في التشيك إلى الإخصاء.. ماذا عن الدول العربية؟

تعقيد الواقع المعاصر وكثرة مشاكله وحروبه وعدم الاهتمام بالصحة النفسية وإلغاء البعد الروحي في الإنسان، من بين عوامل كثيرة، جعلت ظاهرة اغتصاب الأطفال تتفاقم يوماً بعد يوم، دون توفر الوسائل الكفيلة بردع مقترفيها، رغم توفر بعض التشريعات التي تنزلها منزلة الجريمة العادية التي يمكن أن تحصل في كل مكان وزمان، وتعاملها معاملة جريمة سرقة أو غيرها. لكنّ الواقع، كما يؤكد الخبراء، أثبت أنّ المسألة في حاجة إلى إستراتيجية متكاملة تبدأ من البيت والأسرة إلى المدرسة والكلية والشارع والحافلة وسيارات الأجرة، حتى لا تتكرر مأساة فتاة باجة التونسية مرة أخرى.

الصفحة الرئيسية