"علامات في طريق القتال".. هل تكفي السير الذاتية لفهم الظاهرة الإرهابية؟

1010
عدد القراءات

2018-01-28

الاعتماد على السير الذاتية، في فهم ظاهرة الجهاد المعولم، مسألة شائكة للغاية، فغالبية هؤلاء الجهاديين، لم يكتبوا سيرهم الذاتية، أو مذكراتهم الشخصية، ولم تحرص أي شخصية منهم على كتابة تاريخها المرتبط بتاريخ الجماعة، إما لزعم التورع الذي "قد يفقد المجاهد ثواب جهاده عند الله"، وإما خوفاً من كشف عورات التنظيم وعدم إثارة الخلافات داخله، أو منح أجهزة المخابرات معلومات مجانية يمكنها الاستفادة منها في معالجتها للتنظيم، أو تسديد ضربات له ولأعضائه وقياداته، أو حتى تعرض أهلهم للإيذاء عبر الضغط عليهم.

فرضية السيرة الذاتية للجهاديين

إلا أنّ كتاب "علامات في طريق القتال.. ما تفصح عنه حياة مائة جهادي عن حركة عالمية" يتّخذ هذا المنحى في تحليل ظاهرة الجهاد العالمي، عبر قراءة سير هؤلاء القادة الجهاديين، وبُني على فرضية تقضي بأنّ الرحلات الفردية هي ما تشكل ظاهرة الجهاد العالمي، "هكذا على الإطلاق"، وهو ما يعني أنّ تأثير الأفراد هو المعول عليه في تشكيل الشبكات، وتعد المعارف بذلك من أهم اعتبارات الجهاديين العالميين، والاتصالات الشخصية، وفق هذا التحليل، مفتاح مهم ساعد على تطور الحركة الجهادية.

الاعتماد على السير الذاتية في فهم ظاهرة الجهاد المعولم مسألة شائكة للغاية لأن غالبية الجهاديين لم يكتبوها

الكتاب الصادر عن "مركز الدراسات الدينية والجيوسياسية" بالمملكة المتحدة الذي كتبه ثلاثة من الباحثين هم: مبارز أحمد، ميلو كمرفورد، إيمان البدوي، يعتمد على التدقيق في السير الذاتية لــ100 جهادي بارز، على اختلاف جنسياتهم، ولغاتهم، وظروفهم الاجتماعية، حتى يصل في النهاية لعدد من النتائج غير الدقيقة نتيجة الاعتماد على أخطاء معلوماتية فادحة.

ومن الأسماء التي درسها الكتاب، الذي نشرته مكتبة الاسكندرية عبر سلسلة "مراصد" وترجمته للعربية شريهان سعد، "أبو أيوب المصري" الذي قاد تنظيم القاعدة في العراق، خلفاً لأبو مصعب الزرقاوي، حتى قتلته القوات العراقية والأمريكية العام 2010، ومنهم أيضاً "سيف العدل"، أحد زعماء "القاعدة".

غلاف الكتاب

أخطاء تشكك في نتائج الكتاب

الكتاب يذكر أنّ "المصري" التحق بكلية الصيدلة، قبل تحول اهتمامه بدارسة الاقتصاد، ثم درس علم التشريح في المملكة العربية السعودية، وأنّه كان عضواً بارزاً في جماعة الإخوان المسلمين... وهو ما يؤكد أنّ الكتاب وقع فريسة للمعلومات غير المدققة على شبكة الإنترنت، التي خلطت بين القيادي السلفي الجهادي، شريف هزاع، الذي يحمل كنية "أبو أيوب المصري"، وعبدالمنعم عز الدين البدوي، الذي حمل الكنية ذاتها، وهو الشخصية الحقيقية التي تزعمت تنظيم القاعدة في العراق، وقيل إنّه هو الذي وضع الأسس الحالية لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

لا شك أنّ ذلك يفقد البحث جزءاً من صدقية نتائجه، ويشكك في نسب الاستبيان، فـ"البدوي"، لم يدرس الصيدلة أو التشريح؛ بل تخرج من كلية التربية بجامعة الزقازيق، شمال القاهرة، وذلك سيؤثر في النسبة المئوية للعينة التي ضمت المائة جهادي، التي تؤكد أنّ الذين خرجوا من كليات عملية أو تطبيقية بلغت 57%.

الكتاب وقع في مغالطات واضحة نتيجة الاعتماد على معلومات خاطئة في السير الذاتية لمئة جهادي بارز

وإذا عرفنا أنّ "البدوي" لم يكن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، فأنّ ذلك سيغير في النتيجة التي قررت أنّ نسبة 59% انتقلوا من جماعة إلى أخرى، وأنّ نسبة 51% قد انتقلوا من جماعة إسلامية غير عنيفة، وخاصة جماعة الإخوان والجماعات التي تنتسب لها.. وهكذا.

