ولاية الفقيه بين الجدل الديني والصراع السياسي في إيران

ولاية الفقيه بين الجدل الديني والصراع السياسي في إيران

ولاية الفقيه بين الجدل الديني والصراع السياسي في إيران


29/07/2026

تعرض آية الله حسين علي منتظري، أحد أبرز رموز التيار الديني المعارض في مراحل سابقة، إلى الإقامة الجبرية لأعوام طويلة بعد صداماته السياسية والنظرية مع السلطة، خصوصًا مع تبنيه مبدأ "شورى الفقهاء" بدلًا من "ولاية الفقيه".

وبينما كانت نظرية "ولاية الفقيه" هي الركن الأساسي في الرؤية الفكرية للنخبة الدينية المعممة التي صعدت إلى الحكم في طهران، فإنّ هذه النظرية لم تكن محل توافق أو قبول، سواء على المستوى الديني والحوزوي أو بين القوى السياسية والوطنية في إيران والمنخرطة في الثورة على الشاه. ويقول الباحث محمد بوشيخي إنّه، برغم ما طالها "أي نظرية الولي الفقيه" من جدل كلامي وتوصيفات باللبس والريبة، فإنّ الخميني اعتبرها، في مقدمة كتابه "الحكومة الإسلامية"، نظرية بديهية، وأنّها "فكرة علمية واضحة قد لا تحتاج إلى برهان"، لأنّ "من عرف الإسلام يرى بداهتها". بل إنّ الخميني تبنّى القراءة الأكثر تشددًا لـ "ولاية الفقيه" بقوله بالولاية "العامة" و"المطلقة"، وبالتالي فوَّض "الولي الفقيه"، في زمن الغيبة، كل صلاحيات الرسول محمد والأئمة المعصومين من بعده، فآل إليه "أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات، وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد". وذلك من خلال قراءته لتراث علماء الشيعة الكبار، من أمثال الإسكافي، والطوسي، والعاملي، والجناحي، والنراقي، فأصبح الفقيه، بحسب الخميني، "هو المتصدي لأمر الحكومة"، و"ينهض بكل ما نهض به الرسول، لا يزيد ولا ينقص شيئًا". وبالتالي وجبت له الطاعة، ومن يتخلف عن طاعته "فإنّ الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك".

هذا المفهوم المتشدد لولاية الفقيه، الذي وضعه الخميني، تحول إلى "محدد إيديولوجي"، بحسب ما يشير بوشيخي في دراسة بعنوان: "قراءة في عقل مجتبى خامنئي: تحت التأثير العقدي والإيديولوجي... كيف سيفكر قائد إيران الجديد"، الأمر الذي سيكون مؤثرًا في سياسة الحكم، وهو ما ورثه عنه خليفته علي خامنئي، الذي سعى، رفقة أكبر هاشمي رفسنجاني، قبيل اختياره مرشدًا جديدًا في عام 1989، إلى تعديل الدستور بالتنصيص على ولاية الفقيه "المطلقة"، ليؤكد سمو سلطته الدينية على كل مؤسسات الدولة، بما فيها الدستور، وهو ما فعله عمليًا في مواجهة رئيس الجمهورية محمود أحمدي نجاد، بعد أن عزل، في أيار/مايو 2011، وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، وردَّ المرشد بتخيير أحمدي نجاد بين الإبقاء على الوزير أو تقديم استقالته.

رفض ديني وانتقادات من كبار المراجع

لكن، رغم مرور ما يقرب من خمسة عقود على اختبار نظرية "ولاية الفقيه" عمليًا في تجربة الحكم بإيران، فإنّها ما تزال تلقى اعتراض غالبية مراجع التقليد في المذهب الجعفري الاثني عشري، سواء داخل إيران أو خارجها، الأمر الذي نجم عنه مضايقات وتحرشات في صفوف الرافضين لها من كبار علماء البلد، بمن فيهم الأكثر قربًا من الخميني؛ مثل المرجع الكبير آية الله محمد كاظم الحسيني شريعتمداري، الذي توفي عام 1986، وهو ما يزال قيد الإقامة الجبرية التي فرضت عليه عام 1982، وكذلك المرجع آية الله العظمى الشيخ حسين علي منتظري، الذي تحول إلى واحد من أكبر ناقدي صلاحيات ولاية الفقيه، بعد أن كان من أبرز مهندسي نظام الدولة الإيرانية؛ الأمر الذي دفع الخميني، في عام 1989، إلى عزله من منصبه كنائب لمرشد الثورة الإسلامية.

ورغم وفاء مجتبى خامنئي لنظرية ولاية الفقيه، بحسب مفهوم الخميني لها، الأمر الذي عكسه حصوله على لقب "آية الله" منذ عام 2022، وبالتالي أحقيته في تولي منصب المرشد الأعلى للجمهورية، انسجامًا مع منطوق الدستور الذي ينص على "الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه"، وهو ما تحقق في 8 آذار/مارس، فإنّ تزامن وصوله إلى الحكم مع عزم أمريكي إسرائيلي غير مسبوق على إضعاف إيران وإسقاط نظامها، وتصاعد احتجاجات الشارع ضد السلطة الدينية لنظام الحكم، بات يفرض عليه تبنّي النهج البراغماتي في ممارسة صلاحياته كولي للفقيه لمواجهة التحديات الداخلية، بحسب بوشيخي.

بدائل فقهية لولاية الفقيه

وتابع: "فنظرية "ولاية الفقيه" لم تسلم من نقد بنائها النظري وأصولها المنهجية، في الوسط العلمائي الشيعي داخل إيران وخارجها، فانبثقت اجتهادات تأصيلية للنظرية السياسية في الفكر الشيعي تحصر ولاية الفقيه في الأمور الحسبية دون السياسية، وهو الاتجاه الغالب في الحوزات العلمية، والذي يتبناه المرجع الأعلى في النجف السيد علي السيستاني، الذي سار على نهج سلفه أبو القاسم الخوئي، فقصَر ثبوتها على ثلاثة مجالات فقط، هي: "الفتوى، والقضاء، والحسبة بصيغتها الواسعة"، مستثنيًا منها مجال الحكم". ورفض، بالمطلق، "تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه"، وقال إنّ المرجعية الدينية "ليست معنية بالتصدي لممارسة العمل السياسي"، حيث حصر وظيفتها في "النصح والإرشاد إلى ما ترى أنّه في مصلحة الشعب"، الذي له، على المستوى السياسي، حرية اختيار "الأصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه".

وتابع: "بل حتى القائلون بـ "ولاية الفقيه العامة" لم يجتمعوا على مفهوم موحد بشأنها، ورفض غالبيتهم تركيز السلطة في يد شخص واحد بدعوى أنّه الولي الفقيه، معترضين على احتكاره للسلطة المطلقة للنبي والمعصوم، ومن هؤلاء المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله، الذي دعا إلى "المرجعية المؤسسة" بدل مرجعية الفرد الواحد، وكذلك الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي قال بـ "ولاية الأمة على نفسها".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية