4 محللين جزائريين لـ"حفريات": نحتاج إلى برلمان جديد قبل تعديل الدستور

4 محللين جزائريين لـ"حفريات": نحتاج إلى برلمان جديد قبل تعديل الدستور

مشاهدة

07/07/2020

يرصد 4 محللين جزائريين فخاخاً وتناقضات بالجملة تلقي بظلالها على مشروع التعديل الدستوري المرتقب طرحه على استفتاء شعبي قبل نهاية العام الحالي.

وفي تصريحات خاصة بـ "حفريات"، جرى التركيز على أنّ الجزائر في حاجة إلى برلمان جديد قبل طرح دستور مغاير وليس محض مراجعة تهمّ السلطة ولا تستهوي الشارع.

كان من الممكن الحديث عن ميثاق وطني جديد يُمهّد لدستور جديد، بدل تعديل دستوري يُضاف إلى التعديلات السابقة، وسيضمن ذلك مدة تلتقط فيها الأنفاس وتتقارب فيها وجهات النظر

يركّز عبد الحق بن سعدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، على أنّ "الالتزام بالدستور منعدم تماماً، منذ استقلال الجزائر"، ولذلك، المشكل مرتبط بالتطبيق أكثر من وجود نقص أو ثغرات في الدستور، ولاحظ أنّ "الجزائريين أطلقوا حركة شعبية من أجل تغيير النظام قابلها تشبّث السلطة بالحكم، ورفض الاستجابة للمطالب من خلال المماطلة والتحايل"، على حدّ تعبيره.

ويستند بن سعدي إلى سلسلة الإجراءات المتخذة، وآخرها انتخابات 12 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وما بُني عليها فيما بعد، وهي "تدابير لم تستجب لمطالب الحراك الشعبي"، ما يجعل تعديل الدستور خطوة تهمّ السلطة على وجه الخصوص.

عبد الحق بن سعدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر

 ولاحظ بن سعدي أنّ تعديل الدستور لم يكن مطلباً شعبياً، والإجراءات المعتمدة لذلك زادت من حالة الشكّ والرفض، بدايةً من "اللجنة المشكّلة وعدم اهتمام الرأي العام بالأمر، وانحصار المناقشة في فلك السلطة ومشتقاتها، مع وجود برلمان مزور وضعيف"، على حدّ وصفه.

اقرأ أيضاً: كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟

انطلاقاً من كلّ هذا؛ تبدو المسألة، في نظر بن سعدي، مرفوضة مبدئياً من جهة الحراك الشعبي الذي يرى أنّ السلطة أمر فعلي وليس اختيارياً، والفخّ الأساسي يتعلق بالتناقض الحاصل بين الوثيقة المقدمة تحت عنوان تعديل الدستور، والمسعى السلطوي العام الموسوم بالجزائر الجديدة للتعبير عن تغيير كلي، وهو تناقض واضح في الرؤية والوسيلة، على اعتبار أنّ الموضوع يحتاج إلى دستور جديد وليس معدلاً.

من جانبه، يبدي الوزير السابق للسياحة، عبد القادر بن قرينة، توجساً مما يلفّ المراجعة الدستورية الحالية، ويستدلّ رئيس حركة البناء الوطني بـ "عدم تحرّج" أحمد لعرابة رئيس لجنة إعداد الدستور، عن وصف الشعب الجزائري بأنّه "غير مؤهلّ" لاستيعاب مقتضيات المواطنة، وقوله إنّ "الدستور الجزائري لا بدّ من أن يخلو مستقبلاً من قيم الشعب وموروثه القيمي والتاريخي".

اقرأ أيضاً: هل يوقظ حراك المؤسسات المصغّرة "العملاق النائم" في الجزائر؟

وتابع بن قرينة: "ليس من عادتي تلقّط السلبيات، لولا أنّ هذه التصريحات صادمة ولا تمثل الحياد ولا الموضوعية المتوقعة من رئيس لجنة إعداد مسودة الدستور، ولا تمثل غالبية الشعب الجزائري، ولا تعبّر عن نخبه الوطنية، بل تطعن في مصداقية قائلها، وتعرّض مسودة الدستور للشكوك والظنون وتعطي نقّاده الحجّة".

وجوب التصحيح   

يضيف بن قرينة: "الدستور هو الوثيقة العليا للدولة ومرآة الشعب العاكسة لهويته ومشروعه الوطني مما يستدعي من رئيس الجمهورية تصحيح هذا الوضع، ويستدعي من مختلف القوى الوطنية أن تبادر إلى حوار وطني يحمي مكتسبات الحراك المبارك ومساره نحو الجزائر الجديدة في ظلّ الوفاء لنوفمبر، ولرسالة الشهداء وتطلعات الجزائريين، بعيداً عن التشنج والتخوين وتحريف النقاش عن مساره".

الوزير السابق للسياحة، عبد القادر بن قرينة

ويوقن بن قرينة: بأنّ "الجزائر عروس مهرها مليون ونصف مليون من الشهداء، شعبها واحد موحّد، بربر وعرب، امتزجت دماؤهم في مشروع ثوري تحرري واحد نوفمبري ببيانه المؤسّس ولا تتحقق المواطنة إلا بتبنيه وعدم الحيد عنه، تحافظ عليه الأمة الجزائرية، التي لا بقاء ولا عزة لها إلّا بتمسكها بدينها الإسلام ولغتها العربية وتراثها الأمازيغي وتنوّعها الثقافي".

من جانبه، يلفت الباحث الإستراتيجي، زكرياء بورزق، إلى وجود شكوك حول جدية السلطة في التغيير ووضع دستور يجسّد تطلعات الحراك الشعبي، بما فيها القاعدة الشعبية التي صوّتت لصالح الرئيس، وأول ملاحظة هي تعيين أحمد لعرابة في رئاسة اللجنة المكلفة، وهو نفسه الذي تمّ تكليفه من قبل الرئيس المعزول، عبد العزيز بوتفليقة، لإعداد دستور 2016، وهذا يضعنا أمام إشكالية "اعتماد منظومة الرئيس الحالي على الأشخاص أنفسهم من منظومة الرئيس السابق، لصناعة التغيير".

 الباحث الإستراتيجي، زكرياء بورزق

ويحيل بورزق إلى عدم لجوء الرئيس لخيار الذهاب لانتخابات تشريعية مسبقة تفرز ممثلين شرعيين عن الشعب، بدلاً من البرلمان الحالي الموروث عن الحقبة البوتفليقية، ويكون دوره مناقشة مواد الدستور المقترح من اللجنة المكلفة والتصويت عليها كلّ على حدة، قبل عرضها النهائي للاستفتاء الشعبي، أو خيار انتخاب مجلس تأسيسي يتكفل بإعداد دستور يجسد التطلعات الشعبية لحراك فبراير 2019، وهذا يطرح إشكالية رغبة السلطة في الانفتاح على المجتمع وإعطائه حيزاً للمساهمة في إعداد الدستور وصناعة التغيير.

اقرأ أيضاً: 8 محللين جزائريين يعاينون موقف بلادهم من الأزمة في ليبيا

وفي مقام ثالث؛ يرى بورزق أنّ مضمون المسودة المطروحة شبيه إلى حدّ كبير بدستور 2016؛ فهي مشروع لـ "دستور برنامج" يجسّد المشروع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للرئيس، ولا يرقى لأن يكون وثيقة قانونية سامية عن الأفراد ويجسّد مشروعاً وتصوراً مجتمعياً للدولة، ثمّ إنّها لم ترق لتطلعات العديد؛ فهي لم تجسد أحد أهم المطالب، ألا وهو استقلالية القضاء وإخراجه من هيمنة السلطة التنفيذية، كما أنّها لم تقلص صلاحيات الرئيس بما يتماشى والنظام شبه الرئاسي المقترح، وتضمنت إمكانية تعيين نائب رئيس، وتلك من خاصيات الأنظمة الرئاسية، والإبقاء على مجلس الأمة، رغم إلغاء الثلث الرئاسي، وإقصاء مواد الهوية من النقاش العام واحتكار السلطة لحقّ صياغتها، إضافة إلى عدة نقاط أخرى تثير التحفظ حول استقلالية لجنة الخبراء في إعداد المسودة، وإن كانت معيّنة لإعداد دستور على المقاس.

شكوك جدية

يتصور بورزق أنّ الإطار العام المحيط بالتعديل الدستوري والتصريحات الرسمية بشأنه يثيران "شكوكاً جدية" حول نية السلطة في صياغة وثيقة جامعة سامية تلبّي التطلعات الشعبية، ومن المستبعد أن تكسب تأييداً شعبياً للتصويت بالإيجاب عليها حتى من المؤيدين للرئيس".

بدوره، يلاحظ الأكاديمي يعرب جرادي؛ أنّ محطة التعديل الدستوري الحالي مهمة، نظراً إلى ما ستفرزه من تغييرات، غير أنّها من الممكن أن تتحول إلى "لحظة عابرة لا تجد لها أثراً، إن لم نحسن، كمجموعة وطنية، التعامل معها، فينبغي أن نعي أولاً أنّ الدستور لا يتوجه من حيث هو خطاب كلي لفئات غير منسجمة، بل هو يقوم على إذابة الحساسيات المختلفة وقولبتها في صيغة جامعة، تسمح بمواجهة التحديات العالمية الحالية والقادمة".

محطة التعديل الدستوري الحالي مهمة، غير أنّها من الممكن أن تتحول إلى "لحظة عابرة لا تجد لها أثراً، إن لم نحسن، كمجموعة وطنية، التعامل معها

ونوّه جرادي إلى أنّ الشعب الجزائري "حقّق الانسجام الوطني من خلال أول ثورة وطنية حديثة، وهي ثورة أول نوفمبر التي أفرزتها الحركة الوطنية بمختلف تنوّعاتها، والتي ارتكزت على قاعدة صلبة مكّنت من تحقيق المميّز بين شعب وأرض محتَلّين، ونظام استيطاني فاشي وعرقي".

وتتمثل هذه القاعدة الصلبة، بحسب جرادي، في البعد الحضاري الإسلامي المواجه لخطاب الرّومنة، وتجديد الشعور الوطني في بعديه التاريخي (الجزائري) واللساني (العروبة)، المواجه للإدماج والفرنسة، وعليه لا يمكننا فهم مكونات الهوية الوطنية إلا من خلال السياق النضالي الوطني الذي أنتجها، لا من خلال جدل أيديولوجي يلوي عنقه بحسب الحساسيات الجهوية والعرقية واللهجية.

 الأكاديمي يعرب جرادي

وتابع جرادي: "إذا انسقنا إلى منطق عزل المكونات الذي نصّت عليه الديباجة عن بعضها البعض، فإنّ ذلك قد يكون مقدمة لتشطير أبعاد الهوية الوطنية وجعلها عناصر متنافسة لا بناء متكاملاً، وقد ظهر هذا في ابتداع ازدواجية لغوية ضمن دستور لدولة واحدة، وهي تجربة جديدة في تعديل 2016، وكذا مسودة 2020، ما قد يأذن بتنافسية لغوية غير مأمونة العواقب".

ويلاحظ جرادي؛ أنّ الدراسات اللغوية المعاصرة تؤكّد على ضرورة التمييز بين اللغة الرسمية المعبّرة عن حضارة ما واللغات المحكية، تتمثل هذه الحضارة عندنا في "الحضارة الإسلامية" التي استعيدت ضمن الكفاح العلمي الذي قادته النخب الفكرية بعد الحرب العالمية الأولى، من خلال الجرائد المكتوبة بالعربية على مدى نصف قرن تقريباً. وهو ما ظهر أيضا في الشعار الذي رفعه حزب الشعب الجزائري الإسلام ديننا العربية لغتنا والجزائر وطننا.

غموض

يشير جرادي إلى تنوعات لغوية مميّزة موزعة على أماكن مختلفة من الجزائر، تؤكد على الحالة الازدواجية التي اتّسمت بها، فقد كان سكان المناطق غير الحضرية يحافظون غالباً على هذه الحالة، مقابل المدن التي تنطق دوماً بلغة الحضارة الجامعة، فعموم الشعب الجزائري لا يعيش هذه الازدواجية، بقدر ما هو تجاور لغوي بين أحادية داخل المدينة، وثنائية في مناطق محدودة.

اقرأ أيضاً: لماذا فشل لوبي أردوغان في "توجيه" القرار السياسي الجزائري؟

ويعلّق: "كانت العربية دوماً لسان حضارة شعوب المغرب الإسلامي، بل كانت اللغة الجامعة والإسمنت الذي يرصّ صفوفها، وكان هذا خاضعاً لتحولات ثقافية فكرية وثقافة عميقة في التاريخ لا يمكن نسخُها بجرّة قلم أسود، وبعيداً عن كلّ هذا الجدل؛ تبقى جملة "الشعب الجزائري حرّ ومصمّم على البقاء حراً"، كلمة جامعة مانعة، تعبّر عن الهوية الإنجازية، التي تخضع لمنطق التاريخ، والتي تفسّر تشكّلات الشعب الجزائري عبر التاريخ، وصور تفاعله مع الأحداث التاريخية الكبرى، وقدرته على الدفاع عن نفسه وصراعه مع حملات المسخ والتشويه".

وينبّه جرادي إلى غموض بعض الجمل التي جاءت في مسودة التعديل الدستوري؛ كالحديث عن "خطاب الكراهية"، الذي يعدّ أمراً جديداً أيضاً، لم يفسّره أيّ قانوني أو مختص في القانون الدستوري، وهو أشبه ما يكون بقانون غير معلن للأقليات.

اقرأ أيضاً: هل لغّمت الحكومة الجديدة حراك الجزائر؟

ويتساءل: "لا نفهم هاهنا عن أيّة أقلية نتحدث؟ وما طبيعتها؟ هل هي أقلية لغوية أم دينية أم عرقية، أم هي كلّ ذلك؟ وهو ما يدخلنا في رواق الخطاب الضمني أو المسكوت عنه الذي نهمس به في آذاننا ولا نُصرّح به، فما هي حدود هذا الخطاب؟ وما هو مفهومه الحقيقي الذي يبعده عن كلّ جدل وتأويل؟".

جدل دسترة الحراك

إزاء دسترة الحراك الشعبي، يستفهم جرادي عمّا إذا كانت السلطة "ستدستر" كلّ حركة تظهر في المستقبل؟ وهل يمكن مقابلة الحراك الشعبي بثورة أول نوفمبر؟ وإن كان الأمر كذلك؛ فلماذا لم تتمّ دسترة "ثورة أكتوبر 1988"، التي تعدّ معلماً تاريخياً لنقل الحياة السياسية من الأحادية إلى التعددية، وقد كان بالنسبة إلى جيل كامل حدثاً بارزاً؟

ويتوقع جرادي: "سندخل في جدل صراع الأجيال، وسنخلق شرعية تعيق النقاشات القادمة، هي شرعية الحراك الشعبي، هذا لا يعني طبعاً الاستخفاف بهذا الحدث، أو التقليل من شأنه"، وأشير كذلك إلى أنّ التعديل الدستوري الحالي اختار تقليداً سياسياً معمولاً به في كلّ الفترات السابقة، وهو المشاورات الموسعة مع العرض على الاستفتاء الشعبي العام.

اقرأ أيضاً: جزائر 2020: الرئيس الجديد في مواجهة 8 خطوات لإنعاش البلاد

ويخلص جرادي إلى القول: "كان السيناريو الأمثل والمحبّذ هو إعادة تشكيل البرلمان الحالي، في انتخابات تشريعية حقيقية تخضع لقانون انتخاب جديد، تناقش بعدها مسودة الدستور، رغم ذلك يعدّ هذا الخيار هو الأهدأ في ظلّ المخاطر التي تتهدّد الحدود الجزائرية، وفي ظلّ تجربتَي تونس ومصر، وما رافقهما من تجاذبات حادة وانسداد مؤسساتي، كان من الممكن الحديث عن ميثاق وطني جديد يُمهّد لدستور جديد، بدل تعديل دستوري يُضاف إلى التعديلات السابقة، وسيضمن ذلك مدة تلتقط فيها الأنفاس وتتقارب فيها وجهات النظر".

الصفحة الرئيسية