لكن الملاحظة المهمة أنّه في سرد سيرة "أبو أيوب المصري" تغاضى الكتاب عن الإفصاح عن مسمّاه الحقيقي أصلاً، وهو عبدالمنعم عز الدين البدوي، واكتفى بكنيته فقط، بدون ذكر للأسباب، فربما الغموض الذي يكتنف الشخصية، قد أبعدهم عن ذكر اسمه الحقيقي، لتلافي الوقوع في أخطاء، إلا أنّ الكتاب ارتكبها بالفعل!

أما في السيرة الذاتية لسيف العدل، فقد وقع الكتاب في خطأ مشابه، فلم يكشف الاسم الحقيقي للشخصية، التي تاهت بين اثنين، أحدهما كان ضابطاً في الجيش المصري، وهو محمد صلاح الدين زيدان، والآخر هو محمد مكاوي؛ مما كان له تأثيره في النتائج أيضاً، التي حاولت الخروج بنسبة مئوية من العينة تتعلق بمن كانت لهم علاقات بالدولة، أو خدم في الجيوش النظامية.

بين التجنيد الفردي والمصادفة

فالتجنيد الفردي الذي تطلق عليه بعض الجماعات "الدعوة الفردية"، يحتل محوراً مهماً في كيفية تجنيد الأفراد لدى تلك الجماعات، إلا أنّ هناك وسائط وأدوات أخرى للتجنيد من بينها الجماعة ذاتها ككيان معنوي، فضلاً عن أحداث ومواقف وظروف دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية، تساهم بشكل كبير في دفع الأفراد للالتحاق بالجماعات دون تأثير للأفراد بشكل مباشر.

فالمصادفة وحدها هي التي دفعت أبو مصعب الزرقاوي لتشكيل تنظيمه "التوحيد والجهاد" في العراق؛ حيث ألقت به الرياح إلى هناك بعد الهجمات الأمريكية على أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، رغماً عنه، كما أنّ وجوده السابق في أفغانستان أيضاً كان مصادفة؛ إذ إنّ غايته كانت الشيشان، لكنّ ظروفاً ما حالت دون وصوله لهدفه فحول وجهته إلى أفغانستان، ثم إلى العراق، قبيل الغزو الأمريكي العام 2003.

ينبّه الكتاب لدور الأفراد الخطير في بناء الشبكات داخل السجون باعتبارها جزءاً مهمّاً في تطوير هذه الشبكات

إلا أنّ التأثير الأكبر في تحول شخصية "الزرقاوي" في البداية إلى سلفي جهادي عنيف، كانت حادثة فردية صدمته، حين كان يلهو في مدينة الزرقاء الأردنية.

ويأتي دور العلاقات الشخصية عن طريق ما يطلق عليه في أدبيات التنظيمات "التزكية"، وهو المصطلح التي يستخدم لتمرير عضوية لأحد العناصر الجدد، حتى تضمن عدم اختراق تنظيمها الشبكي.

التجنيد داخل السجون

كما يعتبر الكتاب أنّ دور الأفراد في بناء الشبكات داخل السجون خطير للغاية، ويشدد على اعتبار "السجون جزءاً مهمّاً في تطوير الشبكات الجهادية؛ ففي السجون يتواصل القادة الجهاديون، بعضهم مع بعض ويطورون أيديولوجيتهم ويبنون العلاقات لما بعد، ولهذه التجارب أثرها الفعال، فينمو الفرد داخل الدوائر الجهادية، وعليه، لا بد أنّ تكون السجون قادرة على عرقلة هذه المعاملات".

هذا رصد صائب للدراسة، ولما يمكن أنّ تفعله السجون، في خلق شبكات جهادية، وإنتاج عناصر جديدة أو أكثر تشدداً، تبع ذلك توصية يصعب تنفيذها في واقع السجون العربية على الأقل، فقد تحتوي السجون في العديد من تلك الدول، على الآلاف من السجناء الجهاديين، الذين قد يصعب فرزهم، وبناء سجون بمواصفات عالية يمكنها تحقيق ذلك، فضلاً عن حالة الفساد الإداري التي تتيح، بشواهد كثيرة، لكثير من السجناء القدرة على إدارة عمليات من داخل السجون، وتنفيذ عمليات هروب، وليس فقط حرية التواصل بين الزنازين والعنابر.

انتكاسات المراجعات

وتتطرق الدراسة لعمليات المراجعات التي أجراها عدد من الجماعات الجهادية، في إشارة واضحة لتجارب الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وترى أنّه "قد تخلى الكثير من الإسلاميين والجهاديين عن فكرهم، من خلال برامج معالجة التطرف في السجن بالعديد من الدول العربية، وليس من المرجح أنّ يتخلى الجهاديون المتعصبون عن أهدافهم الإسلامية بسهولة، ولكن اتباع منهج منظم للتعامل مع العنف في فكرهم يعتبر خطوة بداية أساسية، وضع كبار الجهاديين في زنزانات مستقلة داخل السجون وعزل القادة والمفكرين، الجهاديين الحاليين عن المبتدئين؛ مما سيساعد على منع إنشاء هياكل نحو التطرف".

عمليات المراجعة داخل السجون آتت ثمارها لدى البعض إلا أنّه ثبت فشلها عند عرضها للتقييم الشامل

صحيح أنّ عمليات المراجعة داخل السجون قد آتت ثمارها لدى البعض، إلا أنّه ثبت فشلها عند عرضها للتقييم الشامل، فلم يمر سوى عامين على مراجعة الجماعة الليبية المقاتلة، حتى قادت حركة جهادية مسلحة ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي، ثم انبثق عنها العديد من المليشيات المسلحة، التي ما تزال تعاني منها الدولة الليبية حتى الآن.

كما أنّ مراجعات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر، منيت بانتكاسة كبرى، بدأت إرهاصاتها بعد سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، ثم أخذت في التجلي بعد أحداث الـــ30 من يونيو 2013.

التعليم الديني لسجناء التنظيمات

وتنصح الدراسة بــ"توفير برامج التعليم الديني الإلزامي للسجناء المدانين بجرائم تتعلق بالفكر الجهادي؛ بحيث تتضمن دراسة نقدية للنصوص الأساسية للفكر السلفي الجهادي، وقراءات معمقة للأدب التعديلي التصحيحي الذي أنتجته شخصيات ومجموعات رائدة ممن نبذوا العنف، ودراسة لأعمال كبار علماء الإسلام عبر التاريخ من أجل تطوير فهم أكثر تقدماً عن دور الإسلام في المجتمع الحديث، وتدشين برنامج إرشادي بين المدانين بجرائم الفكر الجهادي وعلماء الإسلام من المؤسسات الدولية المرموقة، لتشجيع فهم أدق للدين. وتعد خطط مراسلة "زملاء القلم" المتاحة حاليّاً للسجناء لدعم إعادة تأهيلهم نموذجاً في هذا الصدد".

التزكية مصطلح يستخدم لتمرير عضوية لأحد العناصر الجدد لضمان عدم اختراق التنظيم الشبكي للتنظيمات

لكن المشكلة الأساسية ليست في تقديم الحكومات لتلك البرامج، التي قد يتقبلها عدد من المساجين بعد تأويل أو الاستناد لعدد من النصوص التي تسمح بإبداء التراجع في حالة العسر والضيق، فضلاً عن أنّ الجهاديين مطلقي السراح لن يعولوا كثيراً عما قد يقوله "الأسير".

وتشدد الدراسة على "التأكد من أنّ مختلف أشكال التعليم الديني في السجن تتم تحت إشراف برنامج خاص بإمام مسلم مدرب ومنضبط من أجل منع السجناء الجهاديين من تجنيد زملائهم المساجين للتطرف".

إلا أنّ الدراسة كانت تحتاج لفهم تصور بسيط عن نظرة هؤلاء الجهاديين، لما وصفته بــ"إمام مسلم"، فذلك الإمام يوصف بالكفر عند الغالبية من هؤلاء، أو بأنّه "عالم يسير في ذيل بغلة السلطان" عند الأقلية الأقل تشدداً وتكفيرية.

وتستخدم الدراسة المعادلات الحسابية، التي تخرج بالنسب المحددة، كما يستخدم الجهاديون من ذوي التخصصات العملية حسابات من هذا النوع في الاتجاه المقابل.. فكبار القادة من الجهاديين أمثال؛ أبو بكر ناجي في كتابه "إدارة التوحش"، وضع نظرية افترض فيها دخول العالم في حالة من الفوضى العارمة، بعد قراءة للسياقات الاجتماعية والسياسية الجارية، يقوم بعدها الجهاديون بالتمدد والسيطرة على أنقاضها، وهي معادلات حسابية جامدة التي ليس بالضرورة أنّ تصدق على الواقع الاجتماعي المتغير دوماً.

يكشف الكتاب عن منهجه في الاستبيان، والتقصّي، وصولاً للنتائج: "جمعنا سيراً ذاتية شاملة للجهاديين باستخدام مجموعة واسعة من المصادر المفتوحة، وعكفنا، على تحليلها وترميزها للحصول على الموضوعات المتكررة من خلال العينة، وعرضناها إلكترونيّاً، عن طريق برنامج للبيانات النوعية للحصول على نتائج كمية؛ مما مكننا من رسم الاتجاهات، مع مراعاة، الفروق الدقيقة بالسير الذاتية المختلفة، وباستكشاف عضوية الجماعة والعلاقات الشخصية، البارزة ومسارح العمليات، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالخلفيات بما فيها التعليم والخلفية، الإجرامية والعائلية، تمكنا من اعتبار مجموعة من العوامل المحتملة التي يمكن أنّ تؤثر على رحلة الفرد نحو العنف".

اقرأ المزيد...

الوسوم